الـــــــــــرأي

الرأي | انفجار بيروت ورواية “الخيميائي” وفرضية الغباء العربي المبين

بقلم: نور الدين الطويليع

    يحدثنا الكاتب البرازيلي باولو كويلو في روايته “الخيميائي” عن رحلة الراعي الإسباني “سنتياغو” إلى أهرامات مصر، بحثا عن كنز رآه في منامه هناك، وعن مداهمة اللصوص له، وسلبهم منه قطعة نقدية كانت بحوزته وإشباعه ضربا، ليخاطبه أحدهم شامتا مستهزئا: “لا ينبغي لنا أن نكون على هذه الدرجة من الغباء. هنا، بالضبط حيث تقبع أنت (قرب الأهرام)، رأيت حلما، قبل سنتين تقريبا، راودني أكثر من مرة. فقد حلمت أن عليّ أن أسافر إلى إسبانيا، وأبحث في الريف عن أطلال كنيسة.. حتى إذا حفرت عند جذع الشجرة أجد كنزا مخبئا، ولكنني لست على هذه الدرجة من الغباء لكي أجتاز الصحراء بكاملها، لمجرد أنني رأيت الحلم نفسه مرتين”.

علم “سنتياغو” من خلال وصف العربي، أن المكان الذي وُصف له هو نفسه الذي كان يرعى فيه أغنامه وينام، فأقفل راجعا، وبمجرد ما وصل إلى المكان باشر الحفر، ليجد الكنز الذي منّى نفسه بالحصول عليه، ويستخرج صندوقا مليئا بقطع الذهب والأحجار الكريمة و”مخلفات غزو نسيته البلاد منذ زمن بعيد، ونسي الغازي أن يحكي عنه لأحفاده” (مقطع من الرواية).

إذا كان باولو كويلو قد صور غباء العرب بكثير من الدهاء من خلال شخصيات ورقية، وأسبغ على العربي في المغرب والمشرق كل المثالب من غباء وقصر نظر وغياب مبادرة وغيرها، ومنح  الآخر (الغرب في شخص سنتياغو) بالمقابل، كل سمات الذكاء والطموح والتحدي، إذا كان باولو كويلو قد فعل ذلك في عالم الخيال، فإن انفجار بيروت قد تكفل بتأكيد ادعائه، وإخراجه من عالم الخيال إلى عالم الواقع.

في رواية الواقع العربي المأزوم، والمثير للشفقة، خرج الأمين لحزب الله حسن نصر الله، سنة 2016، مهددا بتدمير ميناء مدينة حيفا عن طريق استهداف حاويات الأمونيا الموجودة بالميناء، مضيفا أن صاروخا لبنانيا زائد الأمونيا الإسرائيلية يساوي قنبلة نووية، ويعني قتل عشرات آلاف الإسرائيليين. أخذ العدو الصهيوني هذه التهديدات مأخذ الجد، وأخلى الميناء من هذه المادة الخطيرة، ولاشك أن عينه انفتحت على الكنز المخبإ في ميناء بيروت منذ سنة 2013 (2750 طنت من نترات الأمونيوم) بعنبر غير محروس، لا يتوفر بابه على قفل، وبجداره كوة كبيرة تسمح بتسلل شخص راشد إلى الداخل، بما يجعل أي محاولة لاختراق “الموساد” للمكان، وظفره بالكنز (تفجير العنبر بما فيه)، مهمة من السهولة بما كان، وضربا من رحلة سياحية مظفرة لعضوه المجَنّد.

نتساءل هنا: كيف لم ينتبه الساسة اللبنانيون إلى مكمن الخطر، رغم التقارير المحذرة، في الوقت الذي تعامل فيه العدو الصهيوني بحزم مع الموضوع؟ هل يمكن أن نتحدث عن أداء اللبنانيين دور “اللص العربي” في رواية “الخيميائي”، بإرشاد العدو الصهيوني إلى “الكنز” المخبإ في مينائه ليبادر بحصافته إلى تحصينه وإبعاده عن الأنظار، وفتح عينيه على الكنز الملقى في ميناء بيروت، ليسارع “سنتياغو الواقع” (العدو الصهيوني) للوصول إليه بسهولة، ودونما جهد؟ ألا يكرر مقطع باولو كويلو السابق نفسه بصورة أكثر درامية في واقعة بيروت المحزنة؟ ألا يمكننا أن نقول، ونحن نتحدث عن “كنز” ميناء بيروت: “نسيته البلاد منذ زمن، ونسي اللبناني أن يحكي عنه لنفسه”؟ هل يمكن للعدو الصهيوني أن يضيع فرصة ذهبية لهز عاصمة عربية صارت عنوانا للصمود ولخدش نرجسيته، وهو الكيان الإرهابي الذي لن يهدأ له بال إلا ببناء “إسرائيل الكبرى”، مع ما تعنيه من محق للوجود العربي وإبادة له؟ هل له، وهو الذي تلقى صفعة التهديد على القفا، ألا يضيع فرصة ردها صفعتين مدويتين على الوجه؟

الآن عرفنا يا كويلو أننا فعلا أغبياء، وأن غباءنا المبين لن يتوقف عن إهداء الكنوز إلى الآخر، وعن تسجيل الإصابات القاتلة في شباكنا المهترئة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق