ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | “صندوق الاستثمار الاستراتيجي” يمول الأزمة بالديون إلى 2025

تكلفة وأثار اقتراضات الـ 120 مليار درهم تصل إلى 2032

أعد الملف : عبد الحميد العوني

أحدث المغرب “حسابا خاصا” سماه “صندوق الاستثمار الاستراتيجي” في برنامج حكومي ألغى الاستثمار العمومي، في الحصيلة النصف سنوية الأخيرة لسنة 2020، مع حرص وزارة المالية على تفعيل مقتضيات القانون التنظيمي لقانون المالية، في إطار ضرورتين: إطلاق خطة طموحة للإنعاش الاقتصادي، وإطلاق إصلاح هيكلي كبير في المجال الاجتماعي يتعلق أساسا، حسب وزير المالية، بتعميم التغطية الاجتماعية على كافة أفراد الشعب المغربي وتسريع إصلاح القطاع العام.

من جهة، فالدولة تحملت تكاليف المصابين بجائحة “كوفيد 19” دون اعتمادها ضمن “التغطية الاجتماعية”، ومن جهة ثانية، فإن فشل القطاع الخاص في المملكة، وقد عرته التطورات الأخيرة، يدفع إلى القطاع الصحي العام، وهو ما سيكون عليه مصير أي قطاع، وقد لاحظناه في التعليم الخاص، وكل ما هو خاص عاد إلى الدولة، مما جعل القصر يعتمد على تسريع إصلاح القطاع العام كجزء من بقاء الدولة، فالمستقبل ليس في الهولدينغات والخوصصة وبيع مقدرات الدولة، بل استعادة الدولة الحامية، وليست “الجابية”، في هذا الظرف الاستثنائي، لذلك، فتمويل تعميم التغطية الصحية على كل المغاربة وإصلاح القطاع العام، أصبح في المنظور الجديد “استثمارا استراتيجيا”.. إنه “انقلاب” في مفاهيم ما يسمى “النظرة التقليدية” أو “المخزن الاقتصادي”.

تتمة المقال بعد الإعلان

—————————————————————————

 

+ التحول: تعميم التأمين الإجباري عن المرض والتعويضات العائلية لكل طفل والتقاعد لكل شيخ

 

تتمة المقال بعد الإعلان

    في أزمة تمويل حاد، وانكماش اقتصادي، يرغب المغرب في ربح رهانات لم يتمكن منها في كل عقود الاستقلال، لذلك، فإن “الخطاب الرسمي” المبني على “الوعود”، جزء لا يتجزأ من إدارة الأزمات، لكن الأزمة الحالية “صامتة وقوية”، والدولة مضطرة، مع كل ذلك، إلى الإجابة عن تحقيق “آمال” شعبية متأخرة لعقود.

 وتحت سقف الطوارئ الصحية، استطاع النظام “الهيمنة على القرار”، وينتظر الجميع تفعيل “القرارات الرسمية”، فلا أحد يطلب مستشفى بمواصفات معينة، بل التمكن من الاستشفاء – المقتصر على المواد الصيدلية والفيتامينات ـ كما يحدث للبروتوكول الصحي لمعالجة “كورونا”.

إن الوصول إلى الدواء وليس إلى السرير، وإلى الأوكسجين في الحالات المعقدة، هو ما يهم الجميع، فالترف المصاحب للاستشفاء لم يعد جزء من النظرة العامة، والبحث عن معامل “الفعالية” هو ما فرض التحول على رؤية الدولة، وليس لدى الحكومة هامش المناورة الذي يضمن استقرار المملكة إلا من خلال تعميم التغطية الصحية لمواجهة التعميم الذي أحدثته “كورونا”، خصوصا وأن ضحايا الإصابة بهذا المرض عوملوا من طرف الدولة كمستفيدين من التأمين الإجباري داخل مراكز الاستشفاء، أما بالنسبة للتقاعد، فإن الوصول إلى شيوخ المملكة، بعد إصابة هذه الفئة بـ”كورونا”، يجعل مواجهة الفيروس من خلال التغذية جزء لا يتجزأ من المناعة، وهو درس آخر للوباء.

وستكون التغطية على مرحلتين:

ـ الأولى: من سنة 2021، مع اعتبار 2020 سنة بيضاء، إلى 2023، أي في ظرف سنتين، وسيكون تفعيل التغطية الصحية والتعويضات شاملا كل مغربي ومغربية.

ـ الثانية: من سنة 2024 إلى 2025، وسيكون هناك تعميم التقاعد والتعويض عن فقدان العمل، وهي أهداف بعيدة المنال، والمغرب ما بعد 2025 سيكون مختلفا.

والخطوتان منفصلتان إلى 2025 لن تساهما في إعادة تدبير المغرب على أسس جديدة، بل سيتغير “الحزب” وتتغير السياسة في المملكة، وقد تكون السياسة في هذه الحالة مجرد تنافس عقلاني للوصول إلى الأهداف المسطرة.

وبموت السياسة بالطريقة الكلاسيكية ـ المخزنية أو العتيقة ـ سنرى ضغطا إضافيا لاحترام زمن تعميم التغطية الصحية في نهاية 2023 وتعميم التقاعد في 2024، وهي وعود، في ظل الانكماش الاقتصادي، لم تتحقق في عهود عادية، ولسنوات، لذلك، فإن التشكيك الذي تجاوزه المعارضون، يفضي إلى التفاعل الإيجابي مع اقتراحات الدولة في “ظرف حساس”، خصوصا وأن مشكلة تمويل هذين الورشين يجعل:

1) ربح الأمن الغذائي والمعيشي للمتقاعدين والأطفال عبر التعويضات العائلية، والدوائي في اللقاحات ومواجهة الأمراض العامة والجائحة، استثمارا استراتيجيا هاما، بتعبير الوزير بنشعبون، وهي نظرة تنقلب على تيار “الليبرالية الريعية” و”الليبرالية المتوحشة” للذين حكما فترة الاستقلال وخطط الدولة.

2) التعويض عن فقدان الشغل، وقد ظهر المشكل عاما عند النخبة القائدة وصانعي السياسة العامة بالبلد، إذ يظهر أن فقدان العمل كارثة يجب أن يشارك المجتمع، متضامنا مع الفرد، فيها.

+ إقلاع القطاعات الصحية

    إن بناء منظومة صحية لن يكون دون:

1) تأهيل المستشفيات وكل الوحدات الصحية وتنظيم مسار معياري للعلاجات.

2) ضمان الجودة الدوائية والاستشفائية.

3) تطوير البرامج الاجتماعية المنطلقة من تفعيل السجل الاجتماعي الموحد.

4) إصلاح حكامة الأنظمة “الاجتماعية”، وهو مفهوم استخدمه وزير المالية، وإصلاح الحوكمة وهو “تعزيز الحكامة”، وبالتالي، فإن القطاع الصحي يوجد في قلب أي إصلاح اجتماعي، إلى جانب الأمن الغذائي الذي كرس أهمية الفلاحة المغربية.

ولذلك، فإن القطاعات الحيوية والبنيوية هي ما ترغب السياسات الجديدة في الوصول إليه، في مقدمتها إصلاح المقاولة العمومية لإصلاح القطاع العام.

 

التقاعد والتغطية الصحية لكل المغاربة في مقابل تمويل الحكومة للمشاريع الكبرى بـ 15 مليار درهم لنصف السنة الأخير من عام 2020.

+ حذف المقاولات العمومية الغير ذات جدوى

    يدعو وزير المالية المقاولات العمومية التي استوفت وجودها، لأن يجري حلها  وتحذف، وتلتحق بالإفلاسات الخطيرة التي وقعت في القطاع الخاص بفعل “كورونا”.

ولا يمكن لهذا الانتعاش الطفيف، بفعل رفع الحظر، أن ينقذ مقاولات ذات رأسمال عالي المخاطر، وبالتالي، فإن قدرة صمود المقاولة العمومية يتطلب ضخا عاليا، ولا يمكن للمغرب أن يقوم بهذه المغامرة، إلا إن تأكد من جدوى “شركاته العامة”.

وحاليا، ليس هناك حل خارج القطاع العام، وليس هناك، في نظر مراقبين، مال لإنقاذه أو إصلاحه، لأن الفرص السابقة ضاعت كلها، وبالتالي، ليس هناك مجال لإنقاذ الشركات ذات الجدوى المتوسطة فكيف بالشركات “الأقل جدوى”.

وبناء عليه، سيكون من الطبيعي أن نجد التقييمات مختلفة بين القطاعات، لكن وزير المالية يشرف على الإصلاح الإداري، وسيكون مكلفا بتحديد الشركات التي يمكن إنقاذها، والتي يجب تصفيتها لصالح عمل شركات أخرى، مع إعادة توزيع الاختصاصات بما يناسب دقة الإنجاز، وهو الرهان الصعب، لأن هناك إشكالية “فاقدي العمل” بفعل الإفلاسات الاضطرارية لبعض الشركات.

وتبعا لهذه الخطة، فإن قدرة القطاع العام على التضحية بثلثه لإنقاذ نسيجه، ستكون هي معادلة الغد، تحت يافطة “كورونا”، وما لم يمرر من إصلاحات بهذا الاسم، لن يمرر.

فكل شيء في هذه الفترة معطل، أو شبه معطل، في ظل الانكماش الاقتصادي غير المسبوق، منذ تسعينات القرن الماضي، وقد يتأخر المغرب عن مستوى 1996 التي وصفها الملك الراحل الحسن الثاني بالسكتة القلبية.

ولا يمكن اليوم أن يكون الحل “سياسيا” أو “حزبيا”، بل يجب على الإصلاحات أن توحد الإدارة والمواطن في رهان واحد، وهو ما يسميه وزير المالية أمام اللجنة البرلمانية المختصة بـ”الإصلاح الهيكلي العميق”.

ومن المهم أن يعرف المختصون حدود “العمق المطلوب” في هذه الإصلاحات، وإن كانت على نفس المعيار الذي ترغب مؤسسات التمويل الدولي بإنجازه.

وعلى هذا الصعيد، ستكون العملية الإصلاحية بالنسبة للقطاع العام معقدة، في تحديد ما هي الشركات التي ستنجو من الخوصصة ومن الحذف، وما هي الجيدة منها على صعيد التدبير، والتي تفرض أن تكون موجودة في مستقبل المغرب ومن ثم مستقبل الدولة.

إن الشركات الناجية من الخوصصة والحذف، ستكون فاعلة وغير مكلفة، وذات إنتاج جيد أو على الأقل تدبير متقدم.

ولتحقيق هذه الخطوة، سنجد أن الإصلاح القانوني والتنظيمي، جزء لا تهمله الدولة في هذه المرحلة الحساسة، لكنه لن يؤدي إلى النتائج المرجوة سريعا، وبالتالي، فإن حذف المقاولات التي استوفت وجودها، يطرح إشكالا حقيقيا بشأن معايير إعدام هذه المقاولة أو تلك، وبالتالي، فإن من يحدد مثل هذا القرار هو من يرسم مستقبل المغرب، باتجاه الإيجاب أو السلب.

وتبعا لهذه المتوالية، فإن إجراءات خفض الدعم تجاه المقاولات العمومية، بدأت، وانتهى غلاف الاستثمار الموكول لنفس الجهة، وبالتالي، أصبح من الطبيعي: “أن من انتهى عنه الدعم اقترب من المقصلة”، ولذلك، لا تجد وزارة المالية (الوكيل الحصري عن الإصلاح الإداري) أي غضاضة في الفرز بين ما يجب أن يبقى وما يجب أن يعدم من الشركات العمومية، لطبيعة المرحلة القاسية.

وحاليا، هناك أسلوب مرن في ربط الدعم بالأداء، وأي فشل يعني حذف الشركة العمومية، وستكون “مقصلة” الدعم هي عامل القتل أو النجاة بالنسبة لشركات بعينها.

فكل شيء متعلق بمديين: أن قدرة المغرب ستكون في تدبيره، وأي تكرار للتجربة السابقة، سيدفن مرحلة وقد يتواصل ما هو حالي، والمعامل الثاني بعد التدبير، يتمثل في التعامل مع القطاع العام القائم على خلق أقطاب (هولدينغات) عمومية، ومثل هذا الإجراء سيكون عاملا في دمج شركات فاشلة لديها نفوذ، أو لا تريد أطراف حذفها، مع شركة ناجحة تغطي على هذا الفشل.

إذن، فالمسألة لن تكون بالفعالية المرجوة إن ذهب الإصلاح “دون عمق مطلوب” أو كان “تكتيكيا” لتمرير هذه المرحلة الصعبة.

ويرى الخبراء، أن مسألة “حذف أو إعدام شركات عمومية” ليس خيارا مفتوحا ومباشرا، بل قد تكون مسألة الحذف مجرد دمج للشركة الفاشلة في قطب لإعادة تفعيل دورها، ومع ذلك، فإن حفاظ الدولة على مناصب الشغل في الشركات “القابلة للحذف”، ينقل تدبيرها إلى قطب، هو جزء إيجابي لعدم تعميق الأزمة الحالية.

إنشاء أقطاب كبرى عبر تجميع عدد من المؤسسات العمومية التي تنشط، بتعبير وزير المالية، في قطاعات بيروقراطية الأقطاب، يساوي فشل الشركات المتعثرة المنضوية في هذه الأقطاب، ولا يمكن لدولة أن تنتقل من سوء التدبير الناتج عن الوساطة والريع إلى تركيز البيروقراطية، وإن وعد الجميع بالصرامة.

وبين الخيارين، يتضح أن الرهان على القطاع الخاص (الجبان) سقط كليا، وأن خوصصة التعليم والصحة لم تعد بنفس الحماسة، لذلك فـ”الفعالية” هي العملة النادرة في هذا السياق.

وسيقيس المغرب ما بعد “كورونا” كل شيء على معامل “النجاعة” أو الفعالية، بتعبير الوزير بنشعبون، ولذلك، ستعيش الشركات التي خدمت وقامت بتجويد عملها منذ سنة 2001.

وحسب التصريحات الرسمية، ستكون استراتيجية الأقطاب العمومية لتجميع الشركات العمومية، قائمة على:

1) الرفع من المردودية.

2) ضمان النجاعة في استغلال الموارد.

3) عقلنة النفقات.

وبالتمكن من هذه العوامل الثلاثة، سيكون “الإنعاش الاقتصادي” مبنيا على “التمويل المشروط بجودة التدبير”، لأن الخطة لن تكون موجهة لإصلاح هيكلي في جزء أو أمر محدد، بل يسعى المغرب إلى مقاربة شمولية، ولأول مرة، ينظر الرسميون إلى إصلاح عميق ومقاربة شمولية، لأنهم تخوفوا من تحول الإصلاح إلى انقلاب ضدهم أو ضد مصالحهم الآنية.

لكن بفعل أزمة “كورونا”، بدا للجميع أن المواطنين المغاربة، رغم تأثرهم الشديد بالانعكاسات الاقتصادية للوباء، فإنهم قادرون على تفهم الانكماش الاقتصادي على ألا يستغل أي طرف هذا الوضع السلبي لا سياسيا ولا اقتصاديا.

ومن البديهي أن تطلق الدولة مبادرة “الإصلاح العميق الشامل” لتمرير المرحلة التي كلما قست، جاء الوعد والسقف السياسي أكثر ارتفاعا، وكان مهما أن تبدأ الدولة الإصلاح من شركاتها العمومية، وأن يكون التعويض عن خسارة “كورونا” ببناء نموذج “موعود” يؤجل الغضب الشعبي على منظومة صحية ضعيفة، وعلى تدبير سيء.

وفي هذا الصدد، لا يختلف القطاع العام عن الخاص، رغم مساعدة الدولة لخواص في شراء منشآت عمومية.

وحاليا، انتهت كل تفاصيل المنظومة السابقة، ويجب حذف ودفن بعضها تأهيلا لرؤية عند البعض، أو وعود لتمرير المرحلة الصعبة، وبالتالي، سيكون:

1) العمل على الأقطاب المندمجة على صعيد الإنعاش الاقتصادي للقطاع العام، هو الجزء المعتبر في الخطة التي كشف بعضها وزير المالية.

2) العمل على “إجراءات أفقية” كجزء من الحل، وعندما يدقق الرسميون في هذه الإجراءات، يجدون الأمر لا يتعدى “الخصوصيات القطاعية”.

وبالتالي، فكل شيء سيكون تحت السيطرة، لأن “الإجراءات الأفقية” لا تمثل بالضرورة “الإصلاحات العميقة”، ولذلك، فاستراتيجيات الأقطاب هي التي ستدير المرحلة القادمة، وإن تقرر تأجيل خاصية العمق في هذه الإصلاحات المقررة، لأنها عاجلة وضرورية لمصلحة المواطن.

ولهذه العلة، سيكون من المنطقي أن يذهب المغرب في إصلاحه للقطاع البنكي إلى:

1) الأجرأة التي تسعى إلى تمويل “الإصلاحات العميقة”، ويجب في هذه الحالة أن تكون “أفقية”، وهو ما يستهدف الأبناك أيضا، أي أدوات التمويل، وبالتالي، فإن القدرة على تقييم الإصلاحات، لن تكون دون اكتمال النظرة أو المقاربة الأفقية والعمودية المندمجة، وهي غير كافية إلا باستعادة “الصرامة” ضد “الاختلالات”، وهي الكلمة المخففة للفساد.

2) الدمج.

3) الاستئناف التدريجي لنشاط مختلف القطاعات مع استعادة ظروف الإنعاش الاقتصادي كاملة.

وفعلا، جرى التوقيع على برنامج 2020 ـ 2022، المتعلق بقطاع السياحة، والذي سينتهي بتغطية صحية لكامل الفاعلين في القطاع السياحي من التغطية الصحية الشاملة لكل المغاربة، وهذه الالتفاتة تخفف أثار جائحة “كوفيد 19”.

+ ضخ 120 مليار درهم في الاقتصاد الوطني بهدف إنعاشه

    سيكون تمويل الإنعاش الاقتصادي موجبا لتعميق الإصلاحات وشمولها، وإلا فالمغرب لن يخرج من أزمته التي ستصبح أكثر تعقيدا، فالإصلاح ليس خيارا، بل ضرورة حياة بالنسبة للدول.

إن التركيز على المقاولات المتوسطة والصغيرة في القطاع الخاص، وإصلاح المقاولات العمومية، يقصد شيئا واحدا: “إما حياة المقاولة عن جدارة أو حذفها”، لذلك، فمسطرة بقاء مقاولة معينة أو حذفها، ستغطي المقاولة الخاصة والعمومية على حد سواء، وحزمة تدابير الدعم، هي التي سـ”تجعل شركة ما مستمرة أو معطلة” بقرار منها، لأنه لا معنى للفشل مرة أخرى، ولأن القطاع الخاص – العائلي والريعي في معظمه – ليست لديه قدرة التنظيم عبر المجموعات، فإن شركات القطاع العام مؤهلة عبر استراتيجية الأقطاب لربح رهان ما بعد “كورونا” إن تطورت المراقبة على التدبير وأصبحت تعني حياة أو موت الشركة، كما هو مصاغ اليوم.

وتأسيسا على ما سبق، فإن القروض المضمونة من الدولة تصل في الميزانية الاستثنائية للإنعاش إلى 75 مليار دولار، منها ديون أخرى لـ”صندوق الاستثمار الاستراتيجي” وتبلغ 45 مليار درهم.

وفي هذه المعادلة، فإن 12 مليار دولار غير قادرة على تمويل اقتصاد مترنح ويابس (جاف) بفعل ما حدث للفلاحة هذه السنة، حيث يصعب على المغرب  مواجهة النتائج الكارثية لهذه السنة.

ليست “كورونا” وحدها التي دمرت الاقتصاد، بل هناك الجفاف: العامل الصامت الذي منع السدود من سقي المزروعات وتوجيه كل الحقائن للماء الشروب.

ولانقطاع سلاسل التوريد بفعل “كورونا” والجفاف، لم يعد ممكنا تمويل الأزمة بميزانية تزيد عن ديون هي في حدود 12 مليار دولار، منها 7.5 ملايير دولار كاقتراضات و4.5 ملايير دولار كحساب للضمان على هذه الاقتراضات مضمونة من الدولة.

انزلاق الفئات الدنيا إلى تحت عتبة الفقر هو الذي يشكل تحديا لأحزاب الأغلبية الحكومية التي لن تدخل الانتخابات موحدة، لأن “كورونا” أنهت الانتخابات.

+ تحويل الحكومة لـ 1.5 مليار درهم في 2020 إلى صندوق الاستثمار المسمى “استراتيجي”، أي في حدود المليار ونصف المليار دولار

 

    يخدم هذا التحويل الوصول بشركات الدولة، وبعض شركات القطاع الخاص، إلى الإفلاس، فيما ستكون باقي ميزانية هذا الصندوق من الديون في حدود 3 ملايير دولار، أي ثلاث سنوات ديون في الوضع الطبيعي للمملكة (مليار دولار في شهر يونيو من كل سنة)، وتعبئة صندوق الديون المبرمجة إلى سنة 2024، سيهدد بعدم تجاوز الدولة لأزمة “كورونا” إلى سنة 2025.. إنها أزمة خانقة سيتغير معها وجه المغرب.

+ التدخل المباشر في تمويل المشاريع الاستثمارية الكبرى

    سيكون تمويل “صندوق الاستثمار الاستراتيجي” للشركات مرتبطا بمعامل التشغيل في المشاريع الأخرى المتصلة بالبنية التحتية، وسيكون تدخله فيها مباشرا، وهو ما يفيد أمرين:

1) أن علاقة هذه المشاريع بصندوق الاستثمار ليست “تمويلية” فحسب، بل تقرر  التدخل المباشر فيها وكأننا أمام “صندوق طوارئ اقتصادي” يرهن الاستثمار العمومي المرتبط في زمن الطوارئ بالبنية التحتية حصرا، لذلك، فتمويل القطاع الخاص عن طريق القروض المضمونة من الدولة مرتبط بالتشغيل، والقطاع العام مرتبط بالبنية التحتية.

واكتشف الجميع حاجة العاصمة الرباط إلى بنية تحتية وأخرى رقمية تعليمية، وهكذا، فإن وقف “بناء الواجهات” من أجل السياحة وترف بعض الطبقات المحدودة في رأس الهرم السياسي والاقتصادي للبلد، لم يعد فعالا.

2) اقتصاد “البنية التحتية” يعتمد على “صندوق الاستثمار الاستراتيجي” المحدث لصناديق قطاعية أو موضوعاتية.

إن ما يجري، يحول كل درهم إلى “حساب محدد لإنجاز معين”.

صيانة السدود وبناؤها مسألة حياة أو موت للمغاربة، ويجب إدخال السدود في البنية التحتية الطارئة لضمان الماء الصالح للشرب.

+ صناديق قطاعية

    قد ينشئ أي ورش حسابا محددا أو صندوقا لقطاع معين، مما يطرح السؤال التالي: هل كل وزارة سيكون لها صندوقا أو حسابا ما دام لكل قطاع صندوق، أم أن هذه هي “إدارة الطوارئ”؟ بما يفيد أن المغرب يدخل “طريقة بديلة” من التدبير تقوم على الفعالية المواكبة للمراقبة وليست  المراقبة البعدية.

ووصفت بعض الصحف هذه الإجراءات بـ”الفعالية”، وأن “وزير المالية بطل خارق”(1) منذ يونيو الماضي، وبعد إجراءات “صندوق الاستثمار الاستراتيجي”، فإن “هذه السياسة تنضج وتحقق غاياتها” وإن كانت الأهداف مؤجلة في بعضها إلى سنة 2032، لأن مشكلة الديون المترتبة عن هذه الفترة التي اجتاحت فيها “كورونا”، ستبقى طويلا.

لكن المهم عند أنصار هذه السياسات هو:

1) الوصول إلى امتلاك المبادرة(2) في أجرأة التعامل مع مرحلة معقدة كالتي تفشى خلالها “كوفيد 19”.

2) في مارس الماضي، تقرر دفع ديون الدولة للشركات العمومية(3)، وجزء واسع من القطاع الخاص، للتمسك بتوازنات لا تدفع إلى حالة الإفلاس.

وبعد رفع الحجر وارتفاع الحالات المصابة بالفيروس، انتهت الوضعية إلى المزيد من الحجر المنزلي قبل إقرار “حجر كامل”، وهو ما سيكون صعبا للغاية على حياة المواطنين.

وارتفاع الإصابات بالوباء في المغرب، فرض الحجر، والإبقاء على الحركة الاقتصادية في عموم المغرب، لتكون الإجراءات الأخيرة ضمن حدود جغرافية محددة، فتقرر المزيد من خفض انتقال الأشخاص بين المدن، كذلك الشأن مع خفض الحركة بين الأحياء التي شكلت بؤرا لـ”كورونا” وباقي الأحياء في المدينة الواحدة.

ولذلك، فإن تجزيء التدخلات الأمنية والاقتصادية، وجعل التمويلات “قطاعية” وفي حسابات، يؤكد أن الرؤية الاستثمارية في عهد “كورونا” تتصل بالتمويل الاجتماعي وتمويل البنية التحتية.

وبين التمويلين، تعيش الحكومة صعوبات في مواجهة ارتفاع معدلات فقدان الشغل، وأيضا ارتفاع حالات عدم وجود تمويلات لمشاريع معيشية، فالكل لا يتحدث عن مشاريع مدرة للدخل أو الربح، بل فقط “مستقرة للحفاظ على الحد الأدنى للعيش” لفئات القطاع غير المهيكل.

وتبعا لهذه الخلاصة، فإن تمويل الدولة لخلق فرص الشغل في القطاع الخاص والعام، يفيد أمرين: هشاشة القطاع المهيكل، والمبادرة الخاصة على حد سواء.

وتفعيل التمويل باتجاه “رفع منسوب التشغيل” عبر “مواصلة العمل” في البنية التحتية، يؤكد العودة إلى الحقول الأولى للعمل الاقتصادي انطلاقا من “الأمن الغذائي” وتعبيد الطرق وبناء المستشفيات، وباقي ما يحتاجه المواطن.

ومعروف أن الاحتجاجات التي حدثت في الريف، وبعض المدن المغربية، كشفت عن اختلاف الأولويات مع الحكومة، لأن الكل يريد مستشفيات وطرق ومدارس وليس شيئا آخر، لتتحول الأوراش الكبرى، وتصبح متعلقة بـ”البنية التحتية” لا غير، وتبقى المعضلة قائمة على أمرين:

أ) التمويل وصعوبات الاقتراض.

ب) ضمان المنسوب الطبيعي للوظائف.

ولا ننسى مساعدة الفلاح الذي يعاني من موسم جاف قاسي، ولذلك، فإن الدولة تعاني من الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي القائم على عدم انزلاق فئة واسعة من القطاع غير المهيكل تحت خط الفقر.

لا يمكن للشعب الذي لا ينتج غذاءه ولا يصنع دواءه أن يكون له مستقبل بعد “كورونا”.

 + الحكومة عليها مواصلة التدخل ووضع خطة “إنقاذ استراتيجي”

    ليس الوضع متعلقا بمستقبل فئات انزلقت تحت عتبة الفقر فقط، بل إعادة توجيه سياسات التدخل، بما يناسب عملية شاملة لـ”إنقاذ اجتماعي” يحمي استقرار الطبقات، لأن أي تعديل في القطاع الاجتماعي سيكرر سقوط قطع “الدومينو”، وهو ما سيتسبب في صعوبات كبيرة.

من جهة، هناك إعادة تخطيط للتمويلات العمومية، بما يناسب البنية التحتية، لكن إلى أي حد يمكن بـ 45 مليار درهم، منها 15 مليار درهم، أي نفس ما تبقى من ميزانية صندوق “كورونا”، (يمكن) أن تنجح مشاريع المرحلة؟

ومن جهة أخرى، فإن إعادة تمويل عمليات التدخل الاجتماعي صعبة، رغم القساوة التي يظهرها الفيروس، وأيضا الحالة الاقتصادية المعقدة التي أوقفت الاستثمار العمومي وحولته إلى صندوق للاستثمار في البنية التحتية.

لذلك، هناك تطوير مفروض على عمليات التدخل الحكومي كي يبقى “اجتماعيا”، ويخدم البنية التحتية، وبالتالي، فإن الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن ليس جزء من المعادلة، بل الأمر متعلق بوصول المواطن إلى حاجياته الأساسية، وما حدث من انقلاب في الأولويات، يجعل الجميع مهددا بعدم وجود نفس الشروط السابقة عن “كورونا”.

ويصعب تكرار إغلاق المغرب ثانيا، لأن فاتورة الإغلاق الثاني ستمتد أثارها إلى ما بعد 2025، لذلك، فمعادلة الحفاظ على الاستقرار أصبحت معقدة للغاية، والأمور تذهب بعيدا في اتجاه المزيد من تدخل الدولة ومركزيتها.

وبالتالي، يبدو أن المشهد الانتخابي واللامركزية سيضعفان، كما ضعفت القدرة الشرائية للمواطن، الذي أصبح يبحث عن الدولة في كل صغيرة في حياته، وهذا سيكون له ما بعده.

 

هوامش :

  • Dossier / lutte contre le coronavirus: Mohammed ben Chaaboun, un super héro, finances news, 6/6/2020.
  • Coronavirus: le gouvernement prépare la reprise, 360.ma, 26/5/2020.
  • Crise du coronavirus: ben Chaaboun appelle les entreprises publiques a accélérés les paiements; h24; 26/2/2020.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق