تحليل إخباري

تحليل إخباري | هل تدفع “كورونا” المغرب إلى التخلي عن أمريكا و”التعلق” بالصين؟

مؤشرات أكبر تعاون بين "الملكية" و"الاشتراكية"

إعداد : سعيد الريحاني

تبعد الصين عن المغرب بحوالي 10 آلاف كلم، لكن سرعة العملاق الصيني تتحدى سرعة الصوت، لذلك لا وجود للعوائق أمام قدرة هذا البلد على اجتياح العالم، حتى “كورونا” نفسها عجزت عن ذلك(..) في ظل التشبث بالمبادئ الصينية الصارمة من طرف ما يناهز المليار ونصف المليار نسمة.. وها هي الصين مرة أخرى، تحول الهزيمة إلى انتصار، بشروعها في تصدير تجربتها في طريقة محاربة فيروس “كورونا”، في حين لازالت دول أخرى تتباهى بتصدير السلاح لمختلف أرجاء المعمور.. ولأن “كورونا” نجحت على الأقل في جعل الناس يجلسون على الأرض، والمغاربة يقولون: “اللي تلف يشد الأرض”، فقد كان من الطبيعي أن يراجع العالم حساباته، والمغرب من بين دول العالم التي راجعت حساباتها، وعرفت أصدقاءها من أعدائها(..).

    بغض النظر عن حكاية الدعم المزعوم للمغرب، والذي لم يستفد منه شيئا في قضية الصحراء على سبيل المثال، حيث ورطت أمريكا المغرب في مقترح الحكم الذاتي وعادت لوبياتها لتلعب ورقة حقوق الإنسان(..)، فإن البلاغ الأخير الذي صدر عن الديوان الملكي، مؤشر على فهم جديد للعلاقات الدولية، وقد يكون عنوانا لإعادة بناء العلاقات الخارجية المغربية.

يقول بلاغ الديوان الملكي الذي صدر يوم الإثنين 31 غشت 2020، أن الملك محمد السادس أجرى مباحثات هاتفية مع شي جين بينغ، رئيس جمهورية الصين الشعبية، وحسب نفس المصدر، فإن المباحثات تندرج في إطار علاقات الصداقة القائمة بين البلدين، والتي ارتقت بتوقيع الإعلان المشترك المتعلق بإقامة شراكة استراتيجية، والذي وقعه الملك والرئيس شي جين بينغ، خلال الزيارة الملكية لبكين في ماي 2016 (وهي نفس السنة التي زار فيها الملك محمد السادس روسيا).

لجوء المغرب إلى إصدار بلاغ عبر الديوان الملكي، وعدم الاكتفاء بترويج الأخبار عبر القنوات الرسمية أو وكالة الأنباء المغربية، يحمل في طياته العديد من الإشارات(..)، لا سيما أن البلاغ يؤكد أن المباحثات الهاتفية بين الملك محمد السادس ورئيس جمهورية الصين الشعبية، تطرقت لتطوير العلاقات الثنائية في جميع المجالات، وخاصة الحوار السياسي، والتعاون الاقتصادي والمبادلات الثقافية والإنسانية.

((كما بحث الملك محمد السادس والرئيس شي جين بينغ، الشراكة بين البلدين في مجال محاربة “كوفيد 19″، وشكلت المباحثات أيضا فرصة لتقديم الشكر لجمهورية الصين الشعبية، لدعمها ومواكبتها للإجراءات الاحترازية الصارمة التي اتخذتها المملكة المغربية من أجل الحد من انتشار الوباء، سواء على صعيد المعدات الطبية ووسائل الكشف المخبري، أو في مجال تبادل المعلومات والخبرات.. وتناول قائدا البلدين أيضا المراحل المقبلة للتعاون العملي بين المملكة المغربية وجمهورية الصين الشعبية في إطار جهود مكافحة جائحة “كورونا”)) يقول بلاغ الديوان الملكي.

التوجه الملكي نحو الصين إذن، هو صمام أمان للمرحلة، كما أن الصينيين أكدوا تقديرهم للملك المغربي في فرص عديدة، لكن الشراكة والتعاون المغربي الصيني قد يصطدم بالمناورات التي يتزعمها “الفيس بوك” و”اليوتيوب”(..)، وهي المواقع الممنوعة في الصين، لأن بلدا مثل الصين لا يسمح بممارسة مثل هذه الأمور على أراضيه، في إطار الفهم الوطني للسيادة(..).

 

كاريكاتور عن الاصطدام التجاري بين أمريكا والصين

المهم أن إعلان الشروع في التعاون بين المغرب والصين، يأتي في سياق يتسم بجثوم جائحة “كورونا” على الأنفاس، ولا شك أن المستفيد، على الأقل مرحليا، هو المغرب، لا سيما بعد ((تعهد الرئيس الصيني بالتعاون مع المملكة بشأن تطوير لقاح لمرض كورونا وإنتاجه))، وذلك خلال محادثته الهاتفية مع الملك محمد السادس.

وقد ((علم من مصادر دبلوماسية صينية، أن المغرب سيرسل فريقا من الباحثين من أجل التنسيق على مستوى التجارب الصينية المتعلقة بكوفيد 19، مشيرة إلى أن هذا التعاون سيمكن المملكة من الحصول على الكمية الكافية من اللقاح المضاد للفيروس في حالة ظهور نتائج إيجابية للتجارب السريرية.. المصادر ذاتها أشارت إلى أن مشاركة المغرب في هذه التجارب الصينية تضمن حصوله على اللقاحات ضمن الدول الأولى الراغبة في ذلك، وأكدت أنه إلى حدود اليوم، تبقى هذه التجارب العلمية مجرد مشاريع جار تطويرها للتوصل إلى لقاح فعال)) (المصدر: موقع هسبريس: 1 شتنبر 2020).

ولمن لا يعرف هذا المختبر الصيني الكبير، يكفي أن يعرف أنه وصل إلى المراحل النهائية لتسويق لقاح “كوفيد 19″، بل إن الشركة أعلنت حتى ثمن السويق الذي يناهز 1400 درهم مغربي مقابل جرعتين، وقد يكون موعد اللقاح مع نهاية هذا العام، والمغرب يوجد ضمن الدول الأولى التي قد تستفيد من اللقاح، بينما دولة مثل أمريكا لم تنجح بعد في تطوير اللقاح، بل إن الرئيس الأمريكي يروج أن “الدولة العميقة” تعرقل صناعة لقاح في أمريكا إلى ما بعد الانتخابات، وطبعا، لا مجال للحديث عن “دولة عميقة” و”دولة سطحية” في الصين، بل إنها دولة تقوم على نظام اشتراكي ذي خصائص متميزة(..)، وهو النظام الذي لا يتم الحديث عنه إلا نادرا في المغرب مقابل إغراق مسامع المواطنين بالحديث عن انهيار الاشتراكية في العالم، عبر الترويج لتجربة الاتحاد السوفياتي البائدة(..)، مقابل تجنب سؤال: “لماذا لا ينهار الحزب الشيوعي الصيني؟”.

ولا شك أن “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية المتميزة”، وهو أمر لا يتم الترويج له في المغرب من طرف وسائل الإعلام(..)، ولهذا لا يعرف المغاربة عن الصين الشيء الكثير باستثناء ما يشاع، الأمر الذي يتسبب في بعض الحالات في سوء الفهم(..)، ولا يعلم كثير من المغاربة أن الصين تعد بلدا وحضارة في نفس الوقت، وقد شهدت في تاريخها الحرب الأهلية والانهيار الإمبراطوري، قبل أن يقودها الحزب الشيوعي بقواعده الصارمة(..)، ((فقد ولدت الصين الشعبية من رحم الطموحات الإيديولوجية للزعيم ماو تسي تونغ، وهي قبل كل شيء، ذلك البلد الذي يجر وراءه تاريخا متجذرا في القدم، وحضارة عريقة ومتواصلة ظلت حتى نهاية القرن التاسع عشر إمبراطورية الوسط، وسط العالم باعتبارها المالكة لأسباب الحضارة ومركز إشعاعها، فهي في نفس الوقت حضارة ودولة رغم الحدود بين الحضاري والدولتي..)) (المصدر: الصين في العلاقات الدولية/ دراسة في البراغماتية الصينية 1949-2009).

ولكم أن تتصوروا الفرق بين دولتين كبيرتين، هما الصين وأمريكا، ففي نفس الوقت الذي كانت فيه الصين تتحدث مع المغرب عن التعاون لإيجاد لقاح “كورونا”، كانت أمريكا تتحدث عن ضرورة إيجاد مخرج للأزمة الليبية، والأزمة في ليبيا هي الحرب(..)، وليبيا نموذج لدولة نجحت التدخلات الأجنبية في تخريبها بذريعة الثورة على نظام القذافي، فمنذ متى كان هدف الثورة هو الخراب(..)؟ وحتى عندما نجح المغرب في احتضان الأشقاء الليبيين، وتوحيد الفصائل في “اتفاق الصخيرات” لتكوين حكومة وبرلمان، كان هناك من يتحامل على المبادرة، وآخر المؤامرات هو مؤتمر برلين الذي أقصي منه المغرب، ولكن الليبيين وقفوا أخيرا على صدق المبادرة المغربية(..).

طبعا، أمريكا من الدول التي لن تروق لها التحركات المغربية الليبية في أفق الحل، لكن شريكا مثل الصين، قد يعيد التوازن إلى المنطقة التي تحتاج إلى مشاريع ذات بعد حضاري وإنساني وليس للسلاح(..)، وانظروا لهذا النجاح الصيني في مقابل الفشل الأمريكي، فهناك مجالات تفوقت فيها الصين ولا مجال لمنافستها، فـ((في مجال القضاء على الفقر، حققت الصين تلك القفزات بسرعة كبيرة، وهي التي كان نحو 66.2 في المائة من سكانها يعيشون تحت خط الفقر قبل أقل من أربعة عقود فقط، بحسب بيانات البنك الدولي.. ورغم تعداد سكانها الهائل، نحو المليار و390 مليون نسمة حاليا، فقد تمكنت الصين من القضاء على الفقر إلى حد كبير، بل إنها تجاوزت الولايات المتحدة في ذلك خلال السنوات الأخيرة.. وبلغت نسبة الفقر التي تعبر عن عدد السكان الذين يعيشون بأقل من 1.9 دولار في اليوم، نحو 1.9 في المائة من الصينيين عام 2013، مقابل 1 في المائة من الأمريكيين، غير أن هذا المشهد انقلب خلال الأعوام اللاحقة، إذ استمرت تلك النسبة بالانخفاض في الصين وصولا إلى 0.5 في المائة عام 2016 مقابل ارتفاعها إلى 1.2 في المائة في أمريكا، كما تفوقت الصين في استهلاك الطاقة، ما يعني التفوق في الصناعة، وتفوقت في النظام المصرفي، وفي الإسهام العلمي وصناعة السيارات الكهربائية والذكية..)) (المصدر عدة وكالات).

هكذا إذن، تكون أمريكا قد استيقظت متأخرة لمحاربة الصينيين الذين يتحدثون اللغة العربية اليوم أحسن من بعض العرب، وهو ما يفهم منه أن التوجه المغربي نحو الصين قد يكون عنوانا للشراكة مع الرائد العالمي الجديد، وبالتالي، نهاية التخلي عن الشركاء التقليديين، وهو ما يعني تسلح الملكية المغربية بـ”المميزات الاشتراكية الصينية”.

تعليق واحد

  1. انا في نصري الخليف الصيني يمكن التعويل عليه الصين مثل المغرب تعرضت وحدتها الترابية المؤامرات تنازعوا منها هونكونغ ومكاو وتايوان وتؤمن الصين لوحدة اراضي الدول وهي ضد الانفصال بخلاف امريكا التي لا تعرف الا مصالحها فهي ورطت المغرب في قبول الحكم الداتى وقبول الاستفتاء وجعل ملف الصحراء المغربية في اللجنة الرابعة الابتزاز والمساومة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق