الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | طلوع وهبوط على الحدود المغربية الجزائرية

التزام مصطفى العلوي مع قرائه مستمر :
يواصل طاقم «الأسبوع الصحفي» النبش في مقالات «الحقيقة الضائعة»، التي تركها مديرنا الراحل قيدوم الصحفيين مصطفى العلوي ولم تنشر من قبل، وحتى يتسنى تقديمها في أفضل حلة، ترجع جريدة «الأسبوع الصحفي» بقرائها إلى أرشيف ركن «الحقيقة الضائعة» في انتظار إعداد مجموعة جديدة أخرى من المقالات لنشرها في هذا الركن.

بقلم: مصطفى العلوي

يعتبر الكلام عن موضوع الحدود المغربية الجزائرية، مغامرة خطيرة، أخطر منها الكتابة عن هذا الموضوع.. ذلك أن الأيام “الخالية” و”الحالية”، وبديهي أن الأمر يهم حتى الأيام “الجاية”، أعطتنا، وستعطينا من البراهين ما يؤكد أن الخطر محيق بهذه الحدود التي “يحق في حقها” القول بأن الغائر في مدلهماتها مفقود، والخارج عن سوقها مولود.

ولقد كان آخر الذين سقطوا صرعى – تحت أعيننا – على ناصية الحدود المغربية الجزائرية، هو الرئيس بوضياف نفسه.. ولا نزاع ولا شك في أنه لن يكون آخر الساقطين صرعى جحيم الحدود المغربية الجزائرية.

ولن أفتح عارضة للاطلاع على اللائحة العريضة الطويلة لأبناء المغرب الذين ماتوا راسمين خطوط تلك الحدود بدمائهم انطلاقا من سنوات 1890، حينما خاضت القبائل المغربية حروبا دامية مع الجيش الفرنسي حينما كان يقتص أطراف المغرب في المناطق الشاسعة للساورة، وتدكلت، والقنادسة، وكورارا (انظر كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية”)، حيث لازالت قبور الشهداء المغاربة منتشرة في هضاب توات، وتيمي، وعين صالح، وأدرار، وتابلبالا، وغيرها.

ولا داعي لسرد عدد الشهداء الذين قدموا دماءهم من أجل الحفاظ على مغربية الصحراء الغربية، التي هي استمرار طبيعي لأزمة متفرعة عن خطوط الحدود، ولكني سأكتفي بالمرحلة الأخيرة في الصراع المغربي الجزائري، الذي كان المغرب يضع فيه المشكل في إطار مستقبلي، حله الملك الحسن الثاني بقوله في خطاب ألقاه يوم 15 يونيو 1972 أمام أقطاب القمة الإفريقية فقال: ((أعتقد أن الأجيال المقبلة ستكون لها مشاكل، لا على صعيد هذه الأرض، بل على صعيد الأفلاك)).

وعلق جلالته على الاتفاق المغربي الجزائري بشأن الحدود بقوله: ((كانت هناك طريقتان لحل هذا المشكل، أما هذه التي ركبناها أنا وأخي الرئيس بومدين (يعني الاتفاق على حدود آمنة)، وأما الطريقة الأخرى، تلك الطريقة التي لا منفذ لها إلا الحرب، وإلا التباعد، وإلا حفر هوة شاسعة بين شعبين ودولتين، وذلك لاسترجاع 15 كيلومتر من هنا، ولاغتصاب(…) 20 كيلومترا من هناك.. فقررنا وفضلنا أن نسلك هذه الطريقة (طريقة الاتفاق)، ذلك أن مسألة الحدود اليوم صارت مسألة مصطنعة. كانت الحدود من قبل مسألة مهمة، لأنها كانت تحمي التراب من الجار، أما الآن، ونظرا للوسائل الحربية الجديدة، فيمكن أن يكون العدو على آلاف الكيلومترات، فأصبحت الحدود يجب أن تكون، لا أسوارا مشيدة، ولكن صداقات متينة)) انتهى كلام جلالة الملك.. وهو يفسر وجهة النظر المغربية، أما الجزائر، فكانت تنظر إلى المشكل من منظور آخر، برهنت الأيام التي أعقبت الإعلان عن الاتفاق المغربي الجزائري لسنة 1972، على أن النظام الجزائري كان ينظر إليها من جانب الهيمنة التي طبعت نظام الرئيس بومدين.

منذ سنين إذن، أمضى وزيرا خارجية المغرب والجزائر، المرحوم الطيبي بنهيمة وعبد العزيز بوتفليقة، في جوان 1972، اتفاقية رسم الحدود المغربية الجزائرية.. فسارعت الجزائر لنشرها في الجريدة الرسمية يوم 15 جوان 1973، سنة بعد إمضائها، وبعثت حشدا من الضباط للبدء في رسم معالم الحدود.. بينما المغرب لم ينشرها في الجريدة الرسمية إلا منذ أربعة أسابيع، وبالتحديد في الجريدة الرسمية الصادرة بتاريخ 24 جوان 1992، عشرين سنة بالتمام والكمال بعد إمضائها.

وقد يقول قائل بأن المغرب هو الذي تماطل في نشر الاتفاقية، أي القبول بها، وإدخالها حيز التنفيذ، لكن الذين يحفظون سور التاريخ، يذكرون أن المغرب والجزائر ربطا الاتفاقية بتنفيذ كل بنودها، لا جزء منها(…)، بينما البند الأخير في اتفاقية 15 جوان 1972 يقول بالحرف: ((نعلن أن إبرام المعاهدة القاضية بتسطير الحدود الجزائرية المغربية، ومعاهدة التعاون من أجل استثمار “كارة الحبيلات”، يؤكد عزمنا الوطيد على تثبيت دعائم السلم الدائم)).

ثم إن الجريدة الرسمية الجزائرية نشرت في عدد  يوليوز 1973، نص اتفاقية الاستغلال المشترك، المغربي الجزائري، لمناجم حديد “كارة الحبيلات”، وكتبت أن ((شركة مغربية جزائرية رأسمالها مليونان من الدولارات يقدمها مناصفة المغرب والجزائر، ستستخرج على مدى ستين عاما، 700 طن من معدن الحديد، الذي سيصدر بعد عبور 400 كيلومتر في اتجاه المحيط الأطلسي، عبر ميناء طرفاية، وستبقى الجزائر مالكة للمناجم كلها بعد مرور ستين عاما، وستشكل لجنة مختلطة ستكلف، على مدى ثلاث سنوات، بتخطيط الحدود بين البلدين)) انتهى كلام الجريدة الرسمية الجزائرية.. وكل سطوره تؤكد أن “رسم الحدود” مرتبط بـ”الاستغلال المشترك”.. فماذا جرى؟

لقد قام الرئيس بومدين في نونبر 1974 بزيارة لتندوف، وتوقف في بشار ليفاجئ العالم كله بخرقه للاتفاق.. ويصرح أمام الصحفيين بقوله المنشور في الصحافة الجزائرية يوم 27 نونبر 1974: ((ستنطلق النهضة الجزائرية الاقتصادية ابتداء من اليوم، حيث أسسنا الشرطة الوطنية لاستغلال معادن كارة الحبيلات، وسينقل الحديد الجزائري(…) عبر السكة الحديدية في اتجاه شمال غرب الجزائر للتصدير)).

وزاد الرئيس بومدين نكاية في التاريخ، وفي خرق التزاماته بالرباط أمام أقطاب القارة الإفريقية، فقال: ((ولقد كانت الدراسات المتعلقة بهذا المشروع، قد بدأت منذ عدة سنوات)).

ما لم تنشره الجرائد الرسمية ولا الحكومية الجزائرية، هو أن الرئيس بومدين، وبنفس المناسبة، زار في تندوف المناطق التي ستخصص للمعسكرات التي وضعت رهن إشارة فلول البوليساريو، كمنطلق لبؤرة تحول الحدود المغربية الجزائرية إلى خطوط للنار، يموت على طولها العشرات، بل المئات من أبناء المغرب.

وكما سقطت طائرة الجنرال الفرنسي “لوكلير” فمات على خط الحدود المغربية الجزائرية، ولازال اسمه مطلقا على محل موته إلى الآن في التراب الجزائري، مات بومدين دون أن يرى آماله ومخططاته تتحقق..

ولا ريب أن بومدين مات بغصة الحدود المغربية الجزائرية، ليترك الجزائر في حالة من الفوضى التي آلت بها إلى هذه الوضعية المضعضعة التي تعرفها الآن.. وهي فوضى وتذبذب نتجا، ولا شك، عن قرار المغرب بالرد على تراجع بومدين، بتنظيم “المسيرة الخضراء” في نونبر 1975، وهي الحدث الذي قلب الموازين، وأكد لبومدين أنه ليس وحده القادر على اللعب في المنطقة.

ولعل خليفة بومدين، الرئيس الشاذلي بنجديد، اكتشف بدوره خطورة الاقتراب من خط هذه الحدود، حينما شرع في البحث عن حل للتخلص من هذا الخطر الدائم، وحينما استقبل الوزير الأول المغربي، ووزير داخلية المغرب سنة 1989، ليدرس معهما طريقة وسطا لحل مشكل الحدود المغربية الجزائرية، سرعان ما فوجئ بـ”عفاريت الظل”، العاملة بدون انقطاع ولا توقف، تتحرك لمنع أي تصفية لهذا النزاع، اكتشف ولاشك، أن لهيب الحدود المغربية الجزائرية سيحرقه، فسارع إلى الاستقالة كما نذكر، ولا أحد لحد الآن يعرف خلفيات استقالته، ولا دواعيها، إلا ما كان من شأن اجتماع حشد من الضباط الجزائريين أرغموه على الاستقالة.. إن كنا نذكر جيدا..

وتأبى الأيام إلا أن تزيد من ضخامة هذا “الأسطرلاب الجهنمي”، مؤكدة أن الحل النهائي لازال بعيدا(…)، وأن عهد التعايش السلمي لازال ضربا في أضغاث الأحلام..

فها هو الرئيس بوضياف، وقد كان مسالما هادئا، يكسب عيشه من معمل بناه بعرق أكتافه في مدينة القنيطرة، جاءت نفس الأيدي التي تخطط بالجزائر وتحرك العفاريت، والتي أرغمت الشاذلي بنجديد، بقوته وعظمته، على الاستقالة، لتستقدم بوضياف بطائرة عسكرية جزائرية نقلته يوم 16 يناير 1992، ليبدأ مسارا سياسيا واقتصاديا منطلقا من قناعته بالإصلاح، ولكن الرئيس بوضياف بدوره، وضع يده على ملف الحدود، فانفجر بين أنامله في شكل طلقات نارية أودت بحياته.

لقد جاء إلى المغرب، ولا شك أنه لمح أو أراد أن يدخل بالمنطقة عهد الاستقرار والاستمرار، ولا شك أنه ناشد المغرب أن يصادق على اتفاقية الحدود.

فالواضح الجلي، أنه بعد مرور شهر واحد على زيارته للمغرب، نشرت الجريدة المغربية في عددها الصادر بالمناسبة، نص الاتفاقية المغربية الجزائرية الممضاة سنة 1972، وهذا النشر لهذه الاتفاقية بعد سنوات، ليس إذن من قبيل المصادفة، إضافة إلى أن بنود هذه الاتفاقية، مكسب – كما سبق – ينطلق من عدم التمترس حول خلافات على بعض الكيلومترات، ولكنه اتفاق كتب منذ عشرين سنة، ليضع حدا للصراع الجزائري المغربي، فهو بالطبع مكسب ضخم للجزائر كدولة جارة تعرف تاريخ المنطقة ومكامن جذورها.. وتعرف أصل كل فرع، وفرع كل أصل.

ويبقى الغريب المريب، أنه بعد صدور هذا القانون “المحدد للحدود” في 24 جوان، تم اغتيال بوضياف يوم 29 جوان 1992، من طرف أيد لا يظهر أن أحدا في الجهاز الجزائري له رغبة في الكشف عن الأدمغة المحركة لها.

وعادت الجماعة المتعاطفة مع بومدين، لتستقر في مواقع التقرير والقرار، مبتدئة بسحب السفير الجزائري بالمغرب، “علاهم”، لكي لا يبقى في المنطقة شاهد على ما مر من أحداث في الخفاء، وليعود هذا السفير الذي كان من قبل يعتبر أحد منظري أطروحة البوليساريو، مرشحا لمنصب وزير الداخلية في الحكومة الجديدة الجزائرية.

ولتبقى التساؤلات مسترسلة.. ويبقى الغموض لافا.. ويبقى على الذين يقرؤون بين السطور، ويفهمون مغزى “ما لم يقل” من خلال “ما قيل”، أن يكتشفوا أسرارا يضيق الصدر بها.. ويعجز القلم عن كتابتها.

تعليق واحد

  1. انا ارى لا فائدة من الامل من جار كالجزاءر ان يوطد العلاقات معنا وبعترف بمغربية الصحراء بل متعنا وتستمر في سياسة العداء والحقد فالجزاءر مازالت تتعامل معنا بمنطقة الاستعلاء والخيانة والتوسع وأنها القوة الإقليمية التي تفرض رءيها على الدول المجاورة احتلال الصحراء ومحاصرة المغرب وتطويقه وهده سياسة بوخروبة تركها لهم وما زالوا متشبتين بها لا تقى ف ولاد عتيقة الحدود تبق مغلوقة وبناء جدار معهم حتى تتغير سياسة الجزاءر تجاه المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق