المنبر الحر

المنبر الحر | التصوف المغربي وإشعاعه على إفريقيا والعالم العربي والإسلامي

بقلم: د. عبد الرحيم بن سلامة *

    يعتبر التصوف استسلام المخلوق لخالقه وإلقاء مقالد أموره إليه، وأصل التصوف هو الانقطاع عن لهو الحياة وملاذها إلا ما أحل الله لعباده من الطيبات.

لقد قامت فكرة التصوف في المغرب على الدعوة إلى الله، واتخاذ شيخ للتربية هدفه أن ينقي النفوس من الأمراض المعنوية التي تعتريها فتفسد عليها الأخلاق الحسنة، وما جبلت عليه النفوس من كل ما هو طيب وجميل، فيكون شيخ التربية الملاذ الآمن لكل مريد يرجو الخير والتوبة إلى الله تعالى.

إن شيخ التربية لا يكتفي بهذه المسؤولية وحده، بل يقرنها بالعمل الجليل الذي قامت عليه رباطات الجهاد المعروفة منذ وطئت أقدام المحتلين الغاصبين أرض المغرب الأبي.

فالتاريخ يحدثنا عن هذه الرباطات الجهادية التي توجد على سواحل البحر أو على الحدود أو في مراقي وقمم الجبال، فترى الرباط به رجال وهبوا أنفسهم لربهم يؤدون الصلوات ويتلون الأذكار ويستمعون إلى حديث شيخ التربية يحضهم على البر والإحسان، كل هذا وعيونهم متيقظة في حذر من قدوم غاصب أو محتل للوطن.

إن أول رباط للعباد الصالحين بالمغرب، هو رباط سيدي شاكر – أو شكير – كان مجمعا للصالحين يفد إليه جموع المؤمنين المجاهدين من كل مكان، مؤسس هذا الرباط هو يعلى الرجراجي، كان يقاتل كفار برغواطة، فغلبت على هذا الرباط صبغة الجهاد أكثر من صبغة التصوف، إذ يذكر المؤرخون أن سبعة من الصحابة وردوا على رجراجة وسكنوها خلال الفترة الأولى للهجرة.

ومن الرباطات المغربية القديمة: رباط الفتح، ورباط ماسة، ورباط سلا، الذي أقيم على الضفة اليسرى لمصب نهر أبي رقراق، ورباط تينمل الذي أسسه المهدي بن تومرت، ورباط العبيدي بجبل ورغة بأحواز مدينة فاس، ورباط عبد الله بن ياسين، ورباط بادس بمنطقة الريف.

وذكر التادلي في كتابه “التشوف إلى رجال التصوف” جملة من رباطات أخرى كان لها نفس الدور الإصلاحي والنضالي، مثل رباط تمسطيت بناحية مراكش، ورباط تانومطهير بدكالة، ورباط يمسين بأزمور، ورباط أيتيش الذي يوجد حول ضريح أبي محمد صالح، وكان هذا الضريح نواة لتأسيس مدينة آسفي.

هذه جملة من مراكز للعبادة والحراسة على حدود الوطن، وهي مراكز للتصوف في نفس الوقت، ومسيرة رجال التصوف بالمغرب عبر التاريخ مسيرة حافلة بالجهاد، فهم صوفيون كثيرون جدا تخطت مسيرة بعضهم الحدود، وعم الإشعاع الصوفي المغربي إفريقيا والعالم العربي والإسلامي، ونذكر هنا أقطاب التصوف المغربي الذين لهم الفضل في نشر الحركة الصوفية خارج المغرب من بينهم:

– الشيخ سيدي حرازم، دفين مدينة فاس، وهو من الصوفية الذين تتلمذوا على يد الإمام الغزالي وحصّلوا على يده العلوم الشرعية.

– الشيخ عبد الرحيم الترغي، المعروف بالقاني نسبة إلى “قانا” بصعيد مصر، أسس هناك الطريقة الصوفية القانية، توفي سنة 592هـ / 1195م.

– الشيخ أحمد البدوي المزداد بمدينة فاس، ثم هاجر به والده إلى المشرق لأداء مناسك الحج، بعد ذلك استقر بـ”طنطا” بمصر التي أسس بها طريقته “البدوي الصوفية” التي لها أتباع كثيرون بمصر والسودان.

– الشيخ أبو الحسن الشادلي، تلميذ القطب الرباني مولاي عبد السلام بن مشيش، ولد ببني زروال بنواحي شفشاون، لازم شيخه مولاي عبد السلام ودرس على يديه العلوم الدينية برابطة بجبل العلم بـ”حصن” بنواحي مدينة تطوان، وبعد مدة من ملازمة الشادلي لشيخه مولاي عبد السلام، أذن له بالتوجه إلى المشرق، فحل أولا بمصر، ثم قصد بغداد التي كان يتبرك بأقطابها الصوفيين، منهم مولاي عبد القادر الجيلاني الشهير بـ”الكلاني”، فكان يتردد على أوليائها وصلحائها، ثم رجع بعد ذلك إلى مصر واستقر بها، فأخذ ينشر فيها طريقته المعروفة بـ”الشادلية” التي لها أتباع كثيرون، توفي في مصر وله ضريح بها مشهور.

هؤلاء هم المغاربة الصوفيون الذين نشروا طرقهم الصوفية خارج المغرب، لا في مصر فحسب، ولكن في بلدان عربية وإفريقية وإسلامية كثيرة.

يتبع

* أستاذ باحث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم