الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | الشباب.. ذلك العدو المشترك

أنت شاب.. فأنت معني بهذا الموضوع

التزام مصطفى العلوي مع قرائه مستمر :
يواصل طاقم «الأسبوع الصحفي» النبش في مقالات «الحقيقة الضائعة»، التي تركها مديرنا الراحل قيدوم الصحفيين مصطفى العلوي ولم تنشر من قبل، وحتى يتسنى تقديمها في أفضل حلة، ترجع جريدة «الأسبوع الصحفي» بقرائها إلى أرشيف ركن «الحقيقة الضائعة» في انتظار إعداد مجموعة جديدة أخرى من المقالات لنشرها في هذا الركن.

 

بقلم: مصطفى العلوي

  يتهيأ للمهتم بشؤون الشباب في المغرب، وهم يمثلون خمسة وسبعين في المائة من السكان، أن المشاكل المرتبطة بهذا العنصر الذي يمثل الأغلبية الحقيقية، لا يمكن حلها على الإطلاق.

وترى الباحثين المتحدثين عن هذا الموضوع، وهم قلة نادرة، يتفادون المضي في البحث عن حل، لأن الآفاق المظلمة، والخيوط المتشابكة للمشاكل المعقدة، تجعلهم يتيهون في البحث عن رأس الخيط، بينما يبقى المعنيون بالأمر، الشباب، مقسمين كأعواد الحطب، إذن، يمكن كسرها، موزعين على القطاعات الطبيعية التي يوفرها مناخ الضياع:

الشباب بين الجامعة والحشيش

 

هناك فريق يبحث ليل نهار عن عمل، وغالبا ما يرفض كل عمل، لأنه يحتار في التوفيق بين ما سيكسبه، ألف أو ألف وخمسمائة درهم، وبين حاجياته الظرفية، فيجد أنه لا أمل في التوفيق بين الحاجيات وبين ما سيكسبه، وما سيكسبه يكون بمقابل جهد، الاستيقاظ الباكر في الصباح، والحضور اليومي في الشغل، والالتزام بالشروط وبالإنتاج، والوقوف ساعات طويلة أمام طابور الأوطوبيس، فيفضل البقاء ساخنا في فراش الكسل، والعيش على ما يعطيه الوالد أو الوالدة، أو ربما الأخت التي تدبر حالها في الشارع.

وفئة تقبل بأي شغل، بأي ثمن، وتلزمها ظروفها الاجتماعية والحاجة الملحة للخبز والسكن، بالقبول بالأمر الواقع، وهي الفئة التي تمثل الأغلبية الساحقة من الشباب.

وفئة تجد راحتها في المساجد، والاستماع إلى الأطروحات الدينية، واستكناه دروس الصبر والتحمل من النماذج النبوية، وتعيش على الأمل في رؤية اليوم الذي تنصف فيه السماء عبادها، أو يوم “تنزل المائدة من السماء”، أو “يأتيها رزقها رغدا من عند ربها…”، وهي فئة تمثل الطرف الآخر من الأغلبية الساحقة من الشباب.

وفئة أولاد الكبار، الذين يشكلون بدورهم أغلبية تمارس حياة التفكك والانحلال في الكباريهات، والتباهي بالسيارات التي يشتريها لهم الآباء، وفيهم من يدفع ثمن شمة “الهيروين” في الماخور الليلي بألف درهم للشمة، وتحويل سجاير “المالبورو” إلى “جوان” يحملهم إلى عالم الخيال، أو يدقون أذرعتهم بحقنات “الكوكا”، وحتى عندما يجدون أنفسهم في قفص الشرطة، فإن أبواب الكوميساريات تغرق بالسيارات الفارهة التي تسوقها الأمهات الهلعة على “ولدي العزيز” وتحول التلفونات المتعددة، دون تقديمهم للنيابة وسرعان ما يعودون – أولئك الشبان المدللون – إلى عاداتهم القديمة، يفسدون أنفسهم، ويفسدون رفاقهم، ويتلاعبون بشرف بنات العائلات المرافقات لهم… وهي طبقة تكون في أغلب المدن المغربية، جيل التفكك والفساد و”السيدا”، و”السيفليس”.

وفئة أولاد الدواوير الذين يدخلون بحكم الفراغ والمخالطة، عالم “التبجقيلة” و”الكيف” و”البلاكة”، و”الروج”، وشم “السليسيون”، واقتسام “النترة”، وهي فئة سرعان ما تنهي جلساتها بمعارك السكاكين، أو الاتفاق على السطو على المارين، وهي فئة يتفاحش عددها بتفاحش الميزيريا، وقلة الشغل.

وفئة الجامعيين الذين ينحصر اهتمامهم بالتعمق في الصراعات العقائدية، والتصنيف بين الأصولية والقاعدية، فتلتصق بهم تلك التأثيرات حتى بعد تخرجهم، مما يجعل قبولهم لأية مسؤولية أو وظيفة، مقرونا بحكم مسبق وموقف لا يتحرك، يجعلهم يدخلون عالم “التدبيرة” ويبرعون في “تدوير الحركة”.

بين “الدويرة” و”التدويرة”

ولكن إلقاء نظرة على هذه  الخريطة الاجتماعية للشباب المغربي، تفرز ظاهرة جماعية، هي عدم توفر هذه النماذج من الشباب على الوقت الكافي للاهتمام بالواقع السياسي للبلاد، فليس الأصوليون ولا القاعديون، بحكم تأثرهم بأفكار سيد قطب، وماركس، بمتحررين فكريا لمشاهدة الأمور على حقيقتها، ولا بدخول البيوت من أبوابها، انطلاقا من قناعتهم معا بأن تلك البيوت لا بد أن تنهد على أصحابها، يضاف إلى هذا، انهماك الجميع في ممارسات أمراض العصر، حيث لم يبق الشباب يحلم ببنت الأمير وهو يرى آلاف البنات في الشوارع، وحيث انعدمت حتى لغة المخاطبة فأحرى لغة الحوار، فهذا درس بالفرنسية، وهذا درس بالعربية، وهذا لا يرى حلا إلا في الرجوع إلى البربرية..

وهنا تكمن مسؤولية الدولة والأحزاب في ترك الأمور على عواهن الزمن، فكل مسؤول، كيفما كان موقع مسؤوليته، تراه مفجوعا داخليا من غموض آفاق التعامل مع هذا الشباب، وبالتالي، واقعا – ذلك المسؤول – تحت طائلة الجزم واليقين، بأن الشباب: هو “العدو المشترك”.

ويستفحل هذا الواقع المر يوميا، إن لم يكن يستفحل ساعاتيا، كلما تضاءلت القيم عند هذه الفئات من الشباب، فبين البحث اليومي عن الخبز، أو القبول اليومي بالشغل المضني، أو الإغراق في الخلافات العقائدية، أو الهيام في أجواء الحشيش والكوكايين، أو الضياع في دروب الخمر والسكاكين، تنعدم تلك الاهتمامات التي شغلت الشباب في الأزمان الماضية التي سبقت زمننا هذا، زمن الفساد والضياع.

الأموي.. والتيباري

 

ذلك أن شباب 1990، وهو الغير مسؤول عما ارتكبه في حقه الآباء الذين ربما جنوا عليه بالتهافت على تكثيره دون التفكير في حل لمستقبله، نسي ذلك الشباب، أن هذا الجيل من المسؤولين الذين يتجاهلون واقعه اليوم، استولوا على الحكم وهم شبان، بعدما كافح بعضهم  شبابا من أجل الاستقلال، وعانى هؤلاء المسؤولون في بداية مرحلة الاستقرار، في “قواعد الحكم”، من تشبث المسؤولين الذين سبقوهم إلى الحكم، بالمناصب، ولا زلنا نذكر في سنة الستين، جريدة “الرأي العام” المعارضة، وهي تنشر عرائض وصور الشبان الخريجين وهم يشتكون من البطالة، حينما لاحظوا أن السادة الجدد استولوا على المناصب، وأقفلوا الأبواب.

ذلك أن الوضعية في بداية الاستقلال، كانت مشابهة للوضعية اليوم، مطبوعتان بظاهرة استفحال بطالة الشباب.

ورغم أن الوزراء والمسؤولين آنذاك، كانوا شبابا، أهلتهم أحزابهم ومشاركتها في الحكومات الأولى لترشيح شباب أمثال الحبابي، والدويري، وعبد الرحيم بوعبيد، فإن أفواجا أخرى من الشباب الجديد آنذاك، كانت تحتج على تهميشها.

وكما يجري، الآن، لجأت صحف المعارضة غداة الاستقلال، إلى نهج نفس الأساليب التي يتم سلكها اليوم، ثلاثين عاما من بعد.

وإذا كان الأموي اتهم المسؤولين بالسرقة، في سنة 1992، فإن نقابيا آخر يسمى التيباري رحمه الله، اتهم وزيرا آخر، بالتلاعب بأموال الدولة.

وكما رفعت حكومة 1992 دعوى ضد الأموي من أجل القذف، رفعت حكومة 1962 دعوى ضد التيباري من أجل القذف، ولكن “حكومات غداة الاستقلال” كانت بدون شك، تبحث عن حلول لمشاكل الشباب.

المهدي بنبركة وولي العهد

 

فالدول العظمى تبحث عن حلول لمشاكل الشباب، وإن كانت الحلول تجنيدية أكثر، وحيث حاول هتلر حل مشكل بطالة الشباب بإعلان الحرب العالمية الثانية، واقتحام ملايين الشباب في أتون الحرب – وهي حل – نظم المغرب سنة 1958 مشروع “طريق الوحدة”، وهو المشروع الذي كان مديره المرحوم المهدي بنبركة، وجاء ولي العهد مولاي الحسن، لحفر الأرض بجانب الشباب لشق “طريق الوحدة”، ليبقى ذلك هو النموذج المثالي للتفكير في حل مشاكل الشباب.

فهل أقفلت الآفاق كلها في وجه التفكير في حلول لتشغيل الشباب العاطل في البوادي، وهذه آلاف الهكتارات عارية خالية تبحث أراضيها عمن يحرثها، أم أن المغرب ليس في حاجة إلى طرق وطرق سيارة تشق لتوحيد قبائل المغرب، أم أنها الأفكار جفت، والآفاق كلحت، والمبادرات انعدمت؟

إنه لا شك أن الشباب الذي تحمل المسؤولية في الستينات وشاخ وهرم، لا يريد – بالتأكيد – أن يهتم بمشاكل أجيال الشباب الجديد، قناعة منه بأن هذه الأجيال عاجزة عن الإسهام في حل مشاكلها، بالتفكير والإبداع.

وأعرف شابا كان سنه خمسة وعشرين سنة رئيسا لديوان وزير الأشغال العمومية سنة 1958، ارتقى لمسؤولية كبرى في إدارة الطيران ولا زال بها منذ ذلك التاريخ، لم يشبع، ولم يتقاعد، ولا تخامره أية رغبة في ترك منصبه لشاب جديد.

إنها مسؤولية مشتركة بين الدولة والأحزاب، يتقاسمها معهم هذا الشباب الذي ضاع في متاهات جانبية لا تمت للمستقبل بصلة.

ويعلم الله وحده كيف تنتهي إشكالية الشباب بالمغرب.

 

 

تتمة المقال بعد الإعلان

تعليق واحد

  1. يا أخي سي العلوي يرحمك الله ويرحمنا معك ويرحم شبابنا المسكين. إنك تغطس السمكة كما يقول المثل الفرنسي وخرجت بتوصيفك إلى دوامة مغلقة اشبه بقضية البيضة والدجاجة والأسبق منهما ، لا بد من تحديد المسؤوليات وتسمية الأشياء بمسمياتها وإلا فسيظل الجميع يلوك نفس الكلام بلا جدوى ولا مخرج ولا نتيجة، قل من المسؤول عن ظاهرة أولاد لفشوش ومن أوصل الشباب الضائع الى ما هو عليه اذ لم يخلق ضائعا ولا هو يعيش في الفضاء البعيد ، ومن أرخى للوزراء والبرلمانيين والأحزاب حتى صار همهم الوحيد والأسبق والأساس هو التكالب على المناصب والثروات وعلى عينك أبن عدي(سمعنا مؤخرا أن برلمانيا نجح في بكالوريا عام كورونا وزغردوا له ) ها من يحكم البلاد والعباد ومثال صديقك رئيس الديوان القديم مثال صارخ فمن يصحح الأمور يا ترى ومن يعيد القطار لسكة العدل والعدالة والصراحة والمساواة ، فالحقيقة الحقيقية هي الضائعة بحق وصدق.ا.ا.ا.ا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق