وجهات نظر

وجهة نظر | الإسلام المغربي في إسبانيا ومعضلة تأسيس “إسلام إسباني”

المخابرات الإسبانية و"العدل والإحسان" في حسابات المفوضية الإسلامية

بقلم: سعيد إدى حسن *

    تشير كل المؤشرات إلى أن الطبيب الإسباني من أصل سوري، أيمن إدلبي، سيتقلد منصب الرئيس الجديد للمفوضية الإسلامية، وهي أعلى هيئة تمثيلية للمسلمين في إسبانيا، خلفا للرئيس الأسبق، رياج طاطري بكري، وهو أيضا إسباني من أصل سوري، وافته المنية يوم 6 أبريل 2020 جراء إصابته بفيروس “كورونا” المستجد.

ويعتبر أيمن إدلبي، الملقب بـ”أبو عبده”، وهو طبيب أطفال متقاعد، شخصية تحظى بنوع من الإجماع داخل اللجنة الدائمة للمفوضية في هذه الظرفية العصيبة، وبخاصة في ظل الصراعات التي تشهدها الساحة الإسلامية في إسبانيا بين عدة تيارات، والسعي الحثيث لبعض الأطراف التي لها عدة ارتباطات للسيطرة على هذه المؤسسة الحساسة التي تمثل مسلمي إسبانيا، الذين تخطى عددهم المليوني شخص بحلول سنة 2020.

رحيل رياج طاطري، الذي كان يحظى برضى السلطات الإسبانية، بما فيها المؤسسة الملكية، أثار مخاوف الاستخبارات الإسبانية، التي تخشى من انتقال قيادة المفوضية الإسلامية إلى شخصيات مقربة من جهات أخرى، وخاصة من المغرب أو من جماعات إسلامية مثل جماعة “العدل والإحسان” (المعارضة للنظام المغربي).

وشكل رحيل رياج طاطري المفاجئ، فراغا قض مضجع السلطات الإسبانية وأفزع قيادات المفوضية على حد سواء، كما فك “عقدة الخوف من الزعيم” التي كانت تتملك بعض أعضاء اللجنة الدائمة التي تسير المفوضية، حيث خرج بعض أعضاء هذه اللجنة بتصريحات صحفية انتقدوا فيها بشدة “غياب الديمقراطية الداخلية” لانتخاب هياكل المفوضية، وذهب بعضهم إلى حد التشكيك في جدوى وجود مؤسسة “ليس لها أي تأثير على أرض الواقع” و”لا تحظى بثقة أغلبية المسلمين”.

وكان طاطري أبرز شخصية إسلامية في إسبانيا منذ أزيد من أربعين سنة، وهو الذي تربى في مدرسة “الإخوان المسلمين” في سوريا قبل الفرار إلى إسبانيا هربا من اضطهاد نظام حافظ الأسد للمسلمين السنة في سبعينيات القرن الماضي، وتقلد عدة مناصب قيادية في تنظيم “الطلائع / جناح عصام العطار” في أوروبا، كما كان يحظى بمكانة خاصة لدى الحكومات الإسبانية المتعاقبة على اختلاف توجهاتها، منذ وفاة الدكتاتور فرانسيسكو فرانكو، حيث كانت تعتبره “رجل دولة” وشخصية معتدلة حافظت على “استقلالية” المفوضية الإسلامية، وسعت إلى التأسيس لـ”إسلام إسباني” مستقل عن الدول العربية والإسلامية، وهو الموقف الذي جلب له تأييد السلطات الإسبانية من جهة، ولكن، في المقابل، خلق له عداوات كثيرة مع عدة أنظمة عربية.

العلبة السوداء للمفوضية وأمين سرها

 

حسب معطيات إدارة الشؤون الدينية، التابعة لوزارة العدل الإسبانية، يبلغ عدد الجمعيات والمراكز الإسلامية في إسبانيا حاليا (إلى غاية شهر يوليوز 2020) ما مجموعه 1420 جمعية ومركزا تنتظم داخل اتحادات وفيدراليات تشكل بدورها اللجنة الدائمة للمفوضية الإسلامية، وتتكون اللجنة الدائمة للمفوضية الإسلامية، من 25 عضوا، ينتمي 14 منهم إلى “اتحاد الجمعيات الإسلامية بإسبانيا”، المعروف اختصارا بـ”أوسيدي”، والذي يضم 830 جمعية، بينما تتوزع باقي المقاعد بين فيدراليات مختلفة أكبرها “الفيدرالية الإسبانية للهيئات الدينية الإسلامية” (فيري)، والتي تنضوي تحت لوائها 220 جمعية، وتتوفر على خمسة مقاعد داخل اللجنة الدائمة.

وعقب وفاة رئيس المفوضية الإسلامية، رياج طاطري، الذي كان يرأس أيضا “اتحاد الجمعيات الإسلامية”، انتخب مجلس شورى الاتحاد يوم 4 يوليوز 2020، أيمن إدلبي، رئيسا جديدا له في انتظار تنصيبه رئيسا للمفوضية.

وإدلبي هو أحد المقربين من الرئيس الراحل ويعتبر بمثابة “العلبة السوداء” للمفوضية الإسلامية، بحكم تواجده في كل المحطات التاريخية لتأسيس تمثيلية المسلمين في إسبانيا منذ سبعينيات القرن الماضي.

وولد أيمن إدلبي في العاصمة السورية دمشق سنة 1946، وتلقى فيها العلم الشرعي على يد كبار العلماء، كما انخرط في العمل السياسي وهو صغير السن، وناضل في صفوف جماعة “الإخوان المسلمين”، ثم لجأ إلى إسبانيا في بداية سبعينيات القرن الماضي إلى جانب عدد من الشباب السوريين الذين فروا من بطش نظام حافظ الأسد.

وفور وصوله إلى إسبانيا، انخرط في العمل الإسلامي بالموازاة مع دراسته للطب، حيث كان ينشط في جمعية الطلبة المسلمين، ثم في الجمعية الإسلامية بإسبانيا، وهي أول هيئة تمثيلية للمسلمين كان يرأسها القيادي في تنظيم “الطلائع” صلاح الدين النكدلي إلى غاية سنة 1983، واستلم بعده القيادة رياج طاطري.

وبالرغم من مشاركته الفاعلة في تسيير الجمعية الإسلامية وبعدها اتحاد الجمعيات الإسلامية ثم المفوضية الإسلامية، إلا أن أيمن إدلبي فضل، ولمدة تفوق الأربعة عقود، الاشتغال في الظل والابتعاد قدر الإمكان عن الأضواء، تاركا هذه المهمة لرفيق دربه رياج طاطري.

شخصية معتدلة تمثل “تيار الوفاء” لخط رياج طاطري

يعتبر الدكتور أيمن إدلبي من الشخصيات المعتدلة داخل المفوضية الإسلامية، وكذا من المدافعين عن استقلالية المؤسسة وعن مشروع تأسيس “إسلام إسباني” في منأى عن التدخلات الخارجية.

ويسانده في هذا الطرح، عضو بارز آخر في المفوضية، وهو رئيس اتحاد الجمعيات الإسلامية في منطقة إكستريمادورا، الإسباني من أصل فلسطيني، عادل النجار، الذي كتب في نعي رياج طاطري: “إن التحدي بالنسبة إلينا هو السير بثبات على خطى الزعيم الراحل”، وقال في مقال نشره على صفحته بـ”الفيسبوك”: “فقدنا أخا حبيبا عزيزا على قلوبنا. عزاؤنا أنه في ضيافة من لا يضيع عنده أجر من أحسن عملا. ترك على عاتقنا أمانة لا يجب أن تضيع، وإرثا لا بد من الحفاظ عليه. هذه هي مسؤوليتنا أمام الله وأمام المسلمين”.

 

“العدل والإحسان” والصراع مع النظام المغربي خارج الحدود

 

لا يخفى على أحد من المراقبين والعاملين في الحقل الديني في إسبانيا أو في باقي الدول الأوروبية، سعي جماعة “العدل والإحسان” لنقل صراعها مع النظام المغربي خارج حدود المملكة، وتوظيف كل الوسائل التنظيمية المتاحة لديها لمقارعة النظام فوق الأراضي الأوروبية، حيث تكفل لها القوانين حرية التعبير والتنظيم والحركة والممارسة السياسية.

واستثمرت جماعة “العدل والإحسان”، بشكل جيد، التوتر الحاد الذي ساد العلاقات بين المغرب وإسبانيا في بداية القرن الواحد والعشرين، على إثر أزمة جزيرة “ليلى” أو “بيريخيل/بقدونس” كما يسميها الإسبان، والتي كادت أن تتحول إلى مواجهة مسلحة بين البلدين في شهر يوليوز 2002 لولا التدخل الأمريكي الذي حال دون ذلك.

وتمكنت الجماعة، في سنة 2012، من السيطرة على ثاني أكبر هيئة تمثيلية للمسلمين في إسبانيا، وهي الفيدرالية الإسبانية للهيئات الدينية الإسلامية، المعروفة اختصارا بـ”فيري”، ولا زال أحد المنتسبين للجماعة، وهو منير بنجلون الأندلسي، يرأس هذه الهيئة إلى يومنا هذا.

أقل من شهر بعد وفاة رئيس المفوضية الإسلامية، عمم منير بنجلون بلاغا على الصحافة أكد فيه أن “القيادة الحالية للمفوضية الإسلامية تفتقد إلى الشرعية القانونية”، مذكرا بالدعوى القضائية التي رفعها ضد رئيس المفوضية سنة 2016، حيث طعن في قانونية القوانين الأساسية للمفوضية، وفي تشكيلة لجنتها الدائمة التي حصل فيها فقط على خمسة مقاعد من أصل 25 مقعدا المكونين لذات اللجنة.

وبالرغم من تسييرها فقط لـ 220 جمعية ومركزا إسلاميا، تطالب “فيري” بـ”تقاسم السلطة” مع اتحاد الجمعيات الإسلامية في إسبانيا، الذي يسير أزيد من 830 جمعية ومركزا إسلاميا على مجموع التراب الإسباني.

* باحث أكاديمي في جامعة كوبلوتنسي بمدريد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق