الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | ظاهرة “تتريك” الوزراء في التاريخ المغربي

المحاسبة هي ضامن الاستقرار

التزام مصطفى العلوي مع قرائه مستمر :
يواصل طاقم «الأسبوع الصحفي» النبش في مقالات «الحقيقة الضائعة»، التي تركها مديرنا الراحل قيدوم الصحفيين مصطفى العلوي ولم تنشر من قبل، وحتى يتسنى تقديمها في أفضل حلة، ترجع جريدة «الأسبوع الصحفي» بقرائها إلى أرشيف ركن «الحقيقة الضائعة» في انتظار إعداد مجموعة جديدة أخرى من المقالات لنشرها في هذا الركن.

 

بقلم: مصطفى العلوي

كان الجو مكهربا.. والوزراء مرتعشون مقرفصون لا يعرفون ماذا في الجو.. بعدما تعبت أنوفهم من تشمم الأخبار، فكلهم يريدون “السلة بلا عنب”، ويتمنون لو أنهم انسلخوا وانسحبوا “ولا عين رأت ولا قلب وجع”.

كانوا جميعا جالسين وكأنهم غرباء عن بعضهم، فكل واحد منهم متعلق بمجموعة نفوذ، وكل واحد متحزب لجماعة أو فرد، ولا تربط الوزراء بينهم إلا علاقة حمل لقب الوزارة، ولكنهم في داخل كيان كل واحد منهم، مثل اليوم الأول عندما هبطوا منها جميعا ((بعضكم لبعض عدو)).. وتقف الآية في حقهم عند هذا الحد.. فليس لواحد منهم الوقت الكافي ليستلهم “الهدى” الذي أوحاه سبحانه وتعالى، ونصحهم باتباعه، حتى لا يكون خوف على المهتدين، ولا هم يحزنون.

بينما كان الوزراء في ذلك المجلس حازنين.. بعد أن مر “هدى الله” دون أن يتلقفه أحد، وكانوا غارقين في لجي الحيرة والخوف، عقل كل واحد منهم “مكلخ” بالمشاريع والحسابات، والأموال التي أثقلت حركتهم، فما زادهم ذلك الشعور المجمد لأعصابهم إلا رعشة من مفاجآت المستقبل، ونفورا من ورطة الحاضر..

وبغتة تكسر ذلك الصمت المهيمن على المجلس الوزاري، وكأنه رعد مرفوق ببرق، كادوا أن يجعلوا معه أصابعهم في أذانهم من صواعق أصوات المخازنية، وهم يجهرون بصوت واحد: “الله يبارك فعمر سيدي”.

وخرج الملك في هيبة ووقار، فانصبت أنظارهم بسرعة خاطفة على المحيا الملكي، ليقرأ عليه من تجرأ منهم على رفع البصر إليه، ما كانوا يتوقعونه من غضب، ونظرات تزداد لها قلوبهم المرتعشة اضطرابا.. فحسبوا أن المجلس خرّ بهم، وأن الأرض ابتلعتهم، فقد كان كل واحد منهم مثل المتهم عندما يقف أمام القاضي وهو يعرف فداحة أخطائه، حتى ضاقت بهم جنبات القاعة بما رحبت، وأسلموا أنفسهم للقدر المكتوب.

والتفت الملك يمينا ويسارا يتفحص سماتهم قبل أن يقول لهم: ((قد رأيتم ما جرت به الأقدار من فساد القلوب وتمادي الغي والفساد، ومن يوم رجعنا ونحن نعالج أمور الناس، فلم يزدادوا إلا فسادا، وقد جرى على الملوك المتقدمين أكثر من هذا، فلم ينقصهم ذلك عند رعيتهم، بل قاموا معهم، وأعانوهم على أهل الفساد حتى أصلحوهم، وإني قد عجزت بشهادة الله، لأني ما وجدت معينا على الحق)).

فلا هلع ولا سوء تفسير.. فلقد حصل فعلا وترأس هذا الاجتماع الملك المرحوم المولى سليمان، ذات يوم من سنة 1818، وهو الذي كان ملكا على المغرب من سنة 1792 إلى سنة 1822.

ولكن – كما يبدو – فإن التاريخ يعيد نفسه، وأن عاهة الفساد وسوء التدبير، كانت محيقة بالمغرب عبر تاريخه، ذلك التاريخ الذي يشهد كل حرف من سجلاته، بأن أصحاب النفوذ في المغرب كانوا دائما ضعافا أمام المادة، متسابقين إلى استغلال ذلك النفوذ.

في تلك الأزمان، لم تكن الأحوال متغيرة كثيرا عما هي الآن، وليس بين ذلك العصر واليوم إلا فارق وحيد، هو الحسابات في سويسرا، والصفقات المتطايرة بين المغرب وفرنسا، بالفاكس والتلكس، والشركات ورؤوس الأموال، والمصانع، والمؤسسات، والبورصة والسهم، والتجزئات، وتصاعد أثمان الأرض من عشرة دراهم للمتر إلى عشرة آلاف درهم لنفس المتر، بعد مرور شهور معدودات.

وهي عناصر جعلت جرم استغلال النفوذ يتفاحش ويكبر، ويحول السادة الكبار إلى أصحاب ملايير في لمح البصر..

ولكن أسيادنا، الذين سبقونا للإيمان وللتجربة، كانوا يجدون لكل مشكلة حلا، ولولا ذلك، لكان المغرب قد انتهى..

فقد هب المصلحون من أبناء الرعية، دوما، إلى فتح عيون الملك على مكامن الفساد، وكان مفتاح المشاكل دوما يحمل اسما واحدا كالدواء الأزلي، ويسمى “التتريك”، فكان الوزراء الأقوياء يجدون أنفسهم بين عشية وضحاها فقراء، مثقلين بالحديد في سجون العاصمة، ونحن نقرأ في كتب التاريخ المغربي أمثلة متعددة لأقطاب بلغوا الأوج في البلاد ((فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب))، فماتوا فقراء معدمين، لأن الدولة اكتشفت غشهم فجردتهم من ثرواتهم.. فقد كان الملوك دائما يعرفون أن مسؤوليتهم في الحفاظ على سلسلة الاستمرار، تحتم عليهم إمساك العصا من الوسط.

وقد حضر أحد الصحفيين الإنجليز في طنجة جنازة وزير أول سابق تم تجريده من ثروته، وسجنه، فمات في سجنه.. بطنجة، ويحكي الصحفي في مذكراته، أنه حضر جنازته، وكان مغسلوه قد عجزوا عن انتزاع الأصفاد الحديدية من رجليه، فتم دفنه بها.

وقد سمي هذا همجية أو خرقا لحقوق الإنسان – حتى بعد موته – ولكنه في حقيقة الأمر، إنصاف لهذا الشعب الذي كان الكثير من وزرائه يستغنون من ضعفه وبؤسه، ويسعدون بأزماته، ليستغنوا على حساب دموع الشعب ويفقروا أمة بكاملها، ليبقوا هم الأغنياء.

ولكن الدولة المغربية، كانت تعرف الكثير من الاستقرار الاقتصادي والأمن الاجتماعي سنوات طويلة كلما تم “تتريك” وزير أو محاسبة رجل قوي، لأن الذين يأتون من بعده، يخشون على أنفسهم، فيتقوا الله في أموال الشعب، وتهاب أيديهم مس باب بيت المال، خوفا من أن تحرقها نار “التتريك”.. ويصفدها حديد السجن.

و”التتريك” شرع وسنة كان لها الفضل الكبير على الكيان المغربي والعربي والإسلامي منذ أيام الفاروق عمر بن الخطاب، فكيف يا ترى لم نقرأ محاضرات ولا دراسات جامعية عن عادة “التتريك” في الدولة العلوية، وهي التي ما استمرت ولا بقيت إلا بفضل تتريك الأمناء الذين يخونون الأمانة.

ولو قرأنا القسم الذي يؤديه المسؤولون عند تحمل المسؤولية وهم يقسمون على “أداء المهمة بصدق وأمانة”، لوجدنا فيها مخرجا لأزمتنا الحالية التي يفترض فيها أن تحاسب الذين لا يحترمون القسم، والذين يعتبرونه مجرد طقوس بروتوكولية ينسونها بمجرد ما يخلعون الجلابة البيضاء والشاشية الحمراء، لأن القسم يصبح غير ذي مفعول إذا ما لم يخلص أحد في الوفاء للقسم، ولم يتصرف لا بصدق ولا بأمانة.. وجاء القانون الجنائي ليعاقب في الفصل 547، من تثبت في حقه جريمة خيانة الأمانة بأن: ((سلمت إليه الأمانة لاستعمالها أو استخدامها لغرض معين)) فيعتبره القانون ((خائنا للأمانة يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات))، وترتفع العقوبة إلى الحبس من سنة إلى خمس سنوات في حق الموظفين(…).

وتضاعف العقوبة في حق المسؤولين ((الذين يحصلون من الجمهور على مبالغ أو قيم على سبيل الوديعة أو الوكالة أو الرهن، سواء بصفتهم الشخصية أو بصفتهم مديرين أو مسيرين(…))).

وهكذا نجد الاستمرار في القانون الجنائي العصري مستلهما من قانون “التتريك” الذي كان العمل جاريا به قبل صدور القانون الجنائي، بل إن التتريك وارد في حق الموظف المرتشي تنفيذا للفصل 255 من نفس القانون، والذي يقول بصريح العبارة بأن ((الأموال يجب أن يحكم بمصادرتها وتمليكها لخزينة الدولة)).

وإذا كان مسؤول عن أموال الدولة، في أي مجال كان، قد بدد تلك الأموال أو صرفها بغير حساب، أو أقام مشاريع أبانت عن إفلاسها، أو أمر بميزانيات ضاعت حسب هواه، فإن ذلك يعتبر خيانة للأمانة ولا شك، فأحرى إذا كان الأمر يتعلق – في عصرنا الحاضر – بملايير تصرف في مشاريع لم تنجز أو أفلست، أو تم تفليسها عن قصد، فإنه سيكون من الصعب التفريق بين خيانة الأمانة وسوء التدبير..

وما دام الواقع الحاصل يتوقف عند سجن مدير شركة خاصة أساء التسيير وبدد أموال الشركاء، لا يتوسع ليشمل كل رئيس أو مدير أساء التدبير وبدد أموال المواطنين الذين هم شركاء الدولة، فإن الدولة التي توقف تطبيق القانون على طبقة دون أخرى، هي بدون شك دولة آيلة إلى الزوال.

‫2 تعليقات

  1. رحمك الله سي العلوي وأبقى هذه الصدقة جارية في ميزان حسناتك إلى يوم القيامة، وجعل شجاعتك (والتي طالما قيل عنها وعنك إنك لا تقدم عليها إلا لأن ظهرك محمي ومسنود ولو باسمك الرنان وحسبك المنان) في توصيف الأمور محط اعتبار الذين يكتبون والذين يقرأون والذين يحكمون وينفذون ولو أننا لا نجد لها الصدى المفروض ما دامت تقارير المفتشين تبقى حبرا على ورق حبيسة الرفوف، والمسؤولون وفي مقدمتهم الوزراء والبرلمانيون والمديرون وغلاظ الأجور والتعويضات ومخلفات الصفقات والاتفاقيات يأبون أن يصرحوا بممتلكاتهم وممتلكات أسرهم أصلا وفصلا وفرعا حتى لا تنكشف ضخامة ثرواتهم وهي في الحقيقة بادية للعيان ، ولا يجدون العصا التي تحجم شجاعتك عن ذكرها والتي يتوجب عليها أن تردع فورا وبقوة كل مخالف أو مقصر أو”شفار” قبل أن تنتفخ أشداقه أو هو أقرب ما يكون إلى بيته الشعبي المتواضع الذي تركهه للفلات والقصور وهو فخور.ا.ا.ا.ا

  2. كلم قرأت مقال من مقالات المشمول برحمة الله إلى واحسست بروحه الطاهرة مزالة ترفرف بين قرائها الاوفياء رحمك الله انت موتنا وكل من له الحق علينا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق