بين السطور

بين السطور | الصحافة.. عفوا، بل الفكر.. في ذمة الله

بقلم: الطيب العلوي

  وفق التقرير الذي أصدره المجلس الوطني للصحافة، الأسبوع الماضي، حول أثار جائحة “كوفيد 19″على القطاع، تقدر الخسائر المادية للصحافة المكتوبة، في ظرف الثلاثة أشهر التي تم فيها توقيف الطبع والتوزيع بسبب الحجر الصحي، بما لا يقل عن 25 مليار سنتيم، بالإضافة إلى تراجع المداخيل الإشهارية بنسبة 110 % مقارنة مع نفس الفترة من السنة المنصرمة، ولا داعي للتذكير بأنها ليست أولى الضربات، فالإعلام المكتوب يعاني من تراجع جد مقلق، ومستمر منذ أزيد من عشر سنوات، لتنهار اليوم مجموع مبيعات كل الصحف تحت سقف المائتي ألف نسخة يوميا، والذي يعني أن مغربيا واحدا من بين مائتين يقرأ الجرائد.

لا يمكنني أن أعبر عن مدى شعوري بالخجل الذي انتابني وأنا أدوّن هذه الأرقام، ولا عن خيبة الأمل وأنا أرى مهنيي القطاع ينقسمون باستمرار(…) رغم أنهم في أمسّ الحاجة لتوحيد الجهود، وليكون في علم الجميع، أنه كلما كثرت المجالس والمؤسسات والنقابات والجمعيات، كلما انهارت المبيعات، كما لا يمكنني أن أحصي لكم علامات الاستفهام المتعلقة بالموضوع، كالتساؤلات عن المغزى من هذه التعددية في الهيئات دون جدوى، فكم من محاكمة صحفية عرفناها دون تدخل أي هيئة؟ ودون تخصيص صندوق صغير لجمع مساهمة، ولو رمزية، لدعم الصحفي المحكوم عليه في محنته؟ ولو حتى إصدار تصريح في حقه؟ حتى الوقفات الصغيرة المؤيدة التي كانت تنظم للاحتجاج والصياح والتصفيق(…)، ووضع الشارة التضامنية، تعد من الأنشطة المفقودة.

تساؤلات عديدة أخرى، كتلك التي تفرض نفسها عندما نرى أن الوزير الجديد المكلف بقطاع الإعلام، يركز جهوده، ويكرر لقاءاته، ويضاعف الميزانيات المخصصة لدعم الصحافة والنشر، أمام مجمع من الناس، يمثلون جمعية لا يزيد عمرها عن 48 ساعة، والتي حتى نظامها الأساسي لم يُكمل بعد تسجيلاته القانونية.

فماذا تنتظر أيها الصحفي الشاب القاطن في أبعد ركن من المغرب إذن، إذا ظُلمت؟ أو حُوكِمت؟ أو مرضت؟ أو حتى إذا وافتك المنية(..) ؟!

أما فيما يخص الوزير الجديد(…)، والذي طبعا أحييه على مبادراته، فإني أظن أنه قبل التصريح بمبالغ دعم هائلة، يجب ربما على الأقل قبل ذلك، إلقاء نظرة على الرسائل الواردة من طرف المؤسسات الصحفية التي تعاني، التي كاتبته خلال الفترة الأخيرة الصعبة، والتي لم تحصل على أي رد، فعند كل تساؤل ينتج سؤال آخر، أود فقط معرفة كيف يمكن لوزارة مكلفة بالإعلام أن تبادر بتخصيص غلاف مالي يفوق الـ 20 مليار سنتيم لإنقاذ المهنة، دون الرد على رسالة بسيطة وجهتها لها أقدم أسبوعية في المغرب في نفس الصدد، لا بـ”نعم” ولا بـ”لا” ؟!

العوامل التي قادتنا إلى هذه الكارثة الفكرية التي يعرفها المغرب، لا تقف عند هذا الحد، بل راجعة أيضا إلى جودة التوزيع، التي ربما على السيد الوزير، وقبل أن يحرر شيكه الموعود بقيمة مليار ونصف لشركة التوزيع الوحيدة(…)، المعروفة حاليا هي الأخرى في الوسط بتعدد المدراء والأطر ذات الرواتب الباهظة، والاجتماعات المستمرة(…)، أن يذكرهم على الأقل ببذل الجهود اللازمة، لتحسين استراتيجية توزيع الصحف، حيث المئات من الأكشاك تشتكي من عدم توصلها بعناوين الصحف التي ينادي بها القراء دون التمكن من اقتنائها(…).

أخيرا وليس آخرا، الخاسر من هذه الوضعية، ليست المؤسسات الإعلامية حتى لو أفلست، ولا المطبعات حتى لو أقفلت، وإنما التثقيف المغربي، والمستوى الفكري للمواطن، الذي لن يزيد إلا انحطاطا، بقلة الاطلاع، وكثرة الاهتمام بالمحتويات التافهة، وخصوصا المجانية(…)، التي تحصد ملايين المشاهدات، تلتهم منها منصات “غوغل” و”فيسبوك” 80 % من مداخيلها الإشهارية، دون معرفة حتى عما تتحدث(…)، تاركة 20 % من المردود لأصحابها ومن معهم لتقاسمها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق