المنبر الحر

المنبر الحر | رقي الأمم يقاس برقي قضائها (الجزء2)

بقلم: عبد الرحيم بن سلامة

    العدل سور لا يغرقه ماء ولا تحرقه نار ولا تهدمه مدافع، وقد قال رسول الله (ص): ((لا يقدس الله أمة لا يقضى فيها بالحق، ويأخذ الضعيف حقه فيها من القوي غير متعتع))، فالأمم الراقية من عهد أرسطو حتى عصرنا الحاضر، وكذلك الأديان السماوية والقوانين العالمية، توجب تقديس القضاء واحترام أحكامه وتحيطه بهالة من الجلال والوقار، لأهميته، فالدستور المغربي ينص في المادة 126 على أن ((الأحكام والقرارات القضائية ملزمة للجميع))، وصفة الحكم من صفات الله، فهو أحكم الحاكمين، وقد شرف الله نبيه محمدا بصفة الحكم فقال الله تعالى مخاطبا إياه: ((إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما)).

وقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله (ص) قال: ((إنما أنا يبشر مثلكم، ولعلكم تختصمون إلي، فلعل أحدكم أن يكون ألحن في حجته من الآخر فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها)).

وفي الحديث القدسي عن النبي (ص) فيما رواه عن ربه عز وجل أنه قال: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا..))، فمهمة القضاء مهمة شريفة مقدسة، فالمسلمون يرددون ويقولون في دعاء القنوت في صلاة الصبح مخاطبين ربهم: ((إنك تقضي ولا يقضى عليك)).

وفي الحديث الشريف: ((إن المقسطين عند ربهم يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن)) وفي حديث آخر: ((عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة، وجور ساعة في الحكم أشد وأعظم عند الله من معاصي ستين سنة، وقاضي عادل خير من مطر وابل وإمام غشوم خير من فتنة تدوم)).

إن احترام القضاء وإحاطته بهذه الهالة من الإكبار والإجلال والتقدير، ليس مجرد رغبة عارضة، وإنما هو ضرورة اجتماعية كبرى، لأن الفرد إذا لم يكن مطمئنا على ماله ونفسه وعرضه وحريته، فإن الحياة تصبح في منتهى الشقاء، وبالتالي، فإن المجتمع الذي هو مجموعة من الأفراد، تسوده الفوضى ويعمه الظلم، وفي ذلك ضرر عظيم.

فالإنسان بطبيعته مركب من مجموعة من الصفات والغرائز السيئة، كالحقد، والحسد، والطمع، والأنانية، وحب السيطرة والتسلط وما شابه ذلك، فإذا لم تكن سلطة تحد من هذه الصفات، وتنظم علاقة الأفراد بعضهم البعض، فإن المجتمع يصبح فاسدا أو تعمه الفوضى، وبما أن القاضي شخص من البشر، فلا يمكن أن يخضع الأفراد لحكمه إذا لم تحطه الشرائع والقوانين والأديان بهالة من التقديس والتقدير، وبذلك يكون لقوله الأثر البالغ في نفوس المتنازعين فيخضعون له عن رضى واطمئنان.

إنه من الصعب علينا أن نقر لبشر مثلنا بمزايا تجعله يصير مطلعا على خفايا القلوب، مقررا لمصير حياتنا وشرفنا وحريتنا وأموالنا، وهذه السلطة التي توليها الضرورة الاجتماعية لفرد بشري، إذا لم يكن مردها إلى الله تعالى، فمن العسير أن نذعن لها عن رضى وارتياح، فالقاضي “ظل الله في الأرض” كما يقولون، وهو القانون في جسد رجل يحول النصوص القانونية الجامدة إلى حقائق تنبض بالحياة، والقاضي هو الذي يستطيع أن ينفذ إلى روح المشرع وإرادة الجماعة لإيصال الحقوق إلى أصحابها، ينزعها من يد الغاصب ليعطيها لمستحقها، والقاضي هو الذي يستطيع أن يحكم على الجميع باسم القانون وباسم العدالة مستلهما حكمه من ضميره ووجدانه، ولا سلطان عليه في ذلك إلا هذا الضمير وصوت العدالة التي هي من إرادة الله في الخلق قال تعالى: ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما))، فالقرآن الكريم أمر المسلمين أن يسلموا تسليما بما يقضي به نبيهم محمد (ص) ونفى عنهم صفة الإيمان إذا لم يقبلوا بحكمه، فكان عليه السلام مثالا في تطبيق العدل، فقد جاء إليه رجلان من الأنصار يختصمان ويطلبان منه أن يحكم بينهما، فقال لهما: ((أنا أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، فإن من يأخذ حق أخيه فإنما يأخذ قطعة من النار)) فبكى الرجلان وتنازل كل واحد منهما عن حقه لأخيه.

فالقاضي إنسان يتولى الحكم والفصل بين الناس بالعدل، ولكن من عادة الناس ألا يكون القاضي موضع رضاهم حتى ولو عدل، ولذلك قال الماوردي الذي كان من كبار القضاة وهو صاحب الكتاب الشهير: “الأحكام السلطانية”: “إن نصف الناس أعداء لمن ولّي الأحكام، هذا إن عدل فكم سيكون خصوم القاضي إن ظلم وحاد عن الحق وجانب الصواب وحكم الهوى في أحكامه”.

إذا كان هذا شأن القضاء وأثره الكبير في المجتمع، فكم هو جدير أن يحسن اختيار القضاة في عصرنا الذين تتوفر فيهم شروط الاستقامة والنزاهة، والتجرد والتحفظ والكفاءة العلمية والحياد والمساواة، القادرين على الفصل بين الناس.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق