الـــــــــــرأي

الرأي | “كورونا” ودواعي تأجيل الانتخابات التشريعية

بقلم: د. خالد الشرقاوي السموني *

    على إثر جائحة فيروس “كورونا”، هبت عاصفة مالية واقتصادية على كثير من دول العالم ولم تصمد أمامها حتى الدول العظمى في بعض النواحي، حيث أصيبت في أسس اقتصادها بعطب كبير وعميق، وقد أثرت أيضا هذه الأزمة الصحية على الاقتصاد المغربي.

سيعرف المغرب ظروفا اقتصادية واجتماعية صعبة خلال سنتي 2021 و2022: قوانين مالية متقشفة وتراجع في الادخار بسبب نقص في العملة الصعبة وقلة الموارد المتاحة عن الضرائب والرسوم الجمركية وانخفاض معدل النمو، وتراجع في الصادرات والواردات ونقص حاد في مداخيل القطاع السياحي، وإفلاس عدد من المقاولات، وغيرها من الأثار السلبية التي ترتبت عن الأزمة.

وتبعا لذلك، سيكون البعد الاقتصادي محل اهتمام كبير وذا أولوية من قبل الدولة أكثر من الشأن السياسي خلال السنوات القادمة، على الأقل خلال ما تبقى من سنة 2020 وخلال سنتي 2021 و2022، لأنه لا يمكن أن يكون الوضع السياسي مستقرا في أي بلد ما لم يكن الوضع الاقتصادي جيدا ومريحا، ولن تكون الانتخابات ذات مغزى ديمقراطي لدى المواطن ما لم تكن هناك تنمية ورفاه اقتصادي.

تأجيل الانتخابات التشريعية

    جرت الانتخابات التشريعية الأخيرة يوم 7 أكتوبر 2016، وبناء على الفصـل 62 من الدستور، ينتخب أعضاء مجلس النواب بالاقتراع العام المباشر لمدة خمس سنوات، وتنتهي عضويتهم عند افتتاح دورة أكتوبر من السنة الخامسة التي تلي انتخاب المجلس، وهذا يعني أن الانتخابات التشريعية ينبغي إجراؤها قبل دورة أكتوبر 2021، أي أنه يتوقع عادة تنظيمها خلال شهر شتنبر 2021، حتى يسمح افتتاح أول دورة برلمانية في شهر أكتوبر لمجلس نواب جديد من قبل جلالة الملك.

وفي نظرنا، هناك مجموعة من العوامل والأسباب ترجح تأجيل الانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها سنة 2021 إلى تاريخ لاحق، ويمكن بسط ذلك في ما يلي:

1) من الناحية الواقعية والموضوعية:

أ) أزمة “كورونا” ألحقت أضرارا اقتصادية كبيرة بكثير من القطاعات والفئات الاجتماعية، ويتطلب ذلك على الأقل سنة بعد رفع الحجر الصحي لكي تتعافى هذه القطاعات والفئات، على أساس أن تتخذ الحكومة التدابير اللازمة للتخفيف من هذه الأضرار.

ولذلك، فإنه خلال سنة 2021، سيكون اهتمام المواطن بالشأن السياسي والانتخابي ضعيفا، مما قد يولد ظاهرة العزوف السياسي وضعف المشاركة في الانتخابات، وأتوقع أن تكون نسبتها أقل بكثير من استحقاقات سنة 2016.

ب) تنظيم الانتخابات غالبا ما تسبقه إجراءات تحضيرية، مثل إعادة النظر في القوانين الانتخابية، والتمويل العمومي للأحزاب وللحملات الانتخابية، ومراجعة اللوائح الانتخابية والتسجيل فيها، والتوافق على نمط الاقتراع والتقطيع الانتخابي ونظام الكوطا، وغيرها من الأمور التي تقتضي اجتماعات مكثفة بين الحكومة والأحزاب السياسية، وأيضا اللجنة البرلمانية المختصة بمجلسي البرلمان والمستشارين، هذا مع العلم أن الوقت الذي يفصلنا عن الانتخابات القادمة، لا يتجاوز سنة إذا استثنينا فترة الصيف.

ولذلك، لن يكون الوقت سانحا بما فيه الكفاية للإعداد لانتخابات 2021 بالشكل الديمقراطي الذي تريده الدولة والأحزاب والمواطن، لأن أي عمل ارتجالي في تنظيم الانتخابات، قد يتيح الفرصة للجهات المعارضة داخل وخارج المغرب، للتشكيك في مصداقيتها.

ت) الدولة ستواجه إكراها ماليا على مستوى ميزانية الدولة في تمويل الأحزاب وحملاتها الانتخابية، حيث يتطلب ذلك ميزانية مهمة ينبغي صرفها لفائدة الأحزاب، في الوقت الذي نجد فيه الحكومة مقبلة على مشروع قانون للمالية تعديلي، لأن قانون المالية الحالي ينبغي إعادة النظر فيه، نظرا لتوفره على أرقام لم تعد صالحة سواء فيما يتعلق بالنفقات والإيرادات، ينبغي تعديلها وفق المعطيات الاقتصادية الحالية المترتبة عن الجائحة، كما أن الحكومة سبق لها في شهر أبريل المنصرم، أن طالبت الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية بنهج سياسة التقشف فيما يخص النفقات، وتوقيف عدد من الصفقات العمومية غير الضرورية، ثم أن عددا كبيرا من المواطنين قد يتساءلون: كيف أن المغرب يواجه أزمة اقتصادية وفي نفس الوقت سينفق أموالا مهمة على الحملات الانتخابية، التي قد يمكن الاستغناء عنها بصفة مؤقتة؟

2) من الناحية الدستورية:

أ) القاعدة القانونية ومبدأ الاستثناء الوارد عليها:

بالرجوع إلى الدستور المغربي، فقد حدد في فصله 62 مدة ولاية مجلس النواب في خمس سنوات، وتبعا لذلك، فعضوية النواب البرلمانيين تنتهي عند افتتاح دورة أكتوبر 2021، مما يستوجب إجراء انتخابات تشريعية جديدة، فهل يمكن تجاوز هذا النص الدستوري؟

إن مقتضيات المصالح العليا للبلاد قد تفرض في بعض الأحيان تجاوز بعض النصوص والمواعيد الدستورية والقانونية، باعتبار أن حماية النظام العام والصحة العامة للمواطنين هي مصالح عليا جديرة بالحماية في مواجهة الأزمة الصحية، باعتبارها كارثة إنسانية عالمية قد تؤدي، في حالة عدم التصدي لها بحزم، إلى خسائر في الأرواح والأموال، هذا مع العلم أن الوباء لازال منتشرا وليست هناك مؤشرات علمية للقضاء عليه، وحتى لو تم رفع الحجر الصحي، تدريجيا أو كليا، تبقى التدابير الاحترازية لمواجهته واجبة وتأهب السلطات العمومية والمحلية ينبغي أن يبقى قائما.

وقد أدت التدابير الاستثنائية إلى تأجيل إجراء الانتخابات في كثير من الدول، فعلى سبيل المثال، أجلت الانتخابات الوطنية ببريطانيا التي كانت مقررة في 7 مايو المنصرم، لمدة عام، وفي تشيلي، أجل الاستفتاء على الدستور الجديد والذي كان مقررا في 26 أبريل لمدة 6 أشهر، وفي إيران، أجلت الدورة الثانية لانتخاب مجلس الشورى التي كانت مقررة في 17 أبريل إلى 11 شتنبر المقبل، وفي إثيوبيا أعلنت مفوضية الانتخابات تأجيل الانتخابات البرلمانية التي كان مقررا لها في شهر غشت القادم بسبب مواجهة فيروس “كورونا”، وهناك دول أخرى حاليا بصدد مناقشة قرار تأجيل الانتخابات البرلمانية والبلدية.

* أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق