الـــــــــــرأي

الرأي | الصراع أم التعاون.. في مواجهة تداعيات “كوفيد 19”

بقلم: عبد الفتاح البلعمشي *

    أصبح الوضع الدولي مقلقا للغاية في هذه المرحلة من “التعايش” مع جائحة “كوفيد 19” من حيث التداخل بين الجوانب الاقتصادية والسياسية والتوازنات الدولية في تدبير الأزمة، يزيد من التعقيد والارتباك غياب وصفة جاهزة يمكن تبنيها وتعميمها، كفيلة بعتق النظام الدولي وإطاراته السياسة الاقتصادية، وكل ما هنالك، أن جل حكومات العالم منكبة على التفكير في سبل الخلاص، وتراقب عن كثب ما ستحمله الأيام المقبلة من أفكار وتصورات لمواجهة تداعيات الأزمة على صعيد النظام الدولي.

إن تداعيات هذه الأزمة التي وصفت بـ”الحرب” الفريدة من نوعها، ووصفتها المؤسسات المالية الدولية بـ”الركود العميق”، تؤكد أننا أمام أزمة لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلا، تتجاوز في حدتها “الكساد الكبير” الذي خلفته أزمة 1929، بل إنها تقارن بالفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية في أحسن التوقعات تفاؤلا، ولما كانت هذه الجائحة عالمية من حيث طبيعتها، ومن حيث تداعياتها على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية للدول جميعا، فإن العمل على الحد من تأثيرها، سيأخذ بعدا عالميا بالأساس.

إنه اختبار لإرادة التعاون الدولي في مواجهة هذه المرحلة “الفاصلة بين عهدين”، وفي تجاوز الأثار المختلفة لهذه الأزمة، وهي مسألة رهينة بقرار اللاعبين الكبار، والماسكين بناصية الفعل الدولي، والمتحكمين في التفاعلات الدولية، بإعمال منهجية التفكير المشترك بين الدول والمنظمات الحكومية الدولية، في ترتيب التدابير الكفيلة بمعافاة الاقتصاد، وتجاوز التداعيات المالية والاجتماعية لهذه الأزمة، عن طريق إعادة تشكيل آليات التعامل الدولي وإنعاش منظومته التعاونية، وأطره القانونية، وهندسة السياسات الكفيلة بإعادة الأمور إلى نصابها.

كما قد يكون الأمر معكوسا تماما، ومحفوفا بالمخاطر، إذا اختارت القوى المهيمنة على الصعيد الدولي اتجاها آخر، يزكي منطق الفوضى كخيار في مواجهة هذه الأزمة، خصوصا أمام ما تطرحه الدول، والمؤسسات الدولية، وجهات مستقلة، من أرقام ومؤشرات تبدو مهولة ومخيفة.

وعموما، نستطيع القول أن التدبير الدولي للمستقبل قد تتنازعه فرضيتان على الأرجح، إما البحث عن مخرجات “تعاونية”، وهذا مفيد للغاية، خصوصا بالنسبة للدول التي راكمت أرضية تشاركية فاعلة ومؤهلة، قد تمكنها من موقع تفاوضي واعد إزاء المرحلة المقبلة، أو تبني مخرجات “تصارعية”، بتغليب المنطق السهل في تعويض خسائر هذه الأزمة، عبر تشجيع الاضطرابات الداخلية بالدول المهيأة لذلك، وإذكاء الحروب والنزاعات، وهي أمور رهينة كذلك بتصور المجموعات المؤثرة في السياسات الدولية، التي يمثلها المركب الصناعي – العسكري في العالم، ومجموعات الضغط ذات المصلحة في خلق عالم مضطرب لاستمرار هيمنتها السياسية والاقتصادية والمالية.

إن أي مأزق بسبب التحولات الدولية إذا انتصرت النزعة التصارعية، ستدفع تكلفته دول الجنوب بالدرجة الأولى، مما يتطلب التفكير الجدي في مواجهة هذا السيناريو، عبر الممانعة، وطرح صيغ جنوب – جنوب قادرة على دعم التصور الدولي للخروج من الأزمة، وكذا الاتجاه نحو صيانة التماسك الاجتماعي داخل هذه الدول، وتعزيز القرارات السيادية، ودعم الاقتصاديات المحلية، وأساسا تشجيع استمرارية الثقة بين الدولة والمجتمع، التي برزت أثناء مواجهة الجائحة في العديد من هذه الدول.

إن أي تحول في طبيعة الأنماط السائدة في العلاقات الدولية الراهنة، من شأنه أن يعيد تشكيل الخارطة الاقتصادية للعالم، ما يتطلب قراءة متجددة للواقع الدولي، ووضعية القوى العظمى داخله، والعلاقة فيما بينها، والبدائل المتاحة أمام المجموعات الدولية الأخرى، خصوصا تلك التي تمتلك القدرة على المواجهة، وإمكانية توسيع هامش حضورها في مرحلة ما بعد جائحة “كورونا”، ليبقى التساؤل حول كيفيات مواجهة الدول النامية لأي تطور لا يخدم مصالحها، أو يعمق من أزمتها في المرحلة المقبلة، وهو أمر يحتاج في نظرنا إلى منهجية تفكير في وضعية ما بعد أزمة “كورونا” تنبني على سياسات عمومية حذرة ومرنة، وقادرة على التأقلم بسرعة مع كل المستجدات، وكفيلة بتحقيق هدف تقليص أثار الجائحة وتداعياتها، والعمل أكثر من أي وقت مضى على صيانة السلم الاجتماعي، وتجنب أسباب الصراعات الإقليمية والدولية.

ثم إن تكريس قيم الديمقراطية والمشاركة المواطنة للفعاليات الاقتصادية والمدنية، ومحاربة الفساد، أضحت مداخل جوهرية في خلق تعبئة مجتمعية وإدارية وسياسية استثنائية، مطلوبة في تعزيز القرارات الوطنية، وضمان أكبر قدر من الاستقلالية، مرورا بالاستثمار الفعال في البحث العلمي بكل أصنافه، من خلال هيئاته ونخبه، لدعم المجهودات الوطنية في تشخيص وتحليل الوضعية الراهنة، واستشراف الحلول المناسبة لها، مع اغتنام فرصة الاستثمار في المجال الرقمي الذي جعلت منه هذه الجائحة موضوعا للمنافسة، ورقما أساسيا في معدلات التنمية ومكانة الدول وتصنيفها.

* أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة القاضي عياض بمراكش

تعليق واحد

  1. قراءة وتحليل موفقين لما يعيشه العالم للاستاذ (مشهود له بتوازن تحليلاته وحياديتها على الأرجح)،
    وتساؤلات مشروعة وهادفة، تذكرنا بأننا “فاعلين” في هذا المجتمع الدولي، بل الأرجح (ربما) “مفعولين بهم”،
    إن صح التعبير (عذرا على التطاول على الاختصاصيين)،

    على أي، حتى لا أخوض فيما لا أتحكم فيه (علاقات دولية أو قانون دولي)، ومن قراءة بسيطة لما جاء به الأستاذ،
    يظهر أن الحكمة تقتضي من دولنا، أن تعرف كيف تسقط وتعرف كيف تنهظ، أكثر من أي شيء آخر، فإسقاطا على ما يحصل،
    ففي فنية بعض رياضات فنون القتال، ومن أبجدياتها أن تتعلم وتتقن “فن السقوط على الأرض” بغاية ألا تتأدى عند حدوث ذلك،
    وبعدها تتعلم النهوض وفي مراحل متقدمة تتعلم الضرب أو اعطاء الضربات الهجومية (أو الدفاعية)

    فدولتنا، من حيث الاكراهات المتعددة، التي تراكمت بفعل مجموعة من الأحداث والاختيارات الماضية، واللوازم الآنية، للأسف تبقى عاجزة على النظر إلى المسقبل بمخططات واقعية تنموية حقيقية،
    ففي غياب الامكانيات الذاتية الكافية والقوية والواضحة للدولة يصعب القرار فيما يتعلق بالدور المستقل أو الحر (مع أو ضد أو حتى محايد) الذي يمكن أن تضطلع به في المنظومة الدولية،
    لذلك فالجواب على تساؤل الأستاذ (ربما) عن شكل العلاقات التي سوف تخلفه الجائحة بين الدول، يبقى هو الحل الثالث والأقل كلفة حاليا على الأقل،
    وهو التمكن من الآليات الكفيلة ان تجنبنا السقوط دون ان تنكسر اضلع الاقتصاد والمجتمع (والدولة إذن) واتقان “تقنية تحويل الضعف الى قوة” وان بعد حين،

    في المنظومة الدولية كما الشأن في المجالات الأخرى، التأخر في الوصول خَيرُ من عدم الوصول، كما يقال، … لكن الى أين ؟، أو نحو ماذا ؟، نعلم أن القاطرة التي تجر العالم وان اختلفنا على موضع وجود رأسها، فهي في النهاية التي تفرض المسار على باقي القاطرات، وهذا موضوع آخر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق