الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | بورجوازيتنا: عمياء.. صماء.. بكماء

التزام مصطفى العلوي مع قرائه مستمر :
يواصل طاقم «الأسبوع الصحفي» النبش في مقالات «الحقيقة الضائعة»، التي تركها مديرنا الراحل قيدوم الصحفيين مصطفى العلوي ولم تنشر من قبل، وحتى يتسنى تقديمها في أفضل حلة، ترجع جريدة «الأسبوع الصحفي» بقرائها إلى أرشيف ركن «الحقيقة الضائعة» في انتظار إعداد مجموعة جديدة أخرى من المقالات لنشرها في هذا الركن.

بقلم: مصطفى العلوي

قال الله تعالى في كتابه العزيز: ((والله فضل بعضكم على بعض في الرزق)) ونحن بحكمه جل وعلا مؤمنون ولقسمته قابلون.

نحن راضون بالقسمة.. قانعون بالنصيب، ففينا الغني والفقير، مثلما فينا القوي والضعيف، والسمين والنحيف.. لكن الله العلي القدير وضع حدودا لكل شيء، وعندما يتعدى الغنى حدود المعقول، ويخرق الخرق، ويصبح بورجوازية لا تراعي زمنا ولا مكانا، يكون ذلك تعديا لحدود الله.

إن في العالم أجمع، شرقه وغربه، يمينه ويساره، أشكال شتى للبورجوازيات: بورجوازية المال، بورجوازية الفكر، بورجوازية الاحتكار.. وكل شكل من أشكال البورجوازية يستند على أساس، وإن كانت بورجوازية المال في عصرنا الحاضر، أسخف البورجوازيات وأدعاها للسرخرية، بل للاحتقار، وأن بالمغرب شكلا آخر من أشكال البورجوازية.. إنها بورجوازية جديدة، فهي إذن دخيلة، وهي بالتالي، مصدرا كبيرا لمتاعبنا ما دامت ليست جزء منا، ولا صلة لها بنا.

ولا بد، ونحن نطرق هذا الباب الضيق المسلك، الحرج المسالك، أن نذكر تلك الأيام السالفات التي سبقت استقلالنا.. حين كان المفروض في الرجل البورجوازي أن يكون أولا وقبل كل شيء، مرضيا عنه من طرف الإقامة العامة.. إن لم يكن عميلا لها.

كانت تلك الطبقة من البورجوازيين محسوبة على رؤوس الأصابع، بل كان يضرب بها المثل في حياة آبائنا وهم في صراعهم مع الحياة.

كان البورجوازي الذي تتوفر فيه الشروط المذكورة، هو الذي يركب البغلة بالسريجة، وله دكانة في باب بيته، وله عرصة في ذلك البيت، وفسيفساء، وخادمة تصلح لكل شيء.. وكان يوم العيد يتصدق على الفقراء ثم يتوجه إلى ضيعته القريبة من المدينة، وعندما يكبر ولده، يبعثه إلى مدرسة أبناء الأعيان أو لمدرسة عسكرية إن كان محط ثقة رئيس الدائرة.

وكان إلى جانب هؤلاء، بعض البورجوازيين القرويين الذين كانوا يسمون بالإقطاعيين، وكانت لهم ثروة فلاحية لا بأس بها بالنسبة للظروف التي كانت تعيشها بلادنا آنذاك.

فما هي البورجوازية اليوم؟

أعتقد أنه من المضيعة لوقتي وللقراء، أن أبحث لهذه البورجوازية عن أوصاف، أو أسطر لها بعض الحدود، وربما كنت على صواب حين وصفتها بأنها بورجوازية جديدة دخيلة علينا.

فأخطر ما في بورجوازيتنا أنها كنبات الحريقة، تعيش في الأوحال وعلى ضفاف سواقي القاذورات، وإن كان مظهرها جذابا وكأنها النعناع، فإنها تلسع كل من يقترب منها، لكنها لا أصل ثابت لها، ولا فرع في السماء..

وأخطر ما في بورجوازيتنا، أنها صماء بكماء عمياء، لا رأي لها ولا تفكير، ولا ارتباط بالأحداث.. فبينما ترى العائلة العريقة الفلانية في إسبانيا أو إنجلترا تعيش معترك الحياة السياسية، وتوجه أبناءها لخدمة الشعب على كل المستويات، تجد بورجوازيتنا تحصر نشاطها في انتقاء الحلي الغالية، وتزويق جدران القصور، واختيار أصهار على المستوى المادي المحترم، والبصبصة لكل ذي كلمة كيفما كان مستواه..

وأخطر ما في بورجوازيتنا، أنها تافهة، إلا من رحم ربك، فعندما تجد أبناء البارونات والأساقفة والكونتيسات وسط الجنود في الثكنات، أو قناصل أو كتاب قنصليات، ترى بورجوازيتنا تبتعد بأبنائها من كل ارتباط بالحياة العامة.. حتى إذا ما دعي ولد فلان أو فلان للخدمة العسكرية، تجد العائلة كلها تبصبص مرة أخرى (بوسائلها الخاصة)، لتدرأ عن ولدها هذا “الخطر الداهم”.. إن ولد بورجوازيتنا لا يصلح إلا أن يكون سفيرا في دولة غير إفريقية، أو مديرا لبنك أو لمعمل على أسوأ تقدير.

ولقد أسفرت هذه الاختيارات البورجوازية، والظروف التي أحاطت بها، عن خلق طبقة معينة لا تربطها بواقعنا صلة.. ولا تتحمل مع المتحملين عيرا، ولا قطميرا..

بل إن هذه الطبقة من الأغنياء الجدد، الذين بنوا القصور العالية دون أن يدرسوا طبيعة الأرض التي يبنون عليها، أصبحت بعد أن تمكنت من المفاتيح الطبيعية للأرزاق، وبحكم الجشع الملازم للغنى تارة وللجهل تارة أخرى، أصبحت تشكل عنصرا سلبيا في حياة شعبنا.. إن لم تكن سلبية بعملها، فإنها سلبية بجمودها.

إن بورجوازيتنا، الموقف بعملها حينما نراها تسند المواقف المائعة، والأمثلة ليست بقليلة:

– ذلك البورجوازي الذي يملك عشرات العمارات، يعتصر أجور مئات المؤجرين.. ماذا يهمه في مخطط يستهدف بناء دور للسكنى عمومية يدفع المؤجرون ثمنها بالأقساط ويصبحوا ملاكين لها؟ وماذا يهمه في برنامج حكومي يستهدف إصدار قرار بتخفيض أثمان الكراء، أو فرض ضرائب تصاعدية على ملاك العمارات؟

طبعا.. إن الذي يهمه، هو أن تبقى دار لقمان عل حالها، وعماراته هي أيضا على حالها.

– وذلك البورجوازي الذي يكسب الملايين من استغلال خطوط للنقل.. ألا يعمل المستحيل من أجل الاستمرار حتى لا تصبح تلك الخطوط محط سمسرة علنية بالمزاد العلني كل سنة؟

– تماما كذلك البورجوازي، الذي يستغل بكل جهده وطاقته مصدرا من مصادر المال الغزير، وبين يديه فرصة التأثير على هيأة سياسية ما.. ويحرص كل الحرص على أن تبقى تلك الهيأة السياسية في وضع يسمح له بالاستمرار في وضعه الخاص.

وإن بورجوازيتنا سلبية الموقف أيضا بجمودها.. لا حركة، ولا ردة فعل، ولا رأي ولا تعبير.. معامل ومصانع وضيعات وعمارات.. لكنه لا يقرأ الصحف ولا يسمع الإذاعة، والسياسيون في نظره مجموعة من الحساد يريدون أن يجردوه من أملاكه.. ولكن أنى لهم! إن صهره فلان؟ وعمه فلان؟ الركائز راسخة، والمسامير مطرقة، ولا يهمه أقامت الدنيا أو قعدت؟ أأكل الجائع.. أو مات المريض؟

وليس من شك، أن الظروف التي اجتزناها وتتحمل نصيبا كبيرا من المسؤولية، أن تلك الظروف هي التي مهدت لتلك البورجوازية أن تزيد في قوتها، ولم تضع الدولة حدودا، وبذلك، لم تضع حدودا للفقر.. وزادت الهوة اتساعا..

وأصبحت الامتيازات لا تعطى إلا لمن له اسم معروف..

وأصبحت رخص الاستيراد وقفا على طبقة معينة..

وأصبحت عضوية المجالس الإدارية من نصيب كمشة معروفة من الناس..

وأصبحنا نرى هنا وهناك رجلا واحدا يدير عشرة معامل، ويرأس أكثر من عشرة مجالس إدارية.. وفوق هذا، يحصل على رخصة لشراء ضيعة من معمر.. وربما حق استغلال خط للنقل، أو امتياز للاستيراد، أو التصدير.

وأصبحت الصفقات تعقد في الصالونات حول موائد “التوتي” أو “البوكير”.

وأقفلت الحلقة، وبقي من فيها يدور في دوامة من الغنى والترف، ومن دونها، وهم ملايين الناس يدورون فيما دون ذلك.. بؤس، وشقاء، متاعب الأولاد، والتزامات الضرائب، وانتظار الأوطوبيس في الصباح الباكر، والاعتماد على أجرة الزوجة أو الولد لإتمام مصاريف الشهر، وليس معنى هذا أن نفقر الغني لنغني الفقير، وإنما معناه أن نفهم معناه..

معناه أن ننظر إلى الغنى كما ننظر إلى الحكم.. وما دامت نظرتنا إلى الحكم كنظرتنا إلى القطار يحمل في كل محطة كل راغب في السفر، فيجب أن يصبح الغنى أيضا كالقطار، يركبه كل فقير راغب في الاستغناء.. ومن استغنى فلينزل، ومن شبع فليقل الحمد لله، لأنه لا محل عندنا لبورجوازية جشعة عمياء صماء بكماء تحتكر بأبشع الوسائل أرزاق ملايين الناس.

إن دور الدولة هنا أساسي وإيجابي، إنه عليها أن تفرض حدودا للغنى، وتفتح حلقة الاستغناء حتى لا تبقى مقفلة على بعض العائلات.. لأن في انعزالية تلك الحلقة، تعريض لها لأخطار لا يعلم كنهها إلا الله.

تعليق واحد

  1. يرحمك الله سي العلوي قيدوم الصحفيين وقديمهم ويرحمنا معك إذا ما صرنا إلى ما صرت إليه. إن توصيفك للبرجوازية المغربية وبشجاعة لا يملكها إلا أمثالك وأترابك، لكنه يبقى مجرد توصيف يعتمد التلميح ولا يتعمق للمدى الذي يسمي الأسماء والأفعال والمسؤوليات الأصل والفرع، وبالتأكيد فأنت يرحمك الله كنت تعرف المثل الشعبي:”فمك ما نزولو لك ورايك ما نديرو لك” ولذلك ستجد من البرجوازيين وأنصارهم وأوليائهم من يقول مثل ما قلت وأكثر ، وسيظل الفقير يزداد فقرا والبرجوازي يزداد تبرجزا ، وكثيرا ما سمعنا وزيرا أو مسؤولا يسمع من يقول اللهم إن هذا منكرا فيسبق هو كذلك للقولك فعلا إنه منكر ومنكر كبير يعني قل ما شئت وهو يفعل ما يشاء واخبط راسك مع الحيط أو اشرب البحر غن استطعت..ا.ا.ا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق