ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | حسابات الجيش الموريتاني تصطدم بحسابات تسليح البوليساريو

في مناورة جديدة تديرها واشنطن وباريس  

أعد الملف: عبد الحميد العوني

كلما تقدمت العلاقات الموريتانية – الخليجية، كلما تراجعت العلاقات بين الرباط ونواكشوط، وحافظ الرئيس الحالي ولد الغزواني على عدم التفكير خارج الصندوق، بعدما تمكن سلفه ولد عبد العزيز من إنتاج ما سماها “شبه منطقة” للساحل، بعيدا عن تنافس الجزائر والمغرب، حيث نقل موضع بلاده من موقع أمريكي متقدم في استراتيجية بوش لدمقرطة المنطقة، بعد انتخاب محمد ولد الشيخ عبد الله إلى المربع الفرنسي الأول للاستخبارات الخارجية الفرنسية، قبل دمجها في وزارة الدفاع.

وانعكس هذا الاندماج بين المخابرات الخارجية الفرنسية ووزارة الدفاع والذي دفعت إليه عملية “بارخان” انطلاقا من مالي وجوارها، على مستقبل نواكشوط، وعلى عملها مع باقي الأجهزة في المنطقة.

تتمة المقال بعد الإعلان

وقرر ولد الغزواني مؤخرا أن يدعم منفذين للعبور التجاري مع المغرب والجزائر، وفي نفس الوقت، فصل تسليح موريتانيا عن الترتيبات الكلاسيكية المتوازنة بين الجارين المتنافسين: الجزائري والمغربي، فتسلم الجيش الموريتاني قدرات إضافية تزيد بـ 250 في المائة عما كان مسموحا به في الواقع الجيوسياسي السابق، المعتمد على التوازنات خارج موريتانيا والتوازنات داخلها، وكلما حدث تقارب نظام ما في نواكشوط مع الجزائر، يعرف المعارض أن الدعم في الرباط موجود، والعكس أيضا.

وشملت هذه الدوامة النظام المتحالف مع واشنطن والذي انقلبت عليه باريس، لكن الفرنسيين أصابهم الضعف بعد دخول جيشهم إلى منطقة الساحل.

وتنفست نواكشوط في خياراتها، لكن “الحياد الإيجابي” تمدد من ملف الصحراء إلى العلاقات الثنائية بين نواكشوط والعاصمة الرباط، وبذلك خسرت موريتانيا أن تكون قاعدة أولى لتحركات المغرب نحو غرب إفريقيا، كما خسرت أن تكون قاعدة انطلاق للجزائر نحو جنوب غرب القارة، ويستمر نظام ولد الغزواني في هذه السياسة التي انعكست بشكل إيجابي على المؤسسة العسكرية وعلى استقرار الحكم، وإن لم تكن للسياسة الحالية فوائد اقتصادية.

وتحاول المملكة المغربية العمل مع ما بعد موريتانيا والوصول إلى جوارها غرب إفريقيا وجنوب الصحراء، مع اعتمادها نقطة عبور في “الكركرات” كأي حديقة خلفية، وهو ما يقلق الفرنسيين، حلفاء الجيش الموريتاني، لأن مكافحة الإرهاب لا تنجح إلا بمشاركة الجيوش، وتقود جيوش الساحل المشهد بدعم من المخابرات الفرنسية، ولن تكون اليوم علاقات “صحية” بين نواكشوط والعاصمة الرباط إلا تحت “تفاهم” فرنسي دقيق، مرن وقادر على إنجاز باقي المهمات.

تتمة المقال بعد الإعلان

———————————————————–

+ بعد تزود المغرب مؤخرا بـ”الأباتشي”.. الجيش الموريتاني يريد حوامات هجومية مثل مالي والجزائر

 

    دعمت العاصمة الرباط قدرتها الجوية بالتزود بالحوامات الهجومية على نسق ما فعلته الجزائر منذ سنوات مضت، ببساطة، لأن المغرب لم يعد يهمه إرسال إشارات إلى حلفائه بخصوص عدم تجدد حرب العصابات في الصحراء، فيما  كان يعتقد سابقا أن الحوامات الهجومية إشارة لتجدد المعارك ضد البوليساريو.

واقتنع الأمريكيون بتوازنات “ميكروـ إقليمية” بين منطقتي الساحل والمغرب العربي، وصار مهما لدى موريتانيا تعزيز قدراتها إلى الحد الذي أصبح فيه غلاف نواديبو، يتطلب، حسب الجيش الموريتاني، ممرا عازلا مع المغرب، أو منطقة عازلة بين البلدين ولو في حدود كيلومترات محدودة.

وكاد المغرب أن يرسم خطوط عسكرية جديدة مع موريتانيا من خلال إدارته لـ”الكركرات” والوصول بالمعبر إلى موريتانيا، ليعود الجميع إلى مرجعية وقف إطلاق النار.

ويتخوف الغرب من تسليم أسلحة لموريتانيا تقع في يد جبهة البوليساريو، وهو ما نبهت إليه المخابرات الإسبانية والبريطانية العاملة في عملية “بارخان”.

ويلح نظام ولد الغزواني على ضرورة:

1) شراء حوامات هجومية، وسكتت وزيرة الدفاع فلورنس بارلي عن الطلب.

2) العمل مع الأمريكيين في حال عدم وفاء باريس بالتزامها حيال حاجة الجيش الموريتاني لهذه الحوامات.

ويعد ولد الغزواني أن إبعاد حق “الفيتو” الغربي عن الترسانة الموريتانية التي ترغب في تسليح يساوي نصف القدرة المغربية من الجدار الدفاعي في حدود 2022.

ولا يناقش الفرنسيون هذه الرغبة وأيضا الخطط التي يعمل عليها ولد الغزواني، لأن جيش موريتانيا، وهو في المرتبة 124 من أصل 136 حسب مؤشر “غلوبال فاير باور” العالمي، لن يكون قادرا على حماية نفسه أمام الجيشين المغربي والجزائري إلا في حدود الأقل من واحد في المائة، لذلك، فالتفكير المباشر، في إدارة طلبات تسليح جديدة، هو حاجة أساسية لولد الغزواني، وبالتالي، فإن صناعة “قدرة ردع” من ثلاثة مراحل انتهت مرحلتها الأولى، لم تصل إلى أهدافها، وحاليا، لا يمكن للجيش الموريتاني أن يستمر في نهج عدم التسليح الاستراتيجي الذي أفقد الموريتانيين قوة الردع، وإن بقيت “قوة المبادرة” واضحة في منطقة الساحل.

من جهة، ليست هناك حوامات هجومية وهناك 7 مروحيات للمهمات الخاصة، تعمل منها فقط 4 مروحيات و6 حوامات ناقلة، من جهة أخرى.

ويظهر واضحا أن:

1) لا هيليكوبتر للتداريب، ولذلك، فإن العمليات، بما فيها نقل الجنود، تكون محدودة وغير حرفية بما يكفي.

2) لا تداريب.

3) لا نقل جيد لعناصر التموين في معركة متوسطة.

4) لا مروحية طبية في حال وقوع جرحى، لذلك، فكل العمليات الحربية بعيدة عن الأداء الذي يطالب ولد الغزواني بـ”إعطائه الأهمية القصوى”، لأن الحزب الحقيقي الذي يحكم حاليا، ليس حزب الرئيس، بل الجيش.

وينسحب هذا الوضع على القوات البرية الموريتانية، فهناك فقط 95 مركبة مدرعة و35 دبابة و224 مدفعا قاذفا، وتنتفي باقي التجهيزات العسكرية البرية.

ونصل، بهذا المستوى الضعيف من التسليح، إلى خلاصتين:

1) من غير الممكن تسليح نواكشوط بما يتجاوز البوليساريو، حتى يبقى الوضع مشتبكا بما يكفي لاندلاع أي حرب، وفشلت البوليساريو سابقا، لأنها توجهت بقواتها إلى العاصمة نواكشوط، وسمح تجاوز هذا الخط الأحمر بقتل زعيم الجبهة الولي مصطفى السيد، وهذا الشرط يجب أن يبقى أمام البوليساريو.

2) قرر الغرب عدم تسليح موريتانيا وإبقاءها في حدود “+75 في المائة” مع سلاح البوليساريو، كي يبقى الوضع هادئا، فمن الصعب تسليح شعب “البيضان” بأسلحة تؤثر على التوازنات بين المغرب والجزائر، لأن الصحراء، في إدارة البلدين المغاربيين: الجزائر والمغرب، بقيت محدودة بتراب الإقليم، ولم تتمكن إدارة القذافي من توسيعها في الحرب الباردة، وبالتالي، سيكون واضحا أمام هذه التطورات التأكيد مرة أخرى على أن “أي إدارة عسكرية لموريتانيا لن تكون قادرة بدورها على توسيع مجال أي حرب محتملة في الصحراء”.

إن تسليح الرئيس ولد الغزواني لجيشه في منافسة جاريه الكبيرين، يحمل رسائل عديدة:

أ) فصل مصير وتسليح الجيش الموريتاني عن مستويات جبهة البوليساريو، وإلحاقه بالجارين الجزائري والمغربي.

ب) ضرورة خلق قوة جديدة للردع.

ت) ضرورة تعزيز القدرة الهجومية للجيش الموريتاني.

وتدعم العاصمة أبوظبي الأهداف المعلنة للجيش الموريتاني، بل تريد تزويده بالسلاح الكافي، وبتقنية تسمح له بالانتصار في المواجهة المفتوحة ضد الإرهاب، لأن الإسلام الجهادي، إن ضعف في الغرب الإسلامي وغرب إفريقيا، يكون بلا جناح أو أجنحة في الشرق الأوسط.

ويختلف تقييم الفرنسيين والمغاربة لهذا المستوى من التسليح المطلوب للجيش الموريتاني، ولذلك، فإن اعتبر المغرب البوليساريو “إرهابية”، فإنه يسمح للجيش الموريتاني بتسليح رادع وهجومي ضد الجبهة قد يحوله إلى جيش مهني، ولاعتبارات جيوسياسية، سيكون الجيش الأول في منطقة الساحل، وهو ما سيؤثر على التوازنات الدائمة في قضية الصحراء.

والذي يعتقد بأن الغرب ـ أمريكا وفرنسا تحديدا ـ غير متحكمتين في خيوط الملف عسكريا وسياسيا، فإنه لا يدرك الجزء المهم من الاستراتيجية الجارية حاليا.

ولا يمكن السماح لموريتانيا بملء الفجوة الموجودة، وهي إلى الآن:

ـ تتجاوز القدرات العسكرية للبوليساريو بـ 75 في المائة فقط.

ـ تنخفض أمام قدرات المغرب والجزائر بـ 93 في المائة.

ـ بدون فرقاطة وأي تجهيز بحري إلا من 5 زوارق، هي كل البحرية الموريتانية.

والقبول بهذا الوضع، فيه إجحاف، حسب الرئيس ولد الغزواني، الذي لا يجد حليفا في المغرب أو الجزائر من أجل دعم تسليح جيش الدول الصغيرة.

وتسعى نواكشوط لاتباع سياسة تونس على مستوى التسليح، ويفكر الأمريكيون جديا في تسليح تونس وموريتانيا، وقد سعى القذافي، في إدارته لليبيا، إلى خلق قوة عسكرية موازنة للمغرب والجزائر، رافضا اعتبار بلاده من الدول الصغيرة.

لكن الخطير في الاستراتيجية الجديدة، التي تعتمدها “السي. آي. إي”، متمثل في:

1) التخلي عن مذهبها القائل بأن قوة موريتانيا ستعيد حل تقسيم الصحراء إلى الطاولة، والتحول الجاري يؤكد أن قوة الجيوش الصغيرة في تونس وموريتانيا ومستقبلا في ليبيا، ستضمن محاصرة المغرب والجزائر في حدودهما، وستمكن المنطقة من الوصول إلى حلول.

ولذلك، فإن تسليح الجيش الموريتاني بين 50 و65 في المائة من قدرات الجيش المغربي (وهذا أمر يصعب تحقيقه على أرض الواقع)، أو ما يساوي ترسانة المملكة في الصحراء، هو سيناريو أمريكي، ومسكوت عنه من طرف الفرنسيين، وبالتالي، فإن القدرة الاستراتيجية لموريتانيا ستتحسن وستؤثر على الحل في الصحراء، لأن موريتانيا إلى جانب الجزائر معترفتان بالبوليساريو.

وبالتالي، فإن الجيش الموريتاني هو رسم مباشر للحل في الصحراء، على الأقل، حسب تقييم لاستخبارات البنتاغون، التي تريد استمرار فرنسا إلى جانب الأمريكيين في فصل نواكشوط عسكريا عن المغرب العربي، والنظر إلى الموريتانيين كشعب من شعوب منطقة الساحل في مرحلة حساسة لا يجب أن يكون لبلد انفراد في أقصى المغرب الكبير، إذ يتواجد فيه بعثيون وناصريون، وهو ما يعزز من هويته العربية مرة أخرى.

ويجب، في هذه الحالة، العمل على دعم الجيش الموريتاني من أجل تسليحه بما يكفي كـ”جيش إقليمي” وليس جيشا يهتم بقيادة بلاده كحزب مسلح.

ويذهب الغرب بعيدا في ضرورة “الخروج من النمطية المتواصلة في نواكشوط” إلى حد يرى فيه الفرنسيون أن لا “فيتو” مغربي على تطوير الجيش الموريتاني، وأن المسألة تتعلق بمحاولة “تأطير” الخانة الاستراتيجية قبل البدء في التنفيذ.

وعلى هذا الأساس، ستكون الخارطة الجديدة لموريتانيا مرتكزة على بناء قوة هجومية أساسا.

2) التخلي عن مقولة: “الجيش الموريتاني بيضاني”، لأن عمله في منطقة الساحل جعله أكثر إفريقية، وبذلك، تنفصل حاليا استراتيجية الجيش الموريتاني عن البوليساريو، ولن يكون لقاؤهما استراتيجيا أو مستقبليا.

إن إدماج موريتانيا في منطقة الساحل، تكتيك غربي يعزز دوره في وجه من وجوه المقاربة العسكرية التي تفضل المغرب عن موريتانيا.

وإذ لا علاقة عسكرية قوية بين الجيشين المغربي والموريتاني، عكس ما كان عليه الأمر في ظروف سابقة، فإن هناك ترتيبات أخرى تعتمد على:

1) المقاربة الاقتصادية، التي تتقدم بموجبها علاقات جميع دول الجوار الموريتاني مع المغرب.

2) الشراكة، وقد أوضح أكثر من مسؤول مغربي، أهمية العلاقات بين البلدين، ولا يذكر أحد الجانب العسكري بين نواكشوط والرباط، للحساسية المفرطة التي زرعها ولد عبد العزيز ومن بعده ولد الغزواني، عكس تحركات الجيش المغربي شمال موريتانيا في عهد الرئيس الأسبق ولد الطايع.

وزاد معدل عدم الثقة بين الجانبين، بإكمال المغرب لترسيم حدوده البحرية(1) بضم مياه الصحراء، وبالتالي، فإن طلب الجيش الموريتاني لمزيد من التسليح، ناتج عن هذه الظرفية أساسا.

وتبعا لذلك، فإن ما يحدث حاليا، يذهب أبعد لاستجابة الغرب لتزويد البحرية الموريتانية بما تحتاجه للحفاظ على الوضع القائم، خصوصا وأن مشكلة “الكركرات” و”نواديبو” ثم “الحزام البحري”، انتهت مع استراتيجية المملكة بضم كامل مياه الصحراء وترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة التي تشمل جزر الكناري، وبالتالي، فإن قدرة الوصول إلى الأهداف، تشمل الرؤية الترابية لكل نزاع محتمل، وسيعتمد، كما لاحظنا في أزمة “الكركرات”، على تحالف الجيش الموريتاني والبوليساريو، وهو سيناريو محتمل، لأن الدفاع عن المنطقة العازلة، طبقا لاتفاق وقف إطلاق النار لعام 1991، كان من عقيدة قتالية واحدة.

ولد الغزواني يطلب من أمريكا تسليحا ينافس الجارين الجزائري والمغربي

+ العلاقة الموريتانية ـ المغربية يديرها عسكريون دائما، ولن ينجح دبلوماسيون واستخباراتيون في ربح رهانها

    من واقع المخابرات العسكرية الموريتانية التي لم تسمح لولد الغزواني، عندما قرر ولد عبد العزيز إعادة هيكلتها، وعارضت قيادة الأركان ذلك أيضا، وفي هذا الظرف، وجدنا اقتراحا تقدمه فرنسا، يضم أمرين:

ـ إعادة هيكلة الاستخبارات العسكرية بمساعدة ألمانية.

ـ دعم باريس لجسم استخباري في دول الساحل يعزل التأثير المغربي، ومن ثم الجزائري على موريتانيا، فتركز نواكشوط حاليا على جنوبها ولا تنظر إلى شمالها المغاربي.

ولم يدخل المغرب في إدارة أي تأثير على المؤسسات الحساسة في موريتانيا، ولذلك، فمسألة تسليح الجيش الموريتاني لا تثير جدلا، ومسألة وجود “فيتو” مغربي أو فرنسي لدعم المملكة ليس دقيقا، وإن نقل في وسائل إعلام عديدة، وأوضحت دوائر القرار ترتيبات عسكرية تبدأ من:

1) تواجد فرنسي يعوض المغربي في شمال موريتانيا، زمن الرئيس الموريتاني الأسبق ولد الطايع، وهو ما سبب في الانقلاب عليه لحظة وجوده في زيارة للسعودية، مما يؤكد أن التقارب الشديد مع الخليجيين، يسبب دائما في رد فعل عسكري من طرف الفئات المجندة على أي خطوة ترغب في تحويل موريتانيا إلى توريث.

واستوعب ولد عبد العزيز ذلك، فلم يتقدم للرئاسيات، وترك مقعده لولد الغزواني، لأن خيار الانقلاب كان واردا في حال كسر أي رئيس موريتاني الدستور لتمديد ولايته، وفعلا، عدل الرئيس السابق الدستور ولم يمدد ولايته الرئاسية.

إنه وعي شديد لوضع المخابرات العسكرية الموريتانية، وقد أطلقت على الرئيس السابق النار في حادثة معروفة، ولم ينجح بعدها ولد عبد العزيز في تسليح جيد لقوات الحرس الرئاسي، كما أن القوات العسكرية الموريتانية لم تتمكن من النجاح في معركة التسليح أيضا.

2) حماية الرؤساء والقادة الموريتانيين، فبناء منظومة مستقلة ووطنية تحميهم، سيؤثر بشكل واسع على فرنسا، ومن اللافت أن موريتانيا، بعد انقلاب ولد عبد العزيز، حولت الدفة إلى فرنسا بشكل كامل، ولم تتمكن الولايات المتحدة من العمل إلا بنسبة 25 في المائة مما كانت عليه قبل استيلاء ولد عبد العزيز على الحكم.

لقد تراجعت استخبارات البنتاغون في نواكشوط، وبالتالي، فإن العمل الاستخباري لموريتانيا تقلص في البلدين الجارين، ولم يعد للمخابرات الموريتانية دور، ليصنع الفرنسيون قدرة جديدة لها في منطقة الساحل، ولهذا السبب، لم يكن مطلب تسليح الجيش الموريتاني مهما بالنسبة لأجهزة الاستخبارات الأمريكية، لأن الحوار الاستراتيجي الأمريكي مع المغرب والجزائر، أنهى دورا أرادته “السي. آي. إي” مختبرا لكل المنطقة، بتعبير “الواشنطن بوست”، قبل أن تعود الأمور إلى هندسة “إكس ليبان” مع المغرب، وباقي الاتفاقيات المثيلة مع تونس والجزائر.

وانتهى شرط تسقيف التسليح الأمريكي للجيش الموريتاني واستضافة قيادة “أفريكوم” التي دفعت العاصمة دكار إلى فتح مقر للقوات الأمريكية العاملة في القارة السمراء، لتقرر العاصمة الرباط تعزيز مناورات “الأسد الإفريقي” ودعوة موريتانيا للمشاركة فيها قبل أن تقرر الدوائر الغربية، والفرنسية منها تحديدا، استعمال “فيتو” على أي تسليح نوعي للجيش الموريتاني.

وكان محتملا، حسب هذا التحليل، تصعيد أزمة “الكركرات” إلى حرب، ولولا الأداء الفرنسي ومختلف الضغوط المجاورة، لأصبحت الأمور أسوأ.

وخططت إدارة بوش الابن لنقل القوات البرية الموريتانية إلى مصاف القوات المختارة لعمليات واسعة أو خاصة في إفريقيا، وليس منطقة الساحل فقط، لكن فرنسا جمدت كل الرهانات على الجيش الموريتاني ناقلة مربع العمليات إلى منطقة الساحل حصرا، وداخل حدوده، لأنه يشغل مؤسسة الرئاسة، ولا يفضل في هذه المرحلة أن يكون “حرفيا ومهنيا”.

ويمكن إجمال رهاناته على:

1) مواصلة شغل مؤسسة الرئاسة.

2) العمل على مهام شرطية (من الشرطة)، لأن “العقيدة الدفاعية لموريتانيا مؤسسة على المزيد من فرض الأمن إلى جانب باقي حاملي السلاح”.

3) حماية الحدود في شمال موريتانيا بطريقة أحادية الجانب، عكس ما كان عليه الأمر سابقا، وقد كانت خطوة “كتاب أبيض” لعمل الجيش الموريتاني، كما حددها الفرنسيون لنواكشوط، فريدة، لاعتبارهم أن أمن نواديبو هو الأمن الممتد إلى مدينة الداخلة.

وردت الرباط بقوة رافضة تقسيم الصحراء، ومن ثم تقسيم المجال الحيوي للداخلة والعمل على شراكة تدبير تجمع الموريتانيين والمغاربة في المناطق الحدودية التي لم ولن يتم ترسيمها.

4) محاولة التموقع المحافظ للجيش الموريتاني إلى جانب الزعامات الخليجية، في إفريقيا.

ومن الصعب التموقع في خطوط الأمن الخليجي في القارة السمراء في مقابل الخطة المغربية في شراكة رابح ـ رابح، وهذه المنافسة مؤثرة على علاقات المثلث: الخليج العربي ـ موريتانيا ـ المغرب.

وتأجيل تسوية الخارطة الجيوسياسية لموريتانيا بين منطقة الساحل والمغرب العربي أو ممارسة المزيد من الغموض الاستراتيجي بين الموقعين، سيدفع إلى تعزيز “الفيتو” على تسليح الجيش الموريتاني من ثلاث زوايا: القدرات العسكرية الضرورية، والدفاع عن تراب ومياه موريتانيا، وثالثا، تحديد المصالح الحيوية والالتزامات الدولية لبلد يدعى إلى وقت قريب ببلاد شنقيط.

ولا تخلو الخطط من التسليح ثم المواكبة الجهوية والإقليمية، التي تعمل عليها فرنسا انطلاقا من الساحل ومن مذهب جيوسياسي يفيد أن لموريتانيا مجالها الحيوي الذي لا يمكن المساس به.

5) إن كان الغرب مدينا للجيوش بـ”اقتصاد الدفاع”، فإن الجيش الموريتاني يضمن إدارة “سياسة الدفاع من مؤسسة الرئاسة” بدءا من مؤسسة الرئاسة، وبالتالي، فإن الجيش هو الدولة في مستوى التمثيل(2)، وهي مشكلة عند الأنجلوسكسونيين(3)، و”لا تزال كل الجيوش المستعمرة من طرف فرنسا، مجرد نماذج تقليدية للإدارة الفرنسية” كما يقول إيتبلورغ في دراسته الصادرة في عام 1989، ويبقى ما أحدثه الرئيس الأمريكي ترومان وإدارته عام 1948، بخصوص “المسألة العرقية”، مهمة بالنسبة للجيش الأمريكي ولكل جيش غربي، ويلاحظ الفرنسيون أن هذه المسألة بين السود و”البيضان” معقدة في داخل الجيش الموريتاني وخارجه، وقد تكون مدعاة لحرب أهلية مؤجلة.

وهذه الحجج لا يقبلها الوطنيون الموريتانيون في رفع “الفيتو” من مصدره، كي تتسلح نواكشوط بما يكفي.

ولا تزال علاقة الالتباس الحادثة بين قيادة الدولة وقيادة الجيوش، واحدة في باقي دول المغرب العربي، فالجزائر والمغرب وزير الدفاع فيهما هو رئيس الدولة، وبالتالي، فإن تعقيدات المشهد تفيد أمرين: عجز مؤسسات الرئاسة عن تسليح جيوش المنطقة بما يكفي، و”عدم التفاهم الإقليمي بين الدول المغاربية يعقد مسألة السلاح، لأن تأمينه من عدم السقوط في يد البوليساريو، يبدأ من انتصار الجيش الموريتاني على الجماعات الإرهابية في الساحل”.

+ رهانات الجيش الموريتاني

    إن اختزال كل رهانات الجيش الموريتاني بأمن منطقة الساحل وضد الجماعات الإرهابية أو الجهاديين، بتعبير قناة ألمانية(4)، يكاد يجعل حرب العصابات هي وحدها التي يعمل عليها الجيش الموريتاني، وبالتالي، فإن الحرب النظامية بعيدة عن تدريباته وعن أهدافه أيضا، وبالتالي، فإن حصر موريتانيا في هذا النوع من الحرب، يمنع أي اشتباك استراتيجي مع جيشي المغرب والجزائر، وقد تحول الجيش الموريتاني بجانب جيوش الساحل، إلى نفس المستوى والقالب، فما صنعته فرنسا في موريتانيا يختلف جذريا عما تعمل عليه في تونس والجزائر والمغرب.

إن بناء جيش مهني وسقف تسليحي عال في موريتانيا، يؤسس لمعنى جيوسياسي جديد في المنطقة، وقد اقتنع الأمريكيون بهذه الخطوة، فيما باريس تريد نواكشوط في نفس القفص، انطلاقا من عدم النظر إلى توازنات شمال موريتانيا، المتمثل أساسا في المغرب والجزائر.

اليوم، هناك جيش في موريتانيا لا يمكن لأي حرب عصابات أن تهزمه، كما حدث في السابق، على الأقل في نظر الفرنسيين، ولكنه غير مؤهل لخوض معركة الدفاع عن شعبه في مواجهة جاريه الشماليين.

إن ما يحدث من “تعديل الرهانات” في قيادة الجيش الموريتاني لعقيدته الإقليمية، يفيد:

1) أن محاولة القول بوجود “فيتو” مغربي على تسليح الجيش الموريتاني، مناورة فرنسية لجعل هذا الجيش ضمن أقزام “الساحل” مع فصل كامل لنواكشوط عسكريا وجيوسياسيا عن المغرب العربي، على صعيد القدرات والاستراتيجيات، لتستفيد الأجهزة المغربية التي تقول بشكل واضح: إن المزيد من “أفرقة” موريتانيا جزء من الخطة المتوافق عليها على الصعيد الأوروبي والأمريكي على حد سواء.

2) أن التسليح الأمريكي للجيش الموريتاني، من جهة أخرى، سيعقد الأجواء، ويدفع الأمور إلى الحافة، رغم الحسم الذي تمتع به المغرب تجاه شركائه في تسقيف الحل في قضية الصحراء، ورفع تسليح الجيش الموريتاني وإمكانية وصول سلاحه إلى البوليساريو، جزء من سيناريو محتمل.

3) أن المغرب، من جهته، يريد جارا قويا يحاصر تحركات البوليساريو التي جعلت في وقت سابق موريتانيا ميدان مناورة عسكرية في حرب 1975 – 1991.

4) أن الجزائر راغبة في تصليب وتعزيز الموقف الموريتاني المعترف بالبوليساريو كدولة، خصوصا عبر مؤسستها العسكرية الحاكمة، كي تكون سندا لها في حسم الصراع مع المملكة، لأن الحياد الإيجابي لنواكشوط يخدم المغرب في حالة الضعف الموريتاني، ويخدم الجزائر في حالة القوة، غير أن هذه المعادلة المتداولة لا تعطي حسابات واضحة، وقد تكرس من جهة أخرى رؤية غربية متمثلة:

أ) في تجاوز الاشتباكين البحريين مع السنغال والمغرب، ولن تستطع نواكشوط أن تتحرك ضد قرار ترسيم المغرب لحدوده البحرية في حالة الاشتباك مع دكار،

ولذلك طالب الموريتانيون الصين بتأهيل بحريتهم العسكرية، وافقت عليها بكين بعد تعهدات موريتانية تشمل أكثر من نقطة.

وتبعا لذلك، فإن تسليح البحرية الموريتانية، عاد “ضرورة استراتيجية” أمريكية، بشرط ألا تؤهل الصين هذه البحرية، كشرط لموافقة واشنطن على البدء في هذه الخطوة “الرئيسية”.

ب) في تجاوز الاشتباكات البرية حول المعابر التجارية بين موريتانيا والمغرب والجزائر، وبالتالي، فقدرة موريتانيا البحرية والعسكرية ستخدم “تأمين المعابر”، عكس الفكرة الكلاسيكية الخاصة بإضعاف موريتانيا.

ج) في تجاوز الاشتباك الجوي الذي يعطي مساحة ومناورة كبيرة فوق إقليم الصحراء لصالح المغرب، وسيكون تجديد أسطول موريتانيا العسكري للقوات الجوية دفاعا عن الخارطة الحالية(5).

وتبعا للتقديرات العسكرية، فإن موريتانيا دخلت في التهييء لاتفاقية عسكرية مع المغرب من خلال لجنة مشتركة في يناير الماضي(6)، وبعدها في فبراير انطلق التعاون الأمني(7).

وهاتان الإشارتان تؤكدان:

1) أن المغرب لا يمانع من العودة إلى تعاون الجيشين المغربي والموريتاني على قدم المساواة، وغلبت الرباط، في زيارة قائد أركان الجيوش الموريتانية، بناء سياسة عسكرية متفائلة بين المغرب وموريتانيا، ولم تركز على قضية التسليح التي يشعلها الغرب في هذه المرحلة الصعبة.

واستقبل عبد اللطيف لوديي قائد الأركان الموريتاني، لنقاش التحديات الأمنية التي يعمل عليها البلدان في مجموعة “5+5″، ومن خلال باقي الأجهزة الأمنية، حضر رؤساء مكاتب أركان القوات المغربية، وأيضا البحرية المغربية، من أجل التفكير في بناء تعاون عسكري لا يصل إلى التداريب المتقدمة والمناورات المشتركة أو العمل على الصيانة وباقي القطاعات الحساسة ذات الصلة.

ويرى المغرب أن مشكلة تسليح الجيش في موريتانيا، شأن سيادي، وبالتالي، تتطور القدرة العسكرية والأمنية للجار الجنوبي، وهو أمر مطلوب لمواجهة التحديات المستفحلة.

ويركز المغرب على “التحدي الأمني” للإرهاب شمال موريتانيا وليس جنوبها أو شرقها، للوصول إلى اتفاق بخصوص معبر “الكركرات”، من أجل المراقبة الموريتانية والمغربية على المنطقة العازلة التي بينهما.

ولا يرغب الموريتانيون في هذه الخطوة المنفردة مع المغرب، لأن مشكلة الكويرة وخليج نواديبو، تخرج إلى السطح في كل مرة تريد نواكشوط والرباط تطبيع العلاقات الثنائية في جانبها الأمني والعسكري.

وانتهى الأمر فعلا، بعد زيارة قائد الأركان الموريتاني للمغرب، إلى فصل الأمني عن العسكري من أجل تسوية المشاكل العسكرية كمشاكل أمنية، بعيدا عن المشاكل المثيرة للسيادة.

وبالعمل الميداني والتفاوض العسكري عن المؤسسة الأمنية في العلاقات الموريتانية ـ المغربية، نلاحظ ما يلي:

1) أن المغرب يريد عزل مشكل “الكركرات” ومن ثم الكويرة عن الترتيبات العسكرية مع موريتانيا لمواجهة التحديات الأمنية للحدود، بشكل فني وبراغماتي.

2) أن عدم تبعية الأمني بثقله الاستخباري في شخص الحموشي، الذي يجمع إدارة الشرطة والمخابرات الداخلية، للعمل العسكري، شيء مختلف في المغرب.

وتبعا لهذه التقديرات المغربية، ستكون:

أ) العلاقة الأمنية “براغماتية” وتخدم الاستراتيجية العسكرية، وتعمل كل مكاتب الجيش المغربي على موريتانيا كما لاحظ الجميع ذلك في استقبال لوديي ورؤساء كل مكاتب الجيش المغربي رئيس الأركان الموريتاني في الرباط، أي أن قضية موريتانيا مركزية ومهمة جدا، لذلك، فلا تغيير جذري في المقاربة المغربية، عما سبق.

ب) تطوير وتحديث الترسانة الموريتانية، سيكون مؤثرا على الأمن الإقليمي، وحاليا، يقبل الأمريكيون بهذه الخطوة، لتحريك الجمود الحاصل في مسلسل السلام في الصحراء، وقد اختار الفرنسيون بشكل واضح أن يكون الجيش الموريتاني مع جيوش دول الساحل في ترتيبات واحدة.

هوامش :

  • Le torchon brule –t-il entre le Maroc et la Mauritanie suite cette sortie d’un ministre marocain? sputnik, 15/2/2019.
  • La représentativité des armées et des enjeux, Bernard boëne, l’année sociologique vol 61, p: 351.
  • Charles morkos en citant une repartie célèbre de goucho Marx.
  • L’armée mauritanienne considérée comme un gage de sécurité, DW. 10/7/2018.
  • La renaissance de l’armée se sable; succès et défis des forces armées mauritaniens: areion 24 news (sur net).
  • Maroc – Mauritanie, la commission militaire mixte tient sa première réunion, les éco.ma (29/1/2020).
  • Maroc – Mauritanie, la coopération sécuritaire, l’autre volet de réchauffement des relations bilatérales, le 360. 2/2/2020.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق