الـــــــــــرأي

الرأي | وباء “كورونا” ابتلاء أم غضب من السماء

بقلم: الحسين الدراجي

    خلق الله الإنس والجن ليعبدوه، وحين فضل بني آدم على الملائكة احتجوا على هذا التفضيل وقالوا للحق سبحانه وتعالى: ((أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء..))، ويبدو من خلال ما نعيشه اليوم، أن الملائكة كانوا على حق، لأن الإنسان أخذ يقضي على البيئة التي يعيش فيها بإكثار المعامل والمصانع التي تنفث سمومها في الهواء ليل نهار، كما أنه يحطم الطبيعة ويقضي على نفسه بنفسه من خلال اختراعاته وسباقه من أجل التسلح النووي، نذكر من هذه الكوارث، هيروشيما وشرنبيل وكوشياما التي أصبحت مدينة مهجورة، لأن أثار التلوث الذي أصابها لا زال يهدد حياة بني آدم، بل حتى الماء الشروب لم يسلم من هذه الكارثة.

الوباء الذي نعاني منه أصاب العالم أجمع، وعلى حين غرة، ففاجأ الجميع وحير أكبر وأشهر المختصين في الأمراض الوبائية، فعدد المصابين بهذا الفيروس ناهز العشرة ملايين والموتى نصف المليون.

ومما زاد من حيرة المواطنين، أن أحد الاختصاصين قال حينما سئل عن الوضع الوبائي في المغرب: “إنه طبيعي ولكنه غير عادي”، وهذه النظرة المتناقضة والتحليل الفضفاض، زاد الطين بلة، لأن القوة والسرعة التي ينتشر بها هذا الوباء، تجعلنا نتساءل: هل هذا الوباء ظاهرة تعبر عن غضب السماء لأن الإنسان طغى في الأرض وتعدى حدود الفحشاء والمنكر؟

لذلك جاء عقاب الله شاملا، أصاب البشرية جمعاء، ويكفي أن نلاحظ تدني وانعدام الأخلاق الإنسانية في بعض البلدان لنتيقن أن السلوكات المنحرفة التي ابتلى بها الإنسان تبرر هذا الغضب، بل إن بعض الدول أصبحت بسبب التخمة في الحرية التي تنعم بها، تشجع على سن قوانين تبيح زواج الذكر بالذكر كما زواج المرأة بالمرأة، وهذا منكر وذنب لا يغتفر.

أما مظاهر الإجرام، فقد سيطرت على غرائز الإنسان، فعمليات الاغتصاب والتجني على المرأة أصبحت لا تعد ولا تحصى، ولولا رحمة الله بعباده لأذهبنا وأتى بأقوام أخرى كعاد وتمود، وقوم لوط، ونوح، وقد سبق لله أن نبهنا في أكثر من آية قرآنية إلى أنه يستطيع أن يهلك أمة كاملة في قوله تعالى: ((إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا))، وبما أنه رحمن رحيم وليس بظلام للعبيد، فإن الله تعالى يخفف من هذه العقوبة في قوله: ((وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون)). ولنعد إلى تحليل أثار وباء “كورونا” على مجتمعنا، ونتحدث بشيء من الصراحة لنرى مدى معاناة مختلف الشرائح الاجتماعية، ولنبدأ بالطبقة الميسورة التي يسكن أهلها المنازل الفاخرة والقصور والسرايا، حيث ابتليت الطبقة البورجوازية بما ورثته من البورجوازية الأوروبية، إذ ينام كل فرد في بيت نوم خاص به حيث تتوفر ظروف التباعد المطلوب من أجل الحفاظ على السلامة، ويستيقظ الغني فيتوجه إلى قاعة الأكل الفسيحة، ثم يخرج إلى الحديقة ليتنفس الهواء النقي ويستمتع بالغطس في المسبح الخاص به، بل إن بعضهم استغل فضاء سكناه وأحدث ملعبا لكرة المضرب، وأظن، بعد هذا الوصف للإقامة السكنية للمترفين، أنه ليس لوباء “كورونا” حظوظ لاكتساحها.

ونأتي الآن إلى الطبقة المتوسطة التي تسكن شققا لا تتوفر على العدد الكافي من غرف النوم، إذ يتكدس الأطفال ويتخذون من الصالون غرفة للنوم، فينعدم شرط التباعد المطلوب، والطامة الكبرى هي التي تتجلى في المساحة الضيقة التي تشكل سكنا للعائلات في الأحياء العشوائية، فهي أشبه بعلبة السردين من سكن إنساني، حيث تنعدم فيه جميع شروط الحياة الكريمة، ورغم أن الله فضل بعضنا على بعض في الرزق، فهو يأمرنا بالتكافل والتظافر والتآخي لما كان الفرق شاسعا بين الغني والفقير، كما عبر عن ذلك الكاتب المصري لطفي المنفلوطي: “لو أعطى الغني الفقير ما فضل عنه من الطعام، ما اشتكى أحدهما سقما ولا ألما”، والمجتمع الإسلامي الذي فرض عليه الله الزكاة وقال سبحانه وتعالى: ((وفي أموالهم حق للسائل والمحروم))، لا يمكن أن يعاني من ظاهرة الفقر والعوز لو أن الميسورين منه احترموا هذا الركن الأساسي من قواعد الإسلام، لكن من الأسف الشديد، ينطبق علينا المثل الشعبي الذي يقول: “شبعان ما درى بجيعان”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق