المنبر الحر

المنبر الحر | رقي الأمم يقاس برقي قضائها (الجزء1)

بقلم: عبد الرحيم بن سلامة

    إن رقي الأمة يقاس برقي قضائها، وهذا واضح لدى الشعوب المستضعفة، حيث القوي فيها يغلب الضعيف، لا سيادة ولا غلبة فيها إلا للقوة، وكلما تطورت الأمة في مدارج الرقي والحضارة، كلما أصبحت فكرة الحق والعدل لديها سائدة، وكلمة القانون هي العليا، والمجتمع الذي لا يكون الفرد فيه مطمئنا على مقومات حياته في ظل القانون ولا يمكن أن يكون متحضرا مهما بلغت لديه وسائل الكسب المادي، فالحضارة وليدة الاطمئنان والاستقرار القائمين على العدل، ولا عدل بدون قضاء.

في هذا العصر، نجد سيادة القضاء وقداسته تسير جنبا إلى جنب مع تقدم الحضارة وازدهارها، فحينما تزدهر وتتقدم، يقدس القضاء ويحترم، والأمثلة على ذلك كثيرة في الدول المتقدمة حضاريا.

والتاريخ العربي الإسلامي حافل بالعديد من الشهادات على العدالة التي كانت تبسط سلطانها على الكبير والصغير على حد سواء، وينفذ حكمها على الخلفاء والأمراء، والولاة، الذين تأصلت الفكرة في نفوسهم، وكانت هذه العدالة تأتي على لسان قضاة كان لهم المركز الأسمى في نظام الخلافة الإسلامية.

والقصة الآتية تعتبر أروع مثال في تاريخ الحضارة الإنسانية حتى الآن: إن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة، جاء وفد من أهالي سمرقند يشتكون بأن بلادهم دخلها القائد قتيبة مع جيشه قبل أن يوجه لهم إنذارا حسب قواعد الحرب في الإسلام، فكتب عمر إلى عامله في العراق، أن ينصب لهم قاضيا خاصا، وهو أشبه بالمحاكم الاستثنائية في عصرنا هذا، فنصب لهم القاضي جُمَيْع بن حاضر الباجي، فسمع شكواهم وحاكمهم مع القائد قتيبة على قدم المساواة، فحكم بخروج المسلمين من سمرقند وأن يعود أهلها إلى حصونهم، وأمر قتيبة بأن يوجه إليهم إنذارا من جديد، ثم يحاربهم إن أبوا دخول قتيبة وجنوده إلى سمرقند، وذلك عملا بأصول الحرب في الإسلام.

فليس في العالم كله، قديمه وحديثه، عدل مثل هذا العدل المجرد عن أي هوى، لقد خضع القائد العظيم قتيبة وجيشه الذي فتح الأسيوية وأخضع ملوك الصين، أقول خضع لحكم قاضي، وهم المسلمون بالانسحاب من سمرقند. هذه القصة وردت في كتاب “فتوح البلدان” للبلاذري، صفحة 428، وهي تدل على مدى روح العدالة والحق لدى أولئك الحكام الصالحين، وأن الخضوع لأحكام القضاء لا يقتصر على العلاقات الدولية أيضا، كما تؤكد ذلك قصة الخليفة عمر بن عبد العزيز مع القائد العظيم قتيبة.

ونعزز هذا البحث بمقولة رئيس وزراء بريطانيا تشرشل، الذي سأل عن أحوال بلاده بعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها، فقيل له بأن الفساد قد ظهر في الجهاز الإداري والسياسي في بريطانيا، فسأل: والجهاز القضائي؟ قالوا له: إنه جيد جدا، فقال: لا خوف على بريطانيا ما دام قضاؤها جيدا.

نعم، لا خوف على أمة تسود فيها كلمة القانون ويسود بين أفرادها العدل، وينعدم في قضائها الحيف والرشوة والارتشاء، فرقي الأمم وتقدمها يقاس برقي قضائها وقديما قيل “العدل أساس الملك”.

يتبع

تعليق واحد

  1. حقيقة يعيشها المغلربة ..ولكل فرد منهم قصته والتي عوض ان يؤخد حقه ،يفقده ..لااسف الشديد ….وحتى القانون المغربي خليط من ……. لا بفقهه الا القضاة النغاربة ويجدون مخرج ،مخرج لصالحهم طبعا و الطرف الراغب في الانتصار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق