الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | الملك يفكر في العمر.. لا في العرش

يوليوز.. ذكرى انقلاب الصخيرات 

التزام مصطفى العلوي مع قرائه مستمر :
يواصل طاقم «الأسبوع الصحفي» النبش في مقالات «الحقيقة الضائعة»، التي تركها مديرنا الراحل قيدوم الصحفيين مصطفى العلوي ولم تنشر من قبل، وحتى يتسنى تقديمها في أفضل حلة، ترجع جريدة «الأسبوع الصحفي» بقرائها إلى أرشيف ركن «الحقيقة الضائعة» في انتظار إعداد مجموعة جديدة أخرى من المقالات لنشرها في هذا الركن.

بقلم: مصطفى العلوي

كل ما كتب عن أحداث الصخيرات، 10 يوليوز 1971، وهجوم طلبة المدرسة العسكرية باهرمومو، وحصول المجزرة التي فضل أقطاب المغرب دفنها ودفن تفاصيلها مع مئات ضحاياها، لأنها مزعجة لمن حضرها، ومخيفة لمن لم يمت فيها، فكل ما كتب عنها، إما ممن حضروا من المحظيين الذين يحافظون على مكانتهم في جنة الرضى الملكي، فنقلوا كل ما لا يزعج الملك، ولا يثير في أعماقه تلك الذكريات الصعبة، واللحظات التي لم يبق فيها يفكر في العرش، وإنما في العمر.

كما أصدر بعض منفذي عملية الصخيرات، بعد أن قضى الأحياء منهم سنوات في معتقل تازمامرت، وبعد موت الحسن الثاني، وتسلم ولده محمد السادس للملك، أطلق سراحهم.. وتعويض بعضهم ماديا بمئات الملايين، وغضب الآخرون فكتبوا ذكرياتهم في الحبس المهين، بينما لمحوا في الصفحات الأولى من كتبهم، إلى الهجوم الذي نظموه… وهم يكادوا يتبرؤون من المسؤوليات الكبرى، والحالات الدموية التي شاركوا فيها مساهمين هم أيضا في إقبار الحقيقة حول هذه المجزرة.

ولكن الإشكالية الكبرى، تنطلق من عهد الحسن الثاني، بعد انقلاب الصخيرات، وقد فرض الصمت، وقال في جميع خطبه بنسيان تلك الأحداث، حتى أن المرحوم الكولونيل مصطفى لطفي، وكان من بين المرافقين الذين كانوا بجانب الملك الحسن الثاني أثناء الهجوم على الصخيرات، كان يحكي أنه بعد مضي الأحداث، وفيما كان يسلم على الملك، في المناسبات، كان الحسن الثاني، يضع سبابته على فمه، وكأنه يقول لمصطفى لطفي: اسكت، إياك أن تحكي. جزئية أكدها صهر الملك، رئيس الحكومة الأسبق عصمان، عندما حكى في مذكراته التي نشرت: إن الكولونيل مصطفى لطفي له ما يحكي.

وسأحاول سرد الأحداث بعد أن فرض الزمان زوال العوائق، ومات أغلب العارفين، وتبدلت الظروف، وربما نسي المغاربة أحداث الصخيرات رغم أنها كما قلت، جزء من الجحيم الذي عاشه النظام المغربي، ملكا وشعبا.

وحتى ما يقال من أن الشعب متعود على المحن والشدائد، إلا أن ما حدث في الصخيرات، يعتبر ذا فضل على أجيال المغرب التي ولدت بعد أحداث الصخيرات، لأن الباقين الذين عاشوها، قضوا الليالي الطوال دون نوم، مرعوبين لما يتذكرون ما حدث فيها، بينما الأجيال الجديدة، فهي مرعوبة من أن تعود للحدوث أحداث مشابهة للصخيرات، وربما لزمن طويل.

أما العنصر الجديد الذي لم يسمح الزمان بكشفه، لأن مسؤولية حصوله لم تبق في عنق أحد، وربما المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الملك الحسن الثاني، الذي كان بإمكانه أن يتفادى هذه المجزرة، لو لم يكن موقعه كملك يحول بينه وبين اعتباره للتحضير الجاد لهذه المجزرة، نوعا من الخيال، جاعلا من قاعدة الولاء الدائم، والإخلاص القائم، واقعا متناقضا مع الواقع الذي يحتم الحيطة والحذر.

والمعذرة للملك الخلف، محمد السادس، الذي كان حاضرا في المجزرة، وهو متخف بـ”تارازا”، قبعة على رأسه، يرى في صغر سنه ما يجعله رغم السنوات التي قضاها في مجد الملكية، وهي تترعرع في أحضان الوفاء الشعبي الذي يربط الملكية بالاستقرار، وكلاهما ملكا وشعبا متفقان على أن المغرب لا يمكن أن يعيش إلا في أحضان الاستقرار، لأن الذي حضر مجزرة الصخيرات، ورأى الجثث المتناثرة في أطراف القصر الملكي، والإصرار المريع على القتل الهمجي، هو وحده الذي يعرف خطورة بعض الأخطاء التي أدت إلى حدوث هجوم الصخيرات.

وكانت بوادر هذا المخطط الجهنمي الذي رسمه الرجل القوي في القصر الملكي، الجنرال المذبوح، والرجل الأقوى الذي كان يعيش خارج القصر، الجنرال أوفقير، الذي يمثل النموذج الانتهازي الذي مهد به لمخططه الانقلابي، عبر برنامجه الذي يأخذ طابع الإصلاح، عبر هدمه لمنتجع الشاطئ الممتد من الرباط إلى الصخيرات وكأنه يقول للرأي العام، هذا ما سأنجزه في جميع أنحاء المغرب، حيث يمكن التوسع في تحليل التركيبة الاجتماعية والسياسية للمغرب قبل عاشر يوليوز، وأخطاء الملك الحسن الثاني الذي نبهه الكثيرون مرارا إلى أسرار تحضير الانقلاب، فلم يكن يصدق، لأنه كان يستبعد كل خطر، بل كان يحيل تلك التقارير السرية على الجنرال أوفقير لأنه كان يعتقد أن هذا الجنرال هو حامي الحمى، كما يمكن التوسع في التركيبة الاجتماعية للعناصر المدنية والعسكرية لمن نظموا هذا الهجوم، ومواكبتهم في سرد تفاصيل تنشر لأول مرة عن الارتباطات المصلحية لمنظمي الانقلاب، وتحركاتهم واجتماعاتهم وخلافاتهم التي عرفت أوجها أثناء الهجوم، حتى أصبح الانقلاب المنظم انقلابين بعد ظهر العاشر من يوليوز، وثلاث انقلابات في مساء ذلك اليوم، وقد بدأ الجنرال أوفقير في التحضير لما بعد فشل الكولونيل عبابو، حين طافت فوق موقع هجوم الصخيرات طائرة هيليكوبتر كان يسوقها المسؤول عن تنفيذ الانقلاب المقبل(…) في غشت من السنة الموالية، الكولونيل أمقران.

كما كان إعدام الذين اعتبروا مسؤولين عن هجوم الصخيرات، بعد أن أصدر بعض مدبريه كتبا عن معاناتهم في سجن تازمامارت بعد أن غادروه، فخصصوا كتبهم لوصف معاناتهم، ممزوجة برغبة كل واحد منهم في استبعاد مسؤولياتهم، لتبقى العبرة، من هذه الواقعة الدموية التي تشكل في جزئياتها درسا لا ينسى.

إنه لا داعي لشرح قرابتي من هذا الموضوع، لأتعمق فيه، فضلا عن تخصصي المهني كصحفي عشت هذه الأحداث، وتتبعتها وجمعت وثائقها، بل استخلصت العبر والدروس وأنا أتعمق في هذه الملفات، لأخرج باحتمال منطقي لصيغة من الأسباب الأخرى(…) حين كتبت في مذكراتي: ((أنه كانت للكولونيل عبابو، مدبر الانقلاب، صديقة فرنسية تشتغل في فندق “هوليداي” بفاس، المدينة التي كان يسكنها هذا الكولونيل، وتسلط عليها واحد من أصدقاء الملك الحسن الثاني، ويسمى الدكالي، وأبلغوا الكولونيل عبابو أن حميدة الدكالي لا يفارق صديقة عبابو، ولم يفطن الملك الحسن الثاني لخطورة أعمال صديقه الدكالي، حين قدم له الجنرال المذبوح، عقل الانقلاب، رسالة من ابنة الجنرال المذبوح، أمينة، تستنكر فيها هذا الفساد، المتمثل في أصدقاء الملك(…)، وقال المذبوح للملك: انظر ماذا يقول عنا أبناؤنا، وهي قصة انتهت صباح عاشر يوليوز 1971، حين هاجم طلاب المدرسة التي كان يديرها عبابو، ضيوف الملك، وبدؤوا في الإعدامات حين كان رئيس الهجوم عبابو ورشاشته في يده، يبحث عن الدكالي مرافق الملك، الذي تسلط له على صديقته الفرنسية، وما إن وجده، حتى أطلق عليه وابلا من رشاشته، ومات الدكالي، ليبقى الاحتمال بأنه كان من الأسباب المبررة لانقلاب الصخيرات))) (مصطفى العلوي. كتاب الحسن الثاني الملك المظلوم).

 

تعليق واحد

  1. ومن يملك الشجاعة لإبراز الحقائق وحقائق الحقائق، لا أظن ذلك سيحدث إلا بعد زمن طويل .ا.ا.ا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق