ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | ظاهرة الملحدين المغاربة في التقارير الدولية

هل هي جائحة دينية بعد جائحة "كورونا"

أعد الملف: عبد الحميد العوني

نشرت جريدة “أجوردوي لوماروك” أن 7 في المائة من المغاربة ملحدون، قبل أن يؤكد كتاب “لادينيون مغاربة: دراسة في الإلحاد من خلفية إسلامية”، أن الظاهرة متصاعدة لسببين مركزيين: مفارقة الدين لحقوق الإنسان المتعارف عليها دوليا، والصراع الوهمي بين العلم وإجابات الدين، وأخيرا ربط العقيدة بالحروب.

ويمتاز الملحد المغربي بالتقية، في فئة بدأت بـ 320 ألف ملحد مغربي، وانتقلت إلى 13 في المائة عام 2013، و18 في المائة سنة 2018، و20 في المائة في 2020، لتظهر الفجوة الإحصائية واسعة.

تتمة المقال بعد الإعلان

وحاليا، تتحدث الإحصاءات شبه المؤكدة عن إلحاد بعض المغاربة، وهو ما يشكل وسط الشباب “موضة”، وفي بعضها إجابة عن تمرد يربط الديكتاتورية باللاهوتيين والقدريين، وإن كانت بعض الإذاعات سابقا وسيلة لتحويل سنيين مالكيين مغاربة إلى مسيحيين، فإن وسائل التواصل الاجتماعي عززت تحولهم إلى لادينيين، وهو ما يؤكده هشام نوستيك (اسم مستعار) المعروف بلقب “كافر مغربي”، لأن الأنترنيت لا تحتاج معه إلى قس أو إمام لتطلع على النصوص وشروحها، لكن نوستيك غرق كالآخرين في فن السخرية، وهي أفكار مختزلة، ولاعلمية عن افتعال متناقضات ولو كانت مجرد “جدليات” يتأسس عليها كل تركيب.

ولم يدخل المغاربة المعركة ضد الإلحاد في “الأمن الروحي”، وأي منظور أمني لمقاربة موضوع متصل بالحريات الفردية والحرية الدينية ومن ثم الحريات الأساسية في أن تكون لادينيا، يزيد الأمور تعقيدا، فالدين فوق الدولة، لكنه في هذه الحالة “تحت الدولة”، إذ يجد البعض نظام إمارة المؤمنين نظاما موازيا للدستور، والإسلام دين الدولة.

ولا يختلف المتابعون أن جائحة الإلحاد تزيد عن جائحة “كورونا”، في معدل الإصابات على الأقل، وهو ما يجعل المغرب ضمن ربع دول العالم الذي يراه الاتحاد الدولي للإنسانية والأخلاق والذي مقره بلندن “مدعاة لمزيد من تصحيح الحريات” لحماية هذا التحول.

——————————————————————–

تتمة المقال بعد الإعلان

+ الخارطة الدينية في المغرب

    خارج ما يسمى “سي. أو. إم. إم”(1) (مجلس المسلمين السابقين في المغرب)، فإن هناك تحولات أخرى عن الإسلام إلى عقائد أخرى من خارجه، وأيضا من داخله.

إنهم متحولون في المجمل عن الإسلام، يبدأ بعضهم من وحي إلى وحي بديل، ويأتي في مقدمة هؤلاء: المعتنقون للمسيحية، وقد راسلوا البابا قبل وصوله إلى المغرب في زيارة لدعم حوار الأديان(2).

ويزيد عدد ملاحدة المغرب في ظل هذا التعتيم المقصود من طرف الرسميين والملحدين على حد سواء، إذ “الملاحدة المغاربة” لا يعلنون عن عقيدتهم في  “اللاأدرية” أو في باقي قناعات رفض “المسبب الأول أو الخالق أو الإله”، ولذلك فإن الإعلان عن الإلحاد هو المرفوض في المغرب، وليس الإلحاد بحد ذاته، فيما يصبح إنكار الإله إنكارا للسلطة أكثر من أي شيء آخر.

ولا يستطيع الرافضون لواحدية الإله الذهاب بعيدا في رؤيتهم، فيما يزيد حنق المحيط على الملحد، لأن المسألة تتعلق عندهم بـ”تغريب” وليس بنقص “الطابع العلمي” لنقاشات العقائد والإيديولوجيات، ومن المعروف أن الملحد لا يخاطب الملحدين، بل يخاطب الآخر خارج قبيلته وفئته الاجتماعية، لذلك، فـ”الإلحاد ليس كفرا بالله بقدر ما هو كفر بالواقع الظالم والصعب، وأيضا الغامض لعدم وجود المعارف الأساسية، ووجود كفر بالغيرية، لأن الأنا تحاول أن تواجه عدمها الذي تركه الإنسان في مجرى بولي وسيتركه مع جثة يأكلها الدود، وتصبح في الثرى الذي قدم منه الإنسان قبل نفخ الروح فيه”.

ويقاوم العلمويون (المنسوبون للعلم) هذه النظرة المختزلة لما قبل الإنسان وما بعده، ولذلك سنجد أن الملحد المغربي لا ينتج فلسفة، بل نقدا قويا لما هو واقع، دون بديل.

ويعرف الجميع أن “قلعة” الاتحاد السوفياتي التي جعلت الاتحاد ملحدا بالحديد والنار، انتهت لإدارة الكنيسة الأرثوذكسية لروسيا، وكذلك الشأن مع باقي الدول، باختلاف أنماطهم، فالإلحاد مع القوة النووية لم ينجح، وحاليا يعيش في أحزمة الفقر المدقع والغنى الفاحش بكل أشكاله.

من جهة، لأن المغرب يعيش تفاوتا طبقيا يجعل ضحايا النيوليبرالية من الفقراء “ملحدين”، لرغبتهم في تدخل الإله العادل لإنصافهم، ما دام موجودا، دون الإيمان بأن العدل مؤجل إلى يوم القيامة، أما إلحاد الأغنياء الفاحشي الثراء، فلإحساسهم بالقوة لتفردهم بالقرار، من جهة ثانية.

وأوقفت الإدارة الأمريكية استقصاءات من هذا النوع في العالم الإسلامي كي لا تضطر إلى نشر هذه المؤشرات “الصعبة”، وتبعا لهذه المعطيات فإن:

1) التحول من الإسلام إلى الإلحاد سيزيد عن التحول من الإسلام إلى دين آخر بنسب فلكية.

2) أن تأطير الصحوة والجماعات التربوية الإسلامية التي تحولت إلى إرهابية بعد تفجيرات 11 شتنبر خلق دائما فراغا في جيل الألفية لا يستطيع أحد ملئه، ولذلك، على التيار التغريبي تأطير “الإلحاد” الذي لم يعد ظاهرة “كفرية” باتجاه عقيدة، بل ظاهرة “إنكارية”، وقد تكون “صدامية” في تطور طبيعي لقدرة الإنسان، خصوصا سعي الإنسان المغربي إلى المزيد من البراغماتية، ومن النزعة المادية الرثة التي لا تنظر إلى القيم، وهو ما يؤهل المغرب إلى بناء جيل فوضوي له راديكالية “خاصة” بنفس القدر الذي كان عليه جيل الحركات الإسلامية.

إن تعويض النزاع الإلحادي للنزوع الديني المسمى “المتطرف”، يفيد أن:

ـ النزعة المادية للتحليل – الاجتماعي – انتهت إلى فوضوية “الإنكار” و”الرفض” تحت مفهوم القناعة الشخصية، دون تمثل لمفهومي النضج والموضوعية.

ـ النزعة الأمنية – للدولة- جعلت الملحد، وأيضا المؤمن، منافقا، ولذلك توسعت المنطقة الرمادية لتتراجع الخصوصية المغربية وتحضر كطقوس ثقافية.

وتكشف مصالحة الملحد المغربي مع الطقس الثقافي لبلده علاقة نضج في علاقة المتدين بغير المتدين في المملكة، لأن التجربة ورحلة الشك معترف بها من طرف الجميع، ولذلك، فإن المغربي لا ينتقد “تجربة الفرد المؤسسة على الشك”، بل ينتقد الانتقال إلى دين آخر، لأنه انتقال بالأساس إلى حقل غربي يناصبه الإعجاب، وعدم الخضوع في آن واحد.

إلحاد المغربي “حضاري” في مواجهة المسيحية الغربية، وإلحاد “سياسي” يؤمن بالحرية، لأن منظومة الدين المغربي مرتبطة بقدسية الطقوس ولا ترغب كل الأطراف في تعديل “الديمغرافيا الدينية” للمملكة، لأن هيمنة تقاليد روحية مشتركة تجعل وليا من الأولياء، في بعض الأحيان، رمزا لليهود والمسلمين كما في الصويرة، وفي مدن مغربية أخرى، وهناك طقوس يتقاسمها الدين الشعبي والرسمي، ويقتنع الملحدون بالطقوس كجزء من الثقافة الاجتماعية.

يقول تقرير الخارجية الأمريكية: إن ما أوردته “بي. بي. سي” البريطانية بأن 15 في المائة الذين حددوا أنفسهم كـ”غير دينيين”، صعدت نسبتهم بأقل من 5 في المائة(3)، وهذا التحفظ كي لا تكون النسبة واضحة: واحد من كل خمسة مغاربة ملحد، أو خمس المغاربة ملحدون.

+ مشكلة الإلحاد هي مشكلة الحريات الفردية في المغرب

    إن رسمية دين محدد للأمة المغربية، شيء تاريخي، فالكنيسة الأنجليكانية في بريطانيا والبروتستانتية في الولايات المتحدة والهوية الكاثوليكية لفرنسا وإسبانيا، لا تشكل أي عائق أمام الملحدين الغربيين، ومواصلة صدام  القناعتين، بين الإلهيين واللادينيين، ظاهرة لا يمكن البناء عليها، فيما جاء تصريح العاهل المغربي في مدغشقر بأنه أمير المؤمنين اليهود والمسيحيين والمسلمين، إيذانا بإعادة التوحيد الديني الإبراهيمي في مقابل اللاتدين.

وقد يكون مبرر التصاعد في هذه الموجة الإلحادية اجتماعيا، لشساعة الرفض، وعدم التسامح مع حراكات الشارع، يدفع الإنسان المغربي إلى خلق تحديات “متولدة” عما يسمى الثوابت.

واختار الملك الراحل إضعاف تخصص الفلسفة، وتشجيع التربية الإسلامية للحفاظ على إيمان الشباب في مواجهة الحرب الباردة، وشيوعية الاتحاد السوفياتي بـ 0.5 في المائة، أما حاليا، فإن النسبة مضاعفة.

وسبق أن خصصنا ملفا عن دراسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي أكد أن نسبة أنصار الشرعية التاريخية والتضامن الأسري، وباقي القيم، هي أقل من 1 في المائة، وبالتالي، فإن الدائرة واحدة يتصل فيها تفكيك الديني والتاريخي والاجتماعي ويؤطرها الإلحاد الذي أصبح ثقافة شبابية لا تقبل المراجعة، لأن تحول الإلحاد إلى أسلوب حياة، بدأ كي لا ينتهي.

وطبعا شكلت الهزات الأخيرة إعادة تأطير للتوجهات الاجتماعية، لأن وعيها جرى بشكل مختلف بعد جائحة “كورونا”، حيث ساد “اللا يقين” وسيكون الشباب معنيا أكثر بهذا الاضطراب من ملاحظتين:

1) زيادة النفور من اليقينيات، وستكون الطقوس أقل قدسية مما سبق، كما ستكون القناعات الفردية مهيمنة على إعادة تكييف الوقائع.

2) فكرة الإلحاد ليست عرقية، كما يتوهم البعض، ما دام العرب قدموا إلى المنطقة فاتحين باسم دين، وليست أيضا فكرة علمية للاختيار المتساوي بين من يراهن على الإيمان ومن يراهن على عدمه، وذلك نفسه دليل على جعل الحساب قائما، والاختيار واضحا لليوم الآخر عند المؤمنين على الأقل.

ويبقى الإلحاد “فكرة اجتماعية” عند البعض، خصوصا في المغرب، لأن تحول المغاربة نحو الإلحاد بـ 1 في المائة كل سنة، يؤكد الفشل، وهو متعلق بالهيمنة على المتدين، ولا يفكر أحد في مناقشة أو مجادلة حقل الملحد، وكلما زاد هامش حركة الرفض الاجتماعي، زادت حركة الرفض الديني.

الأنترنيت متهمة بتكفير المغاربة، وقبل ذلك كانت هي التي تؤطر النشاطات الإرهابية، وبين الاتهامين، نجدها وسيلة جاءت بعد تجفيف منابع الإرهاب بـ”تقليعة” أو “موضة” جديدة هي الإلحاد.
وفي مثل هذه الظروف، وأمام “الإلحاد الشيوعي” في الحرب الباردة، قرر الحسن الثاني محاصرة الأمور بعيدا عن مأسسة الإلحاد، وهو ما سيسرع من علمنة الدولة في نهاية العشرية الحالية.

+ الملاحدة طائفة اجتماعية في المملكة

    لقد انتهت طائفة الملاحدة عمليا مع “الأمن الروحي”، وقد استفادت من التضييق على الأديان والحركات الدينية، فمنع التبشير المسيحي، ومنع الإسلام الحركي: السني والشيعي على حد سواء، هو تسليم اجتماعي بالإلحاد الذي يلتقي بموجبه حاليا “الإلحاد السياسي” و”الرفض الشعبي للسياسات المتبعة”، ويدرك الجميع أن كل قرار رسمي تسانده في المسجد خطبة الجمعة.

إن رفض “مخزنة” خطبة الجمعة، هو الذي أنهى حراك الريف واعتقل زعيمه الزفزافي، وبالتالي، فإن استثمار ما حدث في مسجد معين في الحسيمة، هو قرار سياسي له أبعاد على انزياح فئة الشباب إلى مسالك أخرى، وهو ما لاحظه الجميع من خلال:

ـ التكفير السياسي عبر تأويل نص الوحي، واشتهر شباب “الصحوة” بهذا الأسلوب.

ـ الإلحاد السياسي عبر رفض سلطة أي نص (بما فيه الرسمي)، وبناء عليه النص الديني.

ولا يمكن الوثوق بالأرقام الحالية، لأنها في الأساس مجرد مؤشرات، لذلك، فإن تنسيب الظاهرة (زائد ناقص 5 في المائة)، سيحول ربع المجتمع المغربي إلى مجتمع “غير متدين”، وحاليا، يتحول غير المتدين إلى ملحد.

وقد كان جزء من الملحدين المغاربة لهم ماض في الحركات الإسلامية، وعدم التمييز، دفع إلى ليس الانقلاب عليها فقط، بل الانقلاب على محورها: “الإيمان بالله”.

وبناء عليه، فإن الإلحاد هو تكفير آخر، لأنه يخرج الآخرين من العقلانية والعلم، وكأن كل عقلانية هي ملحدة بالضرورة، وهو تزوير واسع لتاريخ الحاملين للتنوير، الذين فصلوا بين الإيمان والمختبر، والدولة والدين والقدرة البشرية والإلهية، فانتهت “المعجزة” وقد أنهاها الوحي قبل العقل، لأن النبي الكريم محمد (ص) صنع قطيعة مع أمن المعجزات وخاطب العقل وحده، فربطه بالتكليف وبالحكم وبوقوع الحكم، وبالتالي، فإن الإلحاد ليس دينا فرديا في مقابل الدين الاجتماعي، وإن تحول كما في الاتحاد السوفياتي إلى دين اجتماعي، فإن الدين الشعبي تحول إلى دين فردي، وستدوم هذه العلاقة الجدلية إلى حدود يمكن معها القول أن “استهداف الإسلام المغربي” ليس من الخارج، بل يبدو الخطر عليه من الداخل، لأن الإلحاد يضغط بقوة على فئة الشباب الذي يخوض تجارب في طريقه للبحث عن الحقيقة، فيتصورها، لكنه لا يعبد الحق، بل يعبد نفسه فيها.

ويتكيف هذا التقدير مع السوسيولوجيين الذين ركزوا على “الجنسانية الإسلامية”، كما في حالة عبد الصمد الديالي، فيما الطرح الجدلي يفيد أننا دائما في جنسانية “إلحادية” تحاول وتعاكس ولا تقوم على البناء أو التركيب، خصوصا وأن حاجة الجميع لبنية مدنية شاملة تمثلها الدولة، هي القادرة على إنتاج “رؤية”.

وتكاد تذهب التحولات أبعد في هذا السياق من أمرين:

1) أن تقاليد “العنف” التي يبررها البعض باسم الدين حول البعض، من اللاعنفيين إلى المسيحية، وأيضا، فالبحث عن “المخلص” في الواقع، وعدم وجوده، يدفع إلى شرعة يسوع المسيح.

2) أن تقاليد العنف السياسي التي يبررها الدين، من خلال “رسمية” الإسلام لأنه دين الدولة، أو من خلال المعارضين المحافظين المتدينين، قد يكون منطقها خادما لمتناقضين متصارعين ولمتحدثين باسمه، وهو ما يجعل العقل الشبابي لا يقبل التناقض وإن حركه الجدل.

ولذلك، فالإلحاد هو نتيجة موضوعية لتأويل الدين بما يناسب واقعا متخلفا. المسألة ليست مع الله، بل مع التأويل البراغماتي أو المتطرف، كل من مصلحته وموقعه، لكلام الله.

ويكون ارتفاع نسب الإلحاد مرحليا وظرفيا، وتريده أطراف كثيرة أن يتحول إلى استراتيجية مدعومة بمنطق ما ومنظومة وقراءة مختلفتين.

وتحليلا للرقم السنوي المحدد في 0.9 في المائة بخصوص ارتفاع الملحدين في المغرب، فإننا أمام مصادرات منها:

1) رفض كسب الشرعية من التاريخ أو الدين، فالأقدم والأتقى لم يعودا عاملين في هذه الموجة، ويعوضهما الأكثر نجاعة والأكثر مردودية.

2) رفض الحاكمية باسم الله في الأرض، لأن حامليها بشر يخطئون ويصيبون، وانتهت العصمة مع النبي، ولذلك، فعدم وجود من يمثل الإله في الأرض هو تأكيد على “بشرية الحكم”، وهو ما يطمح إليه بعض الملاحدة، فيما أكثرهم متطرف لا يختلف عن نقيضه، وتحويل النقيض الإيديولوجي إلى نقيض وجودي، وبشعارات دينية، يدفع الشباب إلى التطور استجابة لحمى التطرف.

يعرف الغربيون نسب الإلحاد في المغرب، فالتقدير الأمريكي حول ارتفاع 5 في المائة من سنة 2013 إلى 2018 / 2019، هو تقدير خاص بالولايات المتحدة الأمريكية واستخباراتها، فيما سرد تقرير الخارجية الأمريكية مصادر مختلفة.

وفي إطلاق الخارجية الأمريكية لنسبة استخبارية وعن دراسات واستقصاءات وأرقام رسمية محجوبة عن النشر، تتأكد خلاصتان:

ـ إن الإلحاد تحول إلى “معرفة اجتماعية” مقبولة بين الشباب والنسائيات أيضا، ولذلك جاء صعوده، حسب الأرقام، ناتجا عن عدم الدمقرطة، وأصبح واضحا أن تصوير الإسلام والديمقراطية شيئان متعارضان، هو استثمار لما بعد إسقاط الإخوان ورئيسهم مرسي في مصر.

وعاد التحدث الأكثر سوءا في المناطق النائية، لربط حل كل مشكلة بشخص الرئيس، فالكل يعرف أن رئيس الجمهورية هو وحده من يستطيع أو يقرر أو يغير قرار الآخرين، ورفض هذا “التأليه” جزء لا يتجزأ من الإلحاد الذي لا يزال محصورا أكثر في المدن.

ـ الإلحاد عن الدين جزء كبير منه كفر بالجماعات الإسلامية، وأن تطور الموجة الأولى من الإلحاد القادم من أفكار تسمى “علمية”، هو تحذير آخر على عدم  مطابقة الصفة للموصوف بالضرورة، وأن تسمى “علمية” هو أكثر جاذبية كي  تعود الأفكار إلى الساحة، والملحدون، إلى الآن، يريدون صياغة الإثارة، وليس تطوير الفكرة، لذلك فوجودهم الفكري أقل خارج انتقادهم الإسلام.

وفي كل الأحوال، فالمغربي يأتي ثانيا في العالم العربي، حسب بعض المؤشرات.

+ المغرب بعد مصر في الإلحاد

    مع الاختلاف في الأرقام، وبداية إحصاء الملحدين منذ 2014(4)، سنة نشر مؤسسة الأزهر لتقرير في الموضوع، وقبل التصاعد الصاروخي لهذه الظاهرة، هناك مؤشر يدل على

أن الأزهر والمجلس العلمي الأعلى، أي أن الدول الأكثر مأسسة للفتوى والعاملة على ما يسمى “الأمن الروحي”، هي أكثر الدول إلحادا، فإعدام الحرية الدينية هو السبب الأول في الإلحاد، فيما يظن الرسميون أن الإلحاد يرافق الحراك الثوري والاجتماعي.

وأمام التجريف الأمني الذي حدث لخلط مؤسسات التربية الروحية والإغاثية  والإحسانية بمؤسسات الإرهاب والتطرف، انتهت الدولة إلى خسارة كبيرة للأمن الروحي في بلادها، وبالتالي، خسارة إضافية لحرية التعبير والتفكير التي ينضج فيها الخطاب الديني كما ينضج الخطاب الإلحادي، وبإبعاد أحدهما من الحلبة، سيبقى من الطبيعي الخطاب الإلحادي مهيمنا، ويزيد كلما زاد التجريف من الجهة الأخرى.

وبعد سنوات، ومع ارتفاع أعداد الملحدين، فإن هويتهم رغم قوتها في اللفظ  الديني المستخدم: “كافر”، جعلوا تعريفهم مرتبطا بالمسلمين السابقين، وفي مراجعة مواقعهم، سنجد المتابعين في حدود 4 آلاف، وأول انتقاداتهم موجهة إلى رفض “الدولة الإسلامية”، فيما موجتهم منحصرة بعد سنة 2016 في وسائل التواصل الاجتماعي، لأن الإلحاد صار “شعبيا” أكثر، وقلت التهديدات  وانحصرت لانحسار خطاب “القاعدة” و”داعش”.

اليوم، ليس الملحدون ضحايا ومهددون في حياتهم بقدر ما يعيشون كغيرهم “الشك”، الذي يصبح غير منهجي وغير عقلاني، وقد اشترط ديكارت الشرط العلمي بوجود “شك منهجي” وهو ما يغيب في اللحظة المغربية، فكل كتابات أحمد عصيد(5) ليست لها قيمة مضافة، إنما تكرس “الحق في أن أكون ملحدا في مقابل أن يكون الآخر مؤمنا”، وهذه مقولة دينية لوجود شيطان، في مقابل إله رحمان شرع الوجود من بدايته على وجود المختلف وأتى بكلامه ونصه المضاد في النص الأصلي، وهو ما يفيد منطق “الخلق جدلي”.

ويحاول الملحد المغربي إنتاج “مادة دينية” تماما كما يسعى “داعش” إلى إنتاج سلوك مضاد للفضاء العام، ولذلك، يعيش الطرفان ليس على قدرتهما بقدر ما يعيشان على صراع متوهم في كثير من جوانبه، فلا نبي ادعى صراعا وجوديا مع الشيطان الذي يبقى بعده، ولديه ديمومة أكبر من الرسول، لأن كل رسول يموت ويبقى الشيطان، فيما العبرة بالرسالة وبكل حامل لها، لذلك، فالإيمان رسالة معرفية وصراعه معرفي، فيما الإلحاد وجودي أو أنطولوجي، ويحاول الراؤون قلب الدورين.

ولذلك، فزيادة الملحدين، دون قيمة فكرية للإلحاد في الوطن العربي، ويؤكد هذا على أمرين رئيسيين:

ـ أن الإلحاد المغربي، إن بقي دون قاعدة فكرية قوية، سيكون مجرد “موضة اجتماعية” أو “ردا نفسيا” لا غير.

ـ أن أرقام الملحدين لم تستقر مع الشيوعيين المغاربة في الحرب الباردة وقبل الصحوة الإسلامية، ولا يمكن تبعا لمؤشر “هيومانيست أنترناسيونال” حول “حرية التفكير” أن يستقر، والإلحاد لايزال مجرد حالات، وأن الإطار القانوني لا يسمح للمغاربة بحرية الإلحاد، وبين الحرية الدينية وحرية التفكير، نجد الممارسة الإلحادية غير مكيفة بشكل صارم بين هاتين الحريتين في المملكة.

وبناء مجتمع الحريات لا يسمح للإلحاد بالانتشار، لأن معادله يأخذ الفرصة في حقل التداول.

وما يحدث، أن “التطبيع الاجتماعي” مع الإلحاد في المغرب، أنهى أي مظلومية لهم، وهي اليوم في صفوف المتشبثين بقناعاتهم الإيمانية، وباسم الحريات يدافع الملحد في الفضاء العام عن قناعته ويبشر بها، ويمنع التبشير عن المؤمنين إلا من داخل إيديولوجيا الدولة (إمارة المؤمنين).

+ موجة الإلحاد في أرقام

 

    إن الإحصائيات المتوقعة عن الإلحاد في المغرب صادمة، خصوصا وأن تعريف الشباب المغربي بأنه “ملحد”، أصبح “موضة” أو “تقليعة”، بل أيضا “هوية”، فكأن هوية الشباب مؤسسة على إيمانه، فيما الواقع والواجب أن يكون على أساس تكوينه.

وكل تراجع في تهديد الشباب المؤمن والتحرش به، سيؤدي إلى تراجع منسوب الإلحاد، لأنه ليس نسقا، بل يقوم على بعد استشكالي مع الدين نفسه، وليس من منطلق نظرة كونية.

وبالتالي، فإن موجة الإلحاد في ستينات القرن الماضي، المؤسسة إيديولوجيا، لم تصمد في مقابل تشجيع الأنظمة لـ”الصحوة”، وحاليا، هناك بعد حقوقي وليس بعدا إيديولوجيا في إلحاد اليوم، لذلك، فالسياق يضمن أن يكون الملحد موجودا في الحقل العام فيما تضغط باقي الأمور الجانبية على المشهد.

ليست هناك تجربة علمية موثقة لملحد مغربي، بل بيوغرافيات ومواقف تريد من  هذا الخطاب تفتيت التدين المحافظ لجيل كامل، فيما الجيل الحالي يؤطر ساعته النفسية على “إلحاد العولمة” وسلوكها على وجه أصح، لذلك، فإن تراجع الجيل الملحد إلى الإيمان لن يكون كمن سبقه مع الموجة الشيوعية، لأن الإلحاد النابع عن الليبرالية، يضمن الحق في أن تكون كما تريد، فيما الإلحاد الشيوعي يصنع من نفسه دينا منافسا.

+ موجة الإلحاد تكتسح الأنظمة القيادية: الإسلام الأزهري في مصر، الوهابية في السعودية، الشيعية في إيران وإمارة المؤمنين في المغرب

    يتحول الإلحاد إلى مضاد للاستثمار الديني لقيادة مؤكدة لبلد معين، ولذلك، نجد أن السعودية “الوهابية” وإيران “الشيعية” وإمارة المؤمنين المغربية، أنظمة دينية تواجه جميعها إلحادا مفرطا في أوساط الشباب، بسبب نمط محدد من التدين، فتختلط معارضته مع الإرهاب، ويرد النظام، كما في السعودية، بوصفه الإلحاد “إرهابا” يستدعي الإعدام.

ومنذ سنة 2014، شرعت السعودية بعض القوانين التي تجرم نشر الأفكار “الإلحادية” أو التي تشكك في أصول الدين، فالمسألة تتعلق بالنشر أو التبشير بالإلحاد، لكن الهجرة من هذه الأنظمة الروحية إلى المسيحية أو الإلحاد أو بعض الطرق الصوفية، كما يقول علي صدر زادة في إيران، يشمل المغرب والسعودية.

وفي موقع “بارتاب” (الصفاء) في إيران، نجد صورة قاتمة عن هجرة الشباب للمساجد، وأيضا هجرة النساء إلى الطب التجميلي غير الجراحي، والقدرات الذاتية التي تؤسس لفكرة أخرى عن الذات المغربية والعالم.

وفي سؤال: هل ترك المغاربة الدين وراء ظهورهم(6)؟ تكون الإجابة من خلال استقصاء الـ”بي. بي. سي.”، أن 13 في المائة من المغاربة يؤكدون أنهم ملحدون أي لا دينيون مقارنة بـ 4 في المائة في سنة 2013، حسب “أراب بارومتر”، وبناء عليه، ستكون النسبة بين 2013 و2018 إلى ربيع سنة 2019، هي 9 في المائة، أي بمعدل 1.5 إلى 1.8 في المائة، وهو رقم يعلن نظريا أن المغرب سيدفن آخر متدين في سنة 2068.

إنها إحصائيات مرعبة، تؤكد كارثة الإلحاد في المغرب، وقد تطورت بـ 1.8 في المائة سنويا إلى ما هو أعلى، لأن المؤشرات في فئة الشباب تزداد شساعة غير متحكم فيها.

وعلى هذا الأساس، سنرى أن 2038 ستكون السنة الصعبة.. فهل يترك المغرب دينه وراء ظهره؟ كما يتساءل موقع “24 أنفو” في عنوان صادم، لكنه حقيقي، إذ يحدد مؤشر “غالوب”، أن “6 في المائة في المغرب من الملحدين بين 2006 و2011(7)، لكن القفزة حدثت بعد سنة 2011، إذ في سنتين (بين 2011 إلى 2013)، حسب “أراب بارومتر”، سيكون عدد الملحدين قد وصل إلى 13 من أصل 6 في المائة في 2011، أي أننا أمام إضافة خطيرة بـ 7 في المائة في سنتين فقط، بمعدل 3.5 في المائة كل سنة.

 

هوامش

  1. Council of ex-Muslims in Morocco (CEMM).
  2. The committee of Moroccan Christians of the unregistered Moroccan association for religious rights (AMDLR/CML), 2019 report on international religious freedom: Morocco, executive summary.
  3. (B.B.C Arabic reports that 15 percent of the population identifies as nonreligious, up from under 5 percent in 2013).
  4. Morocco has second highest number of atheists in the Arab world.
  5. The right to have faith VS the right to atheism article 19/5/2019.
  6. Les marocains tournent –ils le dos à la religion? h 24 info.ma, 24 /6/2019.
  7. Gallup world view données accédées le 14 sep 2011.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق