المنبر الحر

المنبر الحر | هل سيعرف العالم عودة الدولة المستبدة بعد “كورونا”؟

بقلم: د. خالد الشرقاوي السموني *

    لم تكن تأثيرات جائحة فيروس “كورونا” المستجد مقتصرة على الاقتصاد العالمي والأسواق المالية، بل امتدت أيضا إلى حقوق وحريات المواطنين، بسبب فرض حالات طوارئ وقوانين استثنائية وحظر التجول في عدد من الدول، وعزل مدن أو مناطق بعينها، وإذا كانت هذه الإجراءات ضرورية ومطلوبة للحد من التفشي السريع للفيروس الذي يمكن أن ينتقل بسهولة بين الأفراد، إلا أن المخاوف، تكمن في أن تستغل الحكومات هذه الظروف، لانتهاك حقوق الإنسان والتأثير سلبا على الديمقراطية في كثير من دول العالم.

فهل سيعرف العالم عودة الدولة “المستبدة” أو الدولة “السلطوية” مع فرض قوانين الطوارئ والتضييق على فضاء الحقوق والحريات بسبب الأزمة الصحية؟ وهل سيعرف العالم صعود الاستبداد وإساءة استخدام التكنولوجيا لتعقب أفعال كل مواطن، وبالتالي نهاية الحريات، بما في ذلك حرية التعبير والصحافة، التي تعتبر حجر الزاوية في الديمقراطيات؟ كما كتب الصحفي ستيفان بيسار في مقال له.

يقول الخبير في الأمن المعلوماتي، الأمريكي إدوارد سنودن: “إنه بينما ينتشر الاستبداد مع فرض قوانين الطوارئ، وبينما نضحي بحقوقنا لإنقاذ أنفسنا من الفيروس، فإننا نضحي أيضا بقدرتنا على إيقاف الانزلاق إلى عالم أقل ليبرالية وأقل حرية، فالدول ستعمل على تطوير بنية القمع في عصر ما بعد كورونا”.

حقيقة، فإن الإجراءات التي اتخذتها الحكومات كفرض حالات الطوارئ لمدة شهور وإصدار قوانين استثنائية وفرض الحجر الصحي وإغلاق المؤسسات التعليمية والتجارية وغيرها، قد زادت في المخاوف من استغلال الحكومات لهذه الظروف الاستثنائية، للإجهاز على مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، وذلك بحجة الحد من انتشار فيروس “كورونا”، وهو سبب موضوعي ومنطقي قد يتقبله الإنسان حماية لصحته.

وفي هذا الصدد، نذكر أمثلة كثيرة يمكن من خلالها الإجابة عن تساؤلاتنا:

سمح وباء فيروس “كورونا” للحزب الشيوعي الصيني، بالتحكم أكثر في السكان، وأظهرت الصين مرة أخرى فوائد قيادة هذا الحزب وإنقاذ البلاد من كارثة عظمى، عبر اللجوء إلى فرض الحجر الصحي على مدينة ووهان بكاملها ومنع حق التنقل والتجول، وموازاة مع ذلك، تم طرد الصحفيين الأجانب، بمن فيهم صحفيو “نيويورك تايمز” و”الواشنطن بوست” وصحيفة و”وول ستريت”، كما تم فرض رقابة من قبل الشرطة والجنود على مقرات الصحف.

أدت الحرب على الوباء إلى منع التجمعات العامة ووضع حد للتظاهرات والاحتجاجات الاجتماعية في عدد من الدول، كالجزائر ولبنان والعراق، حيث أقنعت سطات هذه الدول المتظاهرين المعتصمين بالشوارع، بإنهاء المظاهرات اليومية التي قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة الصحية، كما أدت التدابير الاستثنائية أيضا إلى تقييد حرية التنقل، وأصبحت شوارع المدن خالية من الحركة، تسير عبرها سيارات الأمن العام والمركبات العسكرية وكأن الدول في حالة حرب.

أدت التدابير الاستثنائية إلى تأجيل إجراء الانتخابات في كثير من الدول، مما قد يكون له أثر سلبي على الديمقراطية، فعلى سبيل المثال، أجلت الانتخابات الوطنية ببريطانيا، التي كانت مقررة في 7 مايو، لمدة عام، وفي تشيلي، أجل الاستفتاء على الدستور الجديد والذي كان مقررا في 26 أبريل لمدة 6 أشهر، وفي إيران، أجلت الدورة الثانية لانتخاب مجلس الشورى، والتي كانت مقررة في 17 أبريل، إلى 11 شتنبر المقبل، وفي فرنسا، أجلت الدورة الثانية للانتخابات البلدية، التي كانت مقررة في 22 أبريل، إلى 21 يونيو المقبل، علما بأن هناك دولا أخرى بصدد مناقشة قرار تأجيل الانتخابات البرلمانية كما هو الشأن بالنسبة للكويت.

وأدت أيضا التدابير الاستثنائية إلى تقييد حرية الصحافة، حيث صارت ممارستها في زمن “كورونا” تحت المراقبة ولا يسمح للصحفي أن يؤدي عمله إلا بإذن من السلطات، مع تعليق إصدار الصحف الورقية، التي كانت تمثل منابر مهمة للتعبير عن الرأي والرقابة على سياسات الحكومات، علما أن الحق في الحصول على المعلومة أمر مهم لإطلاع الرأي العام عن وضعية الوباء والتدابير المتخذة لمواجهته.

… تتجلى الخطورة أكثر، في أن بعض الدول وظفت التدابير الاستثنائية، لتحقيق أهداف سياسية، نذكر على سبيل المثال، دولة مصر التي أعلنت تمديد حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد لمدة 3 أشهر، وذلك اعتبارا من 28 أبريل 2020، والغاية هنا من حالة الطوارئ ليس بالضرورة مواجهة تفشي فيروس “كورونا”، وإنما مواجهة أخطار الإرهاب وتمويله، وحفظ الأمن بجميع أنحاء البلاد، وحماية الممتلكات العامة والخاصة، وحفظ أرواح المواطنين، وبصفة غير معلنة، تبقى الغاية من القانون، هو قمع الحركات الاحتجاجية والآراء المعارضة.

وفي المجر، استغل رئيس الوزراء فيكتور أوربان، أزمة الوباء، كذريعة لتفكيك الديمقراطية في البلاد، ففي 30 مارس المنصرم، أقر البرلمان قانون الطوارئ الذي يمنح الحكومة سلطات واسعة، وتقرر بمقتضاه تعليق جميع الانتخابات، علاوة على ذلك، يسمح القانون للحكومة بسلطة تقديرية واسعة النطاق وغير محددة، ومكن القانون أوربان من الحكم بمرسوم يمنحه سلطات استثنائية. بالإضافة إلى ذلك، يحظر المرسوم نشر الأخبار التي تعرقل إجراءات الدولة في مكافحة الوباء، تحت عقوبة سجنية تصل إلى خمس سنوات، متجاوزا الهيئة التشريعية، ونشير هنا إلى أن الأمينة العامة لمجلس أوروبا، ماريا بيجينو فيتشبوريتش، حذرت دولة المجر، باعتبارها عضوا في المجلس، من كون هذا المرسوم يضر بالمبادئ الديمقراطية.

وفي الفلبين، استحوذ الرئيس رودريغو دوتيرتي على السلطة التشريعية كاملة، لا حدود زمنية لها، وأصدر قانونا ضد الأخبار الكاذبة، وأعطى أوامر للشرطة لفرض حالة الطوارئ بقبضة من حديد مع إطلاق النار على كل من لا يلتزم بذلك، وقد تم اعتقال 120 ألف شخص لعدم امتثالهم لحظر التجول، وفي كينيا، أسفرت الأساليب القمعية للشرطة عن مقتل 20 شخصا خالفوا حظر التجول وهو عدد يفوق عدد الوفيات بالفيروس في هذا البلد، وفي جنوب إفريقيا، تم اعتقال حوالي 17000 شخص لم يمتثلوا هم كذلك لحظر التجول.

ولذلك، نلاحظ كيف أن الحرب على فيروس “كورونا” المستجد، أعطت صلاحيات استثنائية للحكومات على حساب القوانين والدستور، وهو ما يلفت الانتباه أن الديمقراطية وحقوق الإنسان تخضعان لامتحان صعب، قد يؤدي ببعض الدول غير الديمقراطية إلى تكريس نوع من الاستبداد الجديد.

ففي هذ الصدد، اعتبر أستاذ العلوم السياسية، فلوريان بيبر، أن الوباء وفر للحكومات الديكتاتورية والديمقراطية، على حد سواء، فرصة للتعسف وإساءة استخدام القرار وتقليص الحريات المدنية.

إن الإجراءات الحالية، قد تنجح في التخفيف من انتشار الفيروس وتفشي الجائحة، لكن العالم سيواجه خطرا من نوع آخر، إذ ستكون العديد من البلدان أقل ديمقراطية بكثير مما كانت عليه، حتى بعدما يتراجع خطر الفيروس.

* مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق