الـــــــــــرأي

الرأي | ماذا عن توثيق وتأريخ إنتاجات “كورونا”؟

بقلم: سعيد الهوداني

    عاش المجتمع المغربي زهاء ثلاثة أشهر ولازال يعيش تبعات وتداعيات جائحة “كوفيد 19″، ورغم أن هذه الفترة اعتبرها البعض فترة بيضاء، نظرا لما عرفته من جمود وتقهقر قطاعات حيوية في جميع مجالات الحياة، كالاقتصاد والسياسة والتجارة، والسياحة، والتعليم، فقد برزت بطريقة فلكية، إبداعات وإنتاجات لم نكن نتوقعها، ولا يمكن أن تكون موجودة على أرض الواقع لولا المعاناة والحجر الصحي والفراغ القاتل، الذي ألهم وأرشد ووجه الطاقات الإبداعية للخوض في غمار الإنتاج الفني الذي عم جميع المجالات المختلفة، فتناسلت بشكل رهيب فيديوهات لإبداعات غنائية إرشادية وتحسيسية بخطورة وباء “كورونا”، وأغاني مواضيعها عبارة عن استغراب ووصف لضعف الإنسان أمام شراسة وخطورة الأوبئة، وخطب الوعظ والإرشاد الديني، والتنبيه إلى أخطاء وتجاوزات الكائن البشري في حق الطبيعة وفي حق أخيه الإنسان، فضلا عن أناشيد تربوية تحسيسية لفائدة الأطفال، وبرامج تحسيسية، وإشهارات، وإحصائيات، وحملات توعوية، وطرائف ونكت مضحكة، وطرق تعليمية حديثة لتعويض التعليم الحضوري، والتواصل عن بعد للعديد من الإدارات والمؤسسات، وأيضا اجتماعات حكومية، وبرلمانية.

ابتكارات كذلك لشباب طموح، شاءت الأقدار أن تعطى لهم الفرصة لتنزيل والكشف عن إبداعاتهم وابتكاراتهم كصنع أجهزة التنفس الاصطناعي، وآلات ومحطات تعقيم العربات والأشخاص، والأقنعة والكمامات الوقائية.

ومن جهة أخرى، جاد الشعراء والزجالون بقصائد متنوعة، عقدت ندوات، محاضرات، لقاءات، تحقيقات، استجوابات، وبرزت شخصيات مدنية ومخزنية ظهرت بقوة في الفترة البيضاء، أتحفت وأغنت الذاكرة الاجتماعية المغربية، وبالمقابل، تسرع أناس سذج وآخرون على قدر قليل من الوعي، في نشر أخبار  زائفة، أو التحريض على عدم التصديق بوجود شيء اسمه “كورونا”، فكان مصيرهم السجن والاعتقال.

هل كنا فعلا سنستمتع بهذه الإنتاجات ونرى هذه الابتكارات لولا جائحة “كورونا”؟ أكيد لا. لأنه وببساطة: “الحاجة أم الاختراع”.

إن الزخم الهائل من الإنتاجات المتواجدة بالمواقع الاجتماعية المختلفة، لم تأت عبثا، وإنما جاءت نتيجة معاناة وتفكير عميق وتعديل وتصويب، سخرت فيها الأحاسيس والعقول وآلات وأجهزة وتجارب.. إنها توثق وتؤرخ لفترة زمنية، وحقبة تاريخية عاشتها البشرية في القرن الواحد والعشرين، زمن “كورونا” أو “كوفيد 19″، الفيروس الشبح الخطير، الذي حير العالم وفتك بالأمم، دمر الاقتصاد، وعزل الشعوب عن بعضها، بل فتك بملايين البشر بطريقة رهيبة وغريبة وفي وقت وجيز.

إن هذه الإنتاجات الإبداعية المختلفة، لا ينبغي إهمالها أو الاستهانة بها، بل يجب جمعها وتوثيقها عبر الوسائل الرقمية الحديثة، وحفظها مع مراعاة حقوق مؤلفيها ومبدعيها، وتشجيع أصحابها وتحفيزهم ماديا ومعنويا، خصوصا الفنانين الذين لا يمتهنون أي مهنة أخرى، أو المبتكرين والمخترعين العاطلين عن العمل.

إن حدث “كورونا” يذكرنا بالطواعين والأوبئة التي عرفتها البشرية على مر العصور، قرأنا عنها في مؤلفات المؤرخين وشاهدنا أحداثها في أشرطة وثائقية،  فرغم بساطتها وقصرها، فهي توثق لفترة زمنية إنسانية، تعلمت منها الأجيال اللاحقة دروسا ساعدتها في كيفية التعامل مع الجوائح والنوازل، وفي التعرف على التدابير الاحترازية والوقائية من الجوائح والأمراض الخطيرة، فالكرة إذن في مرمى وزارة الثقافة والمؤسسات والهيئات الخاصة بالتوثيق والتأريخ للأحداث والظواهر الغريبة.

إن ثقافة “كورونا” أصبحت من ضمن قيم الشعوب التي عايشتها وعانت من ويلاتها، لذا، فجمع جميع إنتاجاتها كيفما كان نوعها، وأرشفتها، ستعتبره الأجيال القادمة سلوكا ثقاقيا وعملا حضاريا، يحسب للهيئات والمؤسسات المختصة والدولة المغربية، وستتخذه البشرية القادمة مرجعا وقاعدة وأرضية صلبة ستقف عليها للتصدي لمثل هذه النوازل، وستذكر بها جميع من ساهم في الحرب على “كورونا”، خصوصا وأن مملكتنا، قد أبلت البلاء الحسن في مواجهة فيروس “كوفيد 19” اللعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق