الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | المغاربة بين الهدوء والعاصفة

مؤامرة الصمت إزاء البطالة

التزام مصطفى العلوي مع قرائه مستمر :
يواصل طاقم «الأسبوع الصحفي» النبش في مقالات «الحقيقة الضائعة»، التي تركها مديرنا الراحل قيدوم الصحفيين مصطفى العلوي ولم تنشر من قبل، وحتى يتسنى تقديمها في أفضل حلة، ترجع جريدة «الأسبوع الصحفي» بقرائها إلى أرشيف ركن «الحقيقة الضائعة» في انتظار إعداد مجموعة جديدة أخرى من المقالات لنشرها في هذا الركن.

بقلم: مصطفى العلوي

  هناك قصة قديمة للراحل الحسن الثاني، قدمها كعبرة للأجيال المشرئبة الأعناق، بصفته وليا للعهد في 2 أبريل 1957، وهي عبارة عن خبر، فهو إذن مقدس، وتعليقنا عليه حر.

روى ولي العهد، أن والده المرحوم محمد الخامس: ((عندما دخل لإجراء عملية جراحية، وضربوا له شوكة البنج (التخدير الذي يسبق العملية الجراحية بدقائق) أشار محمد الخامس لولي العهد (مولاي الحسن) وقال له: اتصل بالسي البكاي، والسي بوعبيد، واسألهم عما فعلوه في قضية البطالة)).

هذا هو الخبر كما هو مسجل في الوثائق الرسمية.

ولعله غني عن كل تعليق.. رغم أن التعليق حر.. كما سمعنا، فملك البلاد، وهو يدخل عملية جراحية لا يدري هل سيستيقظ منها، وهو يرى نفسه أمام احتمال توديع ملك بعظمته، يوصي في آخر اللحظات التي كان فيها “البنج” يعمل مفعوله، يوصي ولي عهده بأن يتصل بالبكاي، وكان رئيسا للحكومة، وعبد الرحيم بوعبيد وكان وزيرا للاقتصاد، ليسألهم عما فعلوه في قضية البطالة.

فالله يرحم مولاي الحسن الذي قدم هذا النموذج لأسلوب الحكم الملكي – الحقيقي – في المغرب، حيث لا ينفع عرش ولا مال.. أمام التزامات الملك وهو على شفا عملية جراحية، اتضح أنه خرج منها معافى، ولكنه لم يخرج من العملية الثانية، ولا يترك الظروف العاطفية، وحتى ظروف الموت المحتمل(…) تتوقف، ليتوقف التاريخ(…) وتذهب الحكومة إلى إجازة في انتظار أن يخرج سيدنا، أو لا يخرج من العملية الجراحية.

أكيد، كما يظهر من سياق الممارسة، أن ولي العهد اتصل بالوزير الأول البكاي، واتصل بوزير المالية بوعبيد.. ليبلغهم الاهتمام الملكي بشؤون البطالة في ذلك الزمن، الذي لم يكن فيه عدد سكان المغرب يتعدى الستة ملايين..

إن كثيرا من المواطنين، وكلهم متعاطفون، ذلك التعاطف الذي ينطلق من الخوف(…) في غالب الأحيان، أصبحوا يرتابون(…) ولا يخفون ارتيابهم، ويخافون ولا يخفون خوفهم(…) من أن يكون هذا الهدوء الذي أعقب عاصفة موت الملك الحسن الثاني، ممهدا لعاصفة أخرى، ظهرت ملامحها، ولكنها لم تطف على صفحات الجرائد الحزبية الصامتة صمتا تنطبق عليه كل صفات المؤامرة، مادامت المؤامرة مرتبطة في أذهاننا بالصمت، حسبما سمعنا من فم سيدنا رحمه الله، فكل صمت مؤامرة وكل مؤامرة صمت، ونحن الآن صامتون.. كلنا.. بما فينا أولئك الذين كانوا دائما صامتين.. ونحن في زمن لم يبق فيه الصمت حكمة.. وبقي للصمت رديف وحيد، هو المؤامرة.

وباستطاعة كل باحث في شؤون هذا الشعب الطيب، الذي هو شعب المغرب، المثابر الصابر.. أن يجد ظاهرة التمرد أصبحت طاغية على الألسن مستحوذة على العقول، مهيمنة على المجتمع المغربي بكل طبقاته كبيرها وصغيرها، غنيها وفقيرها، وباستطاعته أيضا أن يجد لهذا التذمر مبررات عدة.. فالتذمر عندنا أشكال وألوان.

ويظهر لي أن الحكومات المغربية المتتالية، سقطت كلها في الشبكة المحكمة الصنع، والتي نسجت خيوطها مواقف سياسية باتفاق كبير.. فأحكمت صنعها، وطرزتها بأسلوب فتان، لكن كل من يسقط في حبالها، لا يفتأ أن يهيم في أغوارها دون أن يفطن إلى أنه مجرد عقد في حلقة مقفلة.. تدور وتدور أمام الشعب، الذي هو وبكل أسف، لا خيطا من ذلك العنكبوت ولا عقدا في تلك الحلقة، ولا تصله بذلك الأخطبوط إلا خيوط نحيلة واهية.. تتزايد وتتناقص حسب الظروف.

بينما أعتقد أن البحث عن الوجه الحقيقي للتمرد، والمبرر الحقيقي للتمرد، يجب أن ينطلق من قاعدة علمية حسابية، لأن التمرد كالمرض، أو أن التمرد عامل من عوامل المرض، أو أنه نتيجة حتمية لمرض.

ولا يمكن لباحث أن يحكم على شعب كامل بأنه مريض دون أن يسأل عشرة أو مائة أو ألف: بم أنتم مرضى؟

وإذا عرفنا المرض، عرفنا سبب التمرد ونوع التمرد، وإذا قضينا على المرض ولو جزئيا، قضينا على التمرد ولو جزئيا.

وإن أخطر ما يحيق بنا، هو أن تكون هناك فئة من الناس تريد أن يزداد ذلك التمرد مثلما تزداد الثمرة نضجا، حتى يمكن لتلك الفئة يوما ما أن تحظى بقطف الثمرة.

وأنا أعتقد جازما، أن الوجه الحقيقي للتمرد في بلادنا، هو تردي الحالة الاجتماعية لجماهير الشعب المغربي في القرى والبوادي.. تردي ينطلق أساسا من ظاهرة تمس الكبير والصغير، الغني والفقير، ظاهرة مصدرها البطن الذي لا يرحم صباحا، ولا يسكت مساء، ولا بد من حشوه بأي شيء ظهرا.. فالتذمر أساسا ينطلق من غلاء المعيشة: انطلاقته الأولى.

ولا أريد أن أتطرق لغلاء المعيشة من باب مقياس الارتفاع أو الانخفاض، ولا من باب الدخل القومي أو الإنتاج الفردي.. فكم يزداد تذمر الناس عندما يقارنون بين ما يقرأ في الخطب والتقارير، وبين ما يرونه كل صباح في سوق الخضر واللحوم وفي رفوف المواد الغذائية، وما يحصلون عليه في نهاية كل شهر أو أسبوع.

إن المواطن المغربي قد لا يسمع الإذاعة، وقد لا يرى التلفزيون، وقد لا يقرأ الصحف لا يمينها ولا يسارها، ولا التي تسبح منها بحمد الحكومة وتجلل صفحاتها بالأرقام والوعود.

إن المواطن المغربي قد لا يحضر اجتماع حزب، وقد لا يكون لديه وقت لتسجيل نفسه في قائمة الانتخابات.

إن المواطن المغربي مرغم عند مطلع كل صباح، أن يتوجه للعمل، ومرغم عند مغرب كل يوم، أن يتوجه للسوق، وحتى إذا كان مريضا أو معتوها أو عجوزا أو طفلا أو مقعدا، فإنه يكلف من يقوم محله بهذه الواجبات اليومية، لأنه لولا قيامه بها فإنه سيتعرض للضياع.. للجوع..

فالعمل والأكل هما الرابطتان الأساسيتان اللتان تربطان كل مواطن أصلا بالمجتمع.. أي مجتمع كان، والحزب، أو الدولة التقدمية أو الرجعية، الوطنية أو الخيانة.. كلها أشياء لا يمكن له أن يلمسها إلا بيد العمل، أو فم الاستهلاك، وما دون ذلك، كلام في كلام.. كلام ينصت إليه بعدما يكون قد رجع من العمل أو من السوق، وقد يحكم عليه من خلال ما شاهده في العمل، أو رآه في السوق.

والمواطن ثلاثة أنواع:

1) مأجور: عامل، أو موظف، أو فلاح.

2) تاجر: للسيارات، أو للخضر.. أو للمساكن.

3) عاطل: وهو عالة على الإثنين، يفرض عليهما الوطن أن يتحملوه، وتأبى الظروف إلا أن تجعل مصالح العنصرين الأولين مترابطة.. فلولا أجور المأجورين، لما باع التاجر شيئا.

والحلقة التي ندور فيها الآن، هي أننا نبحث الزيادة في الأجور للمأجورين، بينما تتصاعد الأثمان في السوق.

وهكذا، “زيد الماء زيد الدقيق” كما يقول المثل.

ولكن الأزمة تزداد خطورة، والمشاكل تزداد تعقيدا، ولو بلغت أجرة العامل عشرة آلاف درهم لما كفته لأن يصل نهاية الشهر.

ونحن نرى هنا كيف أن مشكل العنصر الثالث في المجتمع والذي هو عنصر العاطلين، بمن فيهم العجزة والمرضى والمثقفين والطلبة وضحايا الظلم الاجتماعي، أصبحوا بحكم انهماكنا في مشاكل المأجور والتاجر، في عداد المنسيين!!

 

‫3 تعليقات

  1. الله يرحم مولاي مصطفى،
    ما أشبه اليوم بالأمس
    إختيار الصورة الملحقة بالمقال هائلة،
    فعلا لا بديل عن جريدة الأسبوع وعن مقالات الحقيقة الضائعة
    فهي (أو هما) كآخر ورقة من شجرة التوت، إن سقطت سقط معها المعنى المتبقي من شيء اسمه مقال في صحيفة،
    بل حتى شيء اسمه صحيفة في المغرب فهي آخر القلاع،
    المعنى ليس بعدد االسنوات أو الاسم بالضرورة فرغم انها غيرت (مجبرة) اسمها تكرارا لكنها لم تفقد روحها (حتى الآن على الأقل)

  2. لكي يطمئن أي شعب ويهدأ فهو يحتاج إلى أمرين أساسيين: الشغل والأمن وانعدامهما أوقلتهما يشكلان عنصري غضب وتمرد بالحتم ، فما هو حال المغاربة فيهما يا ترى وما ذا ينتظر بشأنهما؟؟؟؟؟؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق