بين السطور

بين السطور | المجهول أخطر من الموت ..

بقلم: الطيب العلوي

  تزامن أسبوع صدور فيلم “أسلحة الكتف” لتشارلي شابلنز، أواخر سنة 1918، مع أسبوع رفع الحجر الصحي بمدينة نيويورك، وذلك بعد تراجع موجة وباء “الأنفلونزا الإسبانية”، التي تعد الأكثر إبادة في تاريخ البشرية، بينما بقي الحجر مستمرا في بعض المناطق الأخرى المجاورة للمدينة التي بقيت مصنفة كمنطقة 2(…)، وبهذه المناسبة، دعا مدير المسرح الوطني الأمريكي، سكان نيويورك، للحضور إلى دور السينما لمشاهدة الفيلم، وفعلا، كان الحضور مكثفا، وفي كلمته الافتتاحية أمام الجمهور قبل الشروع في مشاهدة إصدار تشابلنز الجديد، قال مدير المسرح: “ما هو أعظم من هذا الفيلم، هو حضور الناس وهم يحملون أرواحهم على أكفّهم”، وفي الأسبوع الموالي، بعد أن فتحت المطاعم والمقاهي(…)، مات مدير المسرح بعد إصابته بنفس الفيروس، وضربت موجة أخرى منه، امتدت حتى منتصف العام الموالي، وحصدت الأرواح التي ذكرها مدير المسرح أكثر مما حصدت سابقتها، وعدد الأحداث المماثلة لهاته، والتي عرفت فيها الأوبئة التي ضربت الأقوام موجة ثانية كارثية، لا تُعدّ ولا تحصى ..

أما نحن، وإن حالفنا الحظ، وكانت الموجة الثانية والأخيرة هي موجة “لالة ميمونة” “المْخَضّْرة بالفريز”(…)، وكنا إذن سنفلت من “سيناريو الموت”، فهل سنفلت أيضا من كل “السيناريوهات الكارثية الثانوية”؟ التي وقعت كلما عُزِل الناس في البيوت، والتي رغم إقصاء كلمة “الموت” منها، تبقى هالكة(…)، هالكة للمجتمعات، ولأساليب العيش، وللتوازنات الاقتصادية وللاستقرار السياسي(…)، لأنه إن غاب الموت، فالهلاك “كاين كاين”.

أما الآن، وبعد ما يقارب مائة يوم من الاعتكاف، ها نحن اليوم قد وضعنا “الرِّجْل الأولى” خارج البيت، وأخيرا على أبواب “العالم الجديد”، هذا العالم الذي لا نعرف عنه شيئاً، والذي قضينا في السفر إليه ما يزيد عن ثلاثة أشهر، كلها ترقبات ومحاولات تصور، لكننا لم ننجح قط في رسم ملامحه، ولا أحد يعرف كيف ولا متى سيحصل لنا شرف التعرف عليه.

لكن ما يظهر حاليا من همسات معظم مراكز الأبحاث المختصة في التوقعات والتقلبات(…)، التابعة لمختلف الدول التي اختارت عزل مواطنيها لتجنب الأسوأ، والذين مجموع عددهم فات الثلاثة ملايير نسمة، هو أنه إذا كان كل بلد يريد معرفة مصيره، فعليه الأخذ بعين الاعتبار خمسة عوامل، أولها إلقاء نظرة على ترتيبه حسب منتوجه الداخلي الخام، حيث يظهر من الدراسات أنه رغم كون الدول الكبرى عانت من “الكوفيد” أكثر من الصغرى، فإنه كلما كان ترتيب الدولة متأخرا في هذا النطاق، كلما ستكون العواقب وخيمة(…).

وبهذا، فمن يفضل شيئا آخر غير التوقف عن الاطلاع عن العوامل الأربعة المتبقية(…)، التي اخترت شخصيا تجنب عرضها لكم(…)، لإتمام يومكم بمعنويات أفضل، وخير لنا ولكم – بالمناسبة – التوقف عن البحث وتصور ما قد يجري، حيث أنه إذا كانت الأمور فعلا هكذا، فنتمنى أن يبقى مصيرنا مجهولا أطول وقت ممكن، آملين في نفس الوقت أن تذكرنا عاقبتنا، إن شاء الله، بمصير أصحاب الكهف، الذين كان جزاؤهم على قدر طول مدّة مكوثهم(…)، أما بعد، فيبقى المجهول أخطر من الموت(…).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق