الـــــــــــرأي

الرأي | قانون “قابيل وهابيل” والصراع المستمر

بقلم: رحال هرموزي

    تمت خلال شهر ماي الماضي، المصادقة من طرف مجلس حكومي، على مشروع القانون رقم 63.18 الذي يغير ويتمم الظهير 1.72.277 الصادر سنة 1972، ولمن لا يعرف فحوى الظهير المذكور، أشير إلى أنه ظهير شريف صدر في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، تم بموجبه توزيع أراض فلاحية مجتزأة من الضيعات المسترجعة، على الفلاحين الفقراء، في إطار تعاونيات للإصلاح الزراعي مباشرة بعد استرجاعها، ووزعت بعضها على آخرين في نفس الإطار بعد فشل شركتي “صوديا” و”سوجيطا” في تسيير بعض الضيعات التي كانت قد أسندت لهما.

مشروع القانون 63.18 المتمم للظهير المذكور، جاء ليحل مشكلة تمخضت عنها الكثير من المآسي والمظالم الناجمة عن تطبيق الظهير الذي منحت بموجبه قطعة الأرض لرب الأسرة ومنع توريثها توريثا عاديا، إذ أن القانون اشترط – بعد وفاة المستفيد – تحويل الملكية لفرد واحد من الأسرة على أساس أن يعمل كل الورثة في القطعة الموروثة ليستفيدوا جميعا من خيراتها دون تجزيئها، وكأنهم جماعة من الملائكة، والفكرة نظريا، كانت مفرطة في المثالية، ولكن نتائجها كانت كارثية، لأن النواب بعد وفاة المستفيدين، لم يكونوا مثاليين كما توقع الظهير، فقد تعددت طرق معاملتهم لإخوانهم، وجلها لا يخلو من شطط، فمنهم من أسكت إخوته بقطع صغيرة واحتفظ لنفسه بنصيب الأسد مع أن الأرض برمتها تظل باسمه والقانون لم يمنعه، ومنهم من طرد إخوته بلا شفقة والقانون لم يعترض، ومنهم من باع الأرض وهرب بماله إلى المدينة والقانون سمح له، ومنهم من أعطى للذكور ومنع الإناث والقانون لم يردعه، وأكثرهم عدلا وحكمة، منح إخوته ما شاء بيعا أو هبة موثقة، ومجمل القول، أن نواب المستفيدين تصرفوا في القطع الفلاحية بطرق عشوائية متعددة حسب مشيئة وضمير وأريحية كل نائب، وقد تم هذا أمام أنظار السلطات المحلية والدوائر الفلاحية المسؤولة عن قانون “الإصلاح الزراعي”، وهذه التصرفات العشوائية أسفرت عن خصومات ومعارك دامية، وعن عدد كبير من القضايا المرفوعة أمام المحاكم، ولذلك أطلق البعض على قانون “الإصلاح الزراعي” “قانون قابيل وهابيل”.. فبعد رحيل المستفيد الأول، كان لابد من ظهور قوابيل وهوابيل، وفراعنة وعبيد، وأحزاب مؤيدة وأحزاب معارضة في كل قطعة من هذه القطع، وإن لم يقتل البعض بالفعل بسبب هذا القانون، فالكثيرون منهم قتلت فيهم روابط الأخوة والعمومة، وروابط القربى والتراحم التي تسود عادة بين المغاربة. بلغ صراخ المظلومين عنان السماء خلال العقود الأربعة الماضية، ولم يستمع لهم أحد، لأن الظهير كان صريحا وصارما في منع التوريث الشرعي، وتراكمت المشاكل فوق المشاكل بعد وفاة نائب المستفيد وظهور جيش ممن يقترحون أنفسهم للنيابة بعده.. ظهرت الزوجة أو الزوجات والأبناء والإخوة والأخوات المطلقات والأم والأعمام.. الكل يرى بأنه أحق بالاستفادة من الآخر، والحق أن الكل معه بعض الحق.

وأخيرا، جاء مشروع القانون 63.18 ليسمح بتوريث الأرض بشكل عادي لورثة المستفيد، ولكن ورثة أي مستفيد يعنيهم مشروع القانون؟ ورثة المستفيد الذي مات منذ عقود، أم ورثة النائب الأول الذي يكون قد مات بدوره، أم ورثة النائب الحالي الذي يعض على الأرض بالنواجد والأنياب ويرغب في توريثها لأبنائه فقط؟ مع العلم أن عدد أفراد بعض العائلات قد بلغ ستين فردا، كلهم من ورثة المستفيد الأول الذي حصل على القطعة في عهد الراحل الحسن الثاني.

لقد أبدى البعض فرحتهم بمشروع القانون الجديد الذي يسمح بتوريث أراضي “الإصلاح الزراعي” بشكل عادي، ولكنني كمتتبع للملف عن كثب، منذ أربعين عاما، أعتقد أن مشروع القانون خطوة جيدة، ولكنها غير كافية، ولابد في تطبيقه من مراعاة التطورات العائلية والتاريخية التي جرت حول كل قطعة، لأن المشروع تأخر كثيرا وسيحل مشاكل العائلات التي مازال فيها المستفيد الأول على قيد الحياة، ولن يحل مشاكل الكثيرين الذين تراكمت وتشعبت مشاكلهم بشكل لا يعلمه إلا من يعيشون حرب “قابيل وهابيل”، ولو سألت كل واحد عن قصة الأرض، لروى لك من المآسي والمعارك والآلام ما يصلح كسيناريو لمسلسل تراجيدي مثير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق