الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | بين بركة الأموات ونفوذ الأحياء

وحق بركة سيدي العربي بن السايح

التزام مصطفى العلوي مع قرائه مستمر :
يواصل طاقم «الأسبوع الصحفي» النبش في مقالات «الحقيقة الضائعة»، التي تركها مديرنا الراحل قيدوم الصحفيين مصطفى العلوي ولم تنشر من قبل، وحتى يتسنى تقديمها في أفضل حلة، ترجع جريدة «الأسبوع الصحفي» بقرائها إلى أرشيف ركن «الحقيقة الضائعة» في انتظار إعداد مجموعة جديدة أخرى من المقالات لنشرها في هذا الركن.

 

((ألسنا شهودا على عصر أصبحت فيه بركة بعض السادة الأحياء أكبر مفعولا من بركة الأولياء والصالحين؟))

 

بقلم: مصطفى العلوي

  قديما، كان آباؤنا وأجدادنا، كلما حل بهم خطب، أو انسد في وجوههم باب، أو أصابهم ظلم ومكروه، يتوجهون إلى أقرب مزار لولي أو صالح، يناجون قبره ويستنجدون ببركته، وغالبا ما يتمتم لهم شيخ المزار بأن حاجتهم مقضية، فلا يكلفهم الأمر أكثر من شمعة يشعلونها أو بعض النقود في صندوق “السيد” يرمونها، أو شاة أو نعجة في باب الزاوية يذبحونها، وهكذا كان زائر قبر “سيدي الغليمي” يعود مرتاح البال إلى أن غرضه واصل، وزائر “سيدي بوعسرية” لا يدخله شك في أن مقصوده حاصل، و”الشيخ الكامل” لا يخيب رجاء خارج منه ولا داخل، و”مولاي إبراهيم” طير الجبال، يفك كل العقد حتى للمرأة الحامل، أما زائر “مولاي إدريس”، فإنه لغرضه نائل، وبركة “سبعة رجال” تكذب كل شاك، وتقصم ظهر كل متحامل، ونفعنا الله وإياكم ببركة “سيدي العربي بن السايح”، الذي كم لجأ إليه من وزير ومن عامل، و”سيدي عبد الله بن حسون” ذي النفوذ الهائل، وغيرهم من الأسياد والصلحاء والأشياخ والأولياء في كل بقاع المغرب، كان لهم من النفوذ الروحي ما جعلهم ملاجئ للمظلومين وملاذات للمقهورين، فما افتقد كل ذي نية غرضه، ولا تضاءلت مع الأيام إيجابية الاعتقاد في بركتهم، ولا خبت جذوة الاقتناع بنفوذهم.

لكن السنوات الأخيرة من زمننا هذا، عرفت تفاحشا كبيرا في تزايد عدد السادات الجدد، ممن لا يرقدون في أكواخ متواضعة عليها قبة مُجيرة، وإنما يسكنون في قصور فارهة ويركبون سيارات فاخرة، يدخنون السيكار، ويشربون الشمبانيا، وقليلا ما يعبدون الله أو يذكرونه إلا لضرورة التصوير التلفزيوني في أغلب الحالات.

هؤلاء السادة الجدد، جاؤوا في عصر الفيديو والأقمار الصناعية والكومبيوتر، ليزاولوا مهام الأولياء والصالحين في قضاء الحاجات وتحقيق المآرب والأغراض، لكن بمقابل غير الشموع الموقدة أو القرابين المذبوحة، سادة اليوم بالسكرتيرات والمكاتب والهواتف والمواعيد، أحياء يرزقون واستجابة أوامرهم نافذة ثابتة، بلا مراعاة للظروف ولا إجراءات ولا هم يحزنون، وكما كان الناس قديما ينصحون كل متأزم أو مورط بقضاء ليلة في ضريح سيدي فلان، فإنهم اليوم ينصحون كل ذي قضية بالوقوف بباب السي فلان، فهو وحده القادر على إصدار الأوامر، سواء تعلق الأمر بتجارة أو بعدالة، بشهادة أو بترقية.

دخل مظلوم – وعدد المظلومين في هذا البلد كبير – عند أحد المستشارين المقربين جدا من مراكز النفوذ، وحكى له مظلمته مستنجدا بتدخله، بأن القضية التي حكاها معروضة على محكمة، ولكن نفوذ فلان قوي جدا، وماله غزير جدا، وبعد ما سمع المشتكى إليه تفاصيل القصة، قال للمتظلم مستنكرا ومتعجبا: ((ولكن فلانا الذي كان يدعم خصمك هذا، وأغناه ورفعه، مات، ولم يبق مبرر لنفوذه))، وحسب المظلوم أن عليه أن يذهب لقبر ذلك الفلان الذي مات منذ سبع سنوات، ليترجاه كما كان أجداده يترجون قبور الأولياء، ولكن المظلوم فهم أن عليه أن يتوجه لزيارة سيد من السادات الأحياء، فقد مضى عهد الأولياء والصالحين الأموات.

دخل مظلوم عند محام مشهور في العاصمة، واستفسره عن مصير قضيته، ومتى ستعرض على الجلسة، فأجابه المحامي بصراحة متناهية: ((لا أخفيك أنه ما دام فلان في مركز القرار، فإنه لا أمل لك في كسب القضية)).

وهكذا أضاف العصر إلى بركاتهم بركات لم تكن عند الأولياء والصالحين، وهي بركة الحرمان من الحق، فجمع سادة العصر بركات العمل السلبي والإيجابي، بعد أن لم يكن للأولياء النائمين في أضرحتهم إلا النفوذ الروحي الإيجابي.

وهذه – بيني وبينكم – ظاهرة تسمى في تعابير العصر بـ”التخلف”، ولكنها عندنا مغلفة بالفساد، ملفوفة في تمائم الرشوة مقرونة بالمصالح المادية، حيث ينهب هؤلاء السادات الجدد نصيبهم مما يتدخلون فيه، ويشترطون شراكتهم في المشاريع ونصيبهم في الدخل، وعندما يتعلق الأمر بحق مكتسب، بأرض يريد صاحبها تجزئتها، أو حوالة يريد صاحبها استخلاصها، أو مدرسة عليا يريد ابن مواطن دخولها، أو قرض يريد صاحب مشروع أن يحصل عليه، أو حكم يريد المحكوم له به تنفيذه، فإن رجال الحال وأولياء الوقت، قادرون على تحقيق المعجزات، وفك المعقد من الربطات.

ولا يخلو مجلس من سرد لنماذج بالغة في الغرابة، ترى فيها زعيم الحزب، حتى ولو كان حزبا في المعارضة، يقول للمتظلم له: سأتصل بالسي فلان، والوزير بعلو قدره يقول لصديقه: سأكلم السي فلان، والمدير المتمنع المشغول الذي تقول سكرتيرته دائما أنه في اجتماع، يستقبلك ويفتح لك ذراعيه بالأحضان إذا جئت من طرف السي فلان.

واستفحل اختلال ميزان العدل أمام نفوذ السادة الجدد، وتزايدت أسهمهم في الارتفاع، فسارت بذكرهم الركبان، بعد أن أصبح تدخلهم يعني بالنسبة لأي شيء أن يكون وعدم تدخلهم يعني أن لا يكون، ولا حول لنا ونحن نسرد هذا المثال ولا قوة إلا أن نستغفر الله العظيم، ولا مبالغة في القول بأن قدسية القوانين التي هي مفصلة في الدستور، نادرا ما تكون جدواها بنفس جدوى السي فلان.

تحكي لي سيدة كانت تركب تاكسي عمومي في طريق الرماني، فأوقفه حاجز للمراقبة، فقال سائق التاكسي: إنهم جماعة واحدة كانوا عند السي فلان، وذكر اسما معروفا، فسارع الحاجز إلى الإشارة باستمرار المسير وبالاحترام.

باسم السي فلان، يمكن أن تمر في الجمارك بدون تفتيش، وباسم السي فلان يمكن أن تحجز مقعدا مرموقا في جامعة أو في عيادة أو في لجنة سباق، ولا زلنا نذكر فريقا لكرة القدم صعد إلى المرتبة الأولى وكسب المباريات، لأنه كان فريق أحد السادات الكبار، ونجاكم الله من حادثة اصطدام مع واحد من أولاد أحد السادة الجدد، فالمحضر يغير الألوان، واليمين يصبح يسارا، والضوء الأحمر يتنازل عن لونه للضوء الأخضر، والضارب يصبح مضروبا، والهارب يصبح مظلوما والضحية يصبح مشبوها.. إنها بركة السادة الجدد، أخذت في مجتمعنا أبعادا لا حد لها وتزداد أوداجها انتفاخا مع تزايد الأيام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وهي وضعية يقضي الاستمرار فيها على التوازن الطبيعي لسير الأمور، ويجرد القوانين والأعراف من حرمتها، ويجعل طغيان الطغيان وتجبر الجبروت، يجردان القانون من مصداقيته والحق من قدسيته، والخوف شديد من أن يستفحل الأمر، ويجعل الباحثين عن حقوقهم يتكاثرون أمام قلة السادات الملتجئ إليهم، وعددهم فعلا قليل، فيكفر المجتمع بجميع السادات الأحياء منهم والأموات.

                                    

تتمة المقال بعد الإعلان

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق