تحليل إخباري

تحليل إخباري | هل يمهد سقوط الجنرال حفتر في ليبيا للعودة إلى الصخيرات؟

مؤشرات فشل مبادرة السيسي لإنقاذ حفتر

إعداد : سعيد الريحاني

    قبل شهرين من الآن، وقف الجنرال الليبي خليفة حفتر أمام عدسات الكاميرات، ليعلن حصوله على تفويض شعبي، وهو ما كان حسب وجهة نظره، انتهاء “اتفاق الصخيرات”، الذي خلص في دجنبر 2015، إلى تشكيل حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج، ومجلس أعلى للدولة يقوم بمهام استشارية بجانب البرلمان بهدف إنهاء الأزمة التي عصفت بليبيا منذ سقوط معمر القذافي(..).

تجاوز الجنرال حفتر، المدعوم علنيا من طرف مصر والإمارات، للاتفاق المغربي، كان يهدف إلى طي صفحة التدخل المغربي الرصين، الذي استطاع أن يجمع فوق ترابه، الأطراف المتناحرة في ليبيا، باعتباره بلدا صديقا لكافة مكونات الشعب الليبي، لكن الرهان الخاسر لحفتر، قاده للرهان على المجموعة الخاسرة، والمجموعة الخاسرة هي التي تسببت في تشتيت الرؤية في ليبيا بعد تنظيم مؤتمر برلين في ألمانيا، حيث تم جر 11 دولة من بينها دولة عظمى مثل روسيا وألمانيا، إلى هزيمة واقعية، وفشل ذريع في طي الأزمة الليبية، حيث لم تتوقف المعارك على أرض الميدان، ولم تنجح محاولات الصلح التي قادتها كل من ألمانيا، و11 دولة أخرى، من بينها تركيا وروسيا والصين وإيطاليا والكونغو، ومصر التي حضرت نيابة عن السعودية(..)، والإمارات، وفي غياب قطر التي كلفت تركيا بالنيابة عنها(..)، قالوا إنهم يجتمعون لبحث السبل التي ستمكنهم من إخراج ليبيا من أزمتها.. ولكن مبررات عقد لقاء برلين، ظلت واهية في ظل استبعاد دول معينة من المشاركة، مثل تونس التي تربطها مع ليبيا حدود ترابية، والمغرب الذي كان له دور كبير في استقبال وإغاثة الجرحى والمصابين من كلا الطرفين، اللذين كانا يتحاربان في ليبيا أيام القذافي قبل إسقاطه، سواء كانوا ثوارا أو كتائب(..).

إقصاء المغرب، وبالتالي إقصاء الحل الواقعي والمنطقي، هو الذي أدى إلى سقوط مريع لحفتر، حيث لم يصمد مؤتمر برلين، الذي كان الغرض منه حجب “اتفاق الصخيرات”، وها هي الصحافة تكتب عن هزيمة مدوية للجنرال حفتر، في مواجهة حكومة الوفاق.

تقول وسائل الإعلام الدولية على نطاق واسع، عن عملية “بركان الغضب”: ((أعلن الجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق، يوم الإثنين، السيطرة على قاعدة الوطية بالكامل، وتدمير أنظمة روسية في ضربات جوية جنوب سرت، وذلك بعد سيطرتها عليها وطرد قوات اللواء الليبي المنشق خليفة حفتر منها، ليمثل ذلك خسارة كبيرة له، ونقلت قناة “فبراير” الليبية مقطع الفيديو الذي أظهر لحظة دخول قوات حكومة الوفاق للقاعدة، وأظهرت اللقطات أثار الضربات التي تعرضت لها القاعدة من سلاح الجو التابع للحكومة، كما ظهرت في الفيديو طائرات محترقة في القاعدة التي تبلغ مساحتها نحو 50 كلم مربعا، والتي تعرضت لعشرات الغارات الجوية منذ بداية مايو 2020 من قبل سلاح الجو التابع لحكومة الوفاق، كما عرضت “بركان الغضب”، بقايا حطام طائرة “وينق لونق” الصينية الصنع، بعد استهدافها فجر الأحد بين منطقتي زوارة والجميل)) (المصدر: وكالات).

مشاهد هزيمة حفتر في الوطية، بعدما راهن بشكل خاسر على نهاية حكومة الوفاق، المنطلقة من المغرب(..)، تكمن قيمتها في قيمة المنطقة التي خسرها،  حيث ((تعتبر الوطية أكبر بنية تحتية عسكرية من بين القواعد الليبية، حيث تستطيع القاعدة الجوية استيعاب وإيواء 7 آلاف عسكري، وبنيت القاعدة على أساس التحصينات المحيطة بها (التضاريس الجغرافية)، بالإضافة إلى أن القاعدة تمتلك أكبر تحصينات خارجية بين القواعد الليبية)) (حسب نفس المصادر).

ومثلما تمت محاولة التغطية على جدية المبادرات المغربية، بلقاء برلين، سارع عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية المصرية، إلى إطلاق مبادرة من أجل ليبيا، تحت عنوان “إعلان القاهرة”، غير أن هذا الإعلان المروج له من قبل وسائل الإعلام المصرية، والمنفوخ فيه من طرف بعض الأطراف داخل الجامعة العربية، التي يتحكم بعض المصريين في مفاصلها، لا يخفي كونه مجرد محاولة لإنقاذ حفتر من هزيمة مؤكدة، وهو ما جعل وسائل الإعلام تكتب عن الجدل الذي أثارته “مبادرة السيسي لإنقاذ حفتر”.

فقد أعلن السيسي، بالتزامن مع “هزيمة الوطية”، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس برلمان طبرق، عقيلة صالح، واللواء المتقاعد خليفة حفتر بالقاهرة، عن إطلاق مبادرة سياسية لإنهاء الصراع في ليبيا، وذلك بعد سلسلة الهزائم التي مني بها حليفه حفتر، واستعادة حكومة الوفاق للغرب الليبي كاملا، وقال السيسي: ((إن اتفاق القاهرة يهدف إلى ضمان تمثيل عادل لكافة أقاليم ليبيا الثلاثة في مجلس رئاسي ينتخبه الشعب تحت إشراف الأمم المتحدة، وإلزام كافة الجهات الأجنبية بإخراج المرتزقة الأجانب من كافة الأراضي الليبية، وتفكيك الميليشيات وتسليم أسلحتها)).

هذا من حيث الكلام، أما من حيث الواقع، فإن السيسي الذي يدعو إلى الهدنة، لم يكن إلى جانبه سوى “الجنرال المهزوم” خليفة حفتر، فكيف يمكن لنداء القاهرة أن يكون له دور على أرض الواقع، في غياب الأطراف المعنية؟ ألم يكن الأجدر العودة إلى اعتماد “المنطق المغربي”، ولم لا العودة إلى الصخيرات، لحل الأزمة الليبية بشكل جذري، أم أن عقدة “الصخيرات” ستدفع إلى ارتكاب أخطاء جديدة على حساب الشعب الليبي، بهدف إرضاء الجنرالات الطامحين في السلطة(..)؟

صورة لبعض الحضور عند عقد “اتفاق الصخيرات”

سواء تعلق الأمر بنداء القاهرة، أو نداء برلين، ولا يصح إلا الصحيح، فإن المتدخلين لا تظهر علاقتهم وطيدة بالملف الليبي، ففي لقاء برلين، أغلب المجتمعين لا علاقة لهم بالأزمة الليبية، ما جعل الاجتماع مجرد تغطية على النقاش الحقيقي(..)، وكان من الطبيعي أن تعبر الأطراف المغربية عن امتعاضها من سلوك المتدخلين في الأزمة الليبية، حيث أكد وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، في تصريحات لقناة “فرانس 24″، ((استغراب بلاده (المغرب) من إقصائها من حضور مؤتمر برلين حول ليبيا المقرر انعقاده الأحد في العاصمة الألمانية))، و((تساءل بوريطة عن أسباب هذا الإقصاء على الرغم من انخراط المملكة في الملف الليبي منذ بداية الأزمة))، وأشار الوزير إلى ((احتمال وجود مؤامرة للتأثير على اتفاقات الصخيرات، التي تعتبر المرجع الوحيد لقرارات مجلس الأمن))، كما ((رفض استغلال بعض الأطراف للملف الليبي لتحقيق مصالحها السياسية))، وشدد على أن ((الأزمة الليبية ليست حكرا على دولة معينة، وسوف يتم تجاوزها بالجهود الدولية)).

“اتفاق الصخيرات” إذن، هو المرجع الأساسي لحل الأزمة الليبية، وقد أكدت هزيمة حفتر، بعد رؤية المملكة وفهمها العميق للصراع في ليبيا، وذلك ليس غريبا، لأن المغرب يدبر أحد أكبر المشاكل في شمال إفريقيا، وهو قضية الصحراء، ما يؤهله لاستعمال أمثل “الآليات الأممية” أكثر من غيره(..).

إن هزيمة حفتر، رغم مبادرة السيسي، هي التي جعلت وسائل الإعلام تتوقع انسحاب مصر والإمارات من دعم حفتر، ففي مقال لافت بعنوان: “الإمارات ومصر تستعدان للتخلي عن حفتر بعد خسارة قاعدة الوطية الجوية”، كتبت صحيفة “مدى مصر”، نقلا عن مسؤولين ليبيين ومصريين، أن ((مصر والإمارات – وهما من الداعمين الرئيسيين للجيش الوطني الليبي بقيادة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر- قررتا التخلي عنه بعد أكثر من عام على الحملة العسكرية الفاشلة للاستيلاء على طرابلس، وقال مصدر سياسي ليبي مقرب من الجنرال المحاصر للصحيفة يوم الثلاثاء: إن مصر والإمارات توصلتا إلى قناعة بأن حفتر في طريقه للخروج، وردد مسؤول مصري تحدث إلى الصحيفة – شريطة عدم الكشف عن هويته – رواية المصدر السياسي الليبي قائلا: السؤال اليوم للتحالف المصري الإماراتي الفرنسي الذي دعم حفتر حتى هذه اللحظة، هو عن الخطوة التالية في ضوء هزيمة حفتر، وأضاف المصدر: لا يمكن لأحد أن يراهن على حفتر مرة أخرى)).

إن مؤشرات التراجع عن دعم حفتر في الواقع، هي نفسها مؤشرات إمكانية العودة إلى الصخيرات، وهي التي انطلقت منها المبادرة المدعومة بالشرعية الدولية، وهي العودة التي يمكن أن تنزل بردا وسلاما على الشعب الليبي في هذا الوقت العصيب الذي يجتاح فيه وباء “كورونا” العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق