الـــــــــــرأي

الرأي | استباحة الألقاب في زمن العجائب

بقلم: سعيد الهوداني

    أثار مؤطر وطني وخبير في شؤون الطفولة والمخيمات الصيفية، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، موضوعا جديرا بالاهتمام في عصرنا الحاضر، مفاده أن أناسا يستبيحون ألقابا لأنفسهم دون حياء وبلا حسيب أو رقيب.

نعم، إننا نجدهم في كل مجال من مجالات الحياة، في الصحافة، في عالم الفنون، في مجال التربية، في الاجتماع، في الاقتصاد، وفي السياسة.

المراسلون والمصورون الصحفيون تناسلوا بشكل رهيب، منذ بزوغ المدونات والمواقع الإخبارية، وحتى صدور قانون الملاءمة، ورغم تعرض مسؤولين عن المواقع لعقوبات حبسية، لم يثنهم ذلك عن استباحة لقب مراسل أو مصور صحفي، ظانين أن كتابة سطور في تدوينة مليئة بأخطاء إملائية وركاكة في التعبير، يؤهلهم لذلك.

وبعض مدراء المواقع الإخبارية يسمحون بهذه التجاوزات على حساب لغة الضاد، وجمالية وبلاغة الأسلوب، مبررين ذلك بما يسمى السبق الصحفي، وفتح المجال للشباب لكسب التجربة.

المنطق لا يعارض هذه التبريرات، لكن يجب احتضان هؤلاء وتكوينهم، بل توجيههم للعمل الصحفي، عن طريق الانتماء للمعاهد المختصة والأكاديمية، وحتى الدراسة عن بعد أو عن طريق المراسلة، وحثهم على إتقان اللغة والقراءة والاطلاع على المستجدات في مجال الصحافة، والمشاركة في الدورات التدريبية الإعلامية،

أما في مجال تأطير التداريب التي تنظمها وزارة الشباب والرياضة لفائدة المتدربين بالمخيمات الصيفية، فالألقاب هنا توزع وتعطى بالجملة، وكل من تكلف بمهمة تربوية لسد الخصاص أو لطارئ، أصبح بعد ذلك صاحبها، وصرح بذلك في سيرته الذاتية، وجهر بها دون حياء.

شباب لم يتجاوزوا سن 26، يعتبرون أنفسهم مؤطرين وطنيين، فمتى كان لهم ذلك؟

وحتى إن استفادوا من تدريب المكونين، فهذا التدريب لا يخول لهم لقب مؤطر وطني.

ليبقى المشكل، ليس في التباهي بالألقاب، بل في القيمة المضافة التي ستمنحها لميدان التربية والتخييم.

المسؤولية مشتركة إذن، بين جميع المؤسسات المسؤولة عن التخييم، الوزارة المسؤولة عن القطاع والجامعة الوطنية للتخييم، والجمعيات والمنظمات التربوية، وقس على ذلك في المجالات الأخرى، كبطاقة المقاولين الذاتيين، التي انتشرت بين المواطنين بشكل فلكي، بدون مقاولة ولا ذاتية.

وإذا ما تفحصنا فيديوهات “اليوتيوب”، نجدها مليئة بمدربي التنمية الذاتية، ليطرح السؤال: من أين جاء هؤلاء؟ ما هي مؤهلاتهم؟ ومن سمح لهم بذلك؟

هؤلاء لم يقتصروا على بث فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبحوا ينظمون دورات تدريبية لصالح الجمعيات والهيئات المختلفة، دون الاستفسار عن أي شيء يخص هذا “الكوتش” بترخيص من السلطات المحلية، المهم أنه يتواجد بـ”اليوتيوب”.

أما عالم المسرح، فحدث ولاحرج، كثر المخرجون والممثلون من فئة الشباب الهاوي للمسرح، دون ثقافة مسرحية ودون تجربة تذكر، ولا مشاركات في مهرجانات أو تظاهرات جهوية أو وطنية .

وكل من شارك في مسابقة غنائية وطنية أو عربية أصبح فنانا وملحنا، وطالب بالبطاقة المهنية للفنان مقارنا نفسه بفنانين قضوا ثلثي عمرهم في عالم الفن،  والغريب في الموضوع، هو عدم توفر هؤلاء على البطاقة، في حين يلوح بها بعض الطفيليين المحسوبين على الفن “على عينيك آ بن عدي”، وقس على ذلك ما يقع في معظم القطاعات.

نستخلص مما سبق، أن الفوضى تسود جميع المجالات، والمسؤولية تتحملها الوزارات الوصية المسؤولة عن هذه الفوضى.

إن كثرة البطالة المتفشية في صفوف الشباب، وتساهل السلطات مع هؤلاء، وتجاهل الوزارات الوصية للأمر، وتفريخ النقابات والجمعيات الحقوقية المهتمة بهذه المجالات، كلها أسباب زادت من حدة الفوضى والارتجال الذي عم هذه العوالم.

إذن، لابد من تقنين الانتساب والعمل بهذه المجالات وفق قوانين وضوابط تنظيمية تسنها الوزارة بإشراك الشركاء الفعليين الأساسيين، كالمجالس والنقابات والجمعيات الحقوقية، مع استحضار خبرة وتجارب الدول الرائدة في هذه الميادين، وهذا طبعا من أجل الرقي بعالم الفنون ومجال الصحافة إلى مصاف الدول الكبرى، خصوصا وأننا برهنا في ظل جائحة “كورونا”، على أننا قادرون على التغيير نحو الأحسن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق