الـــــــــــرأي

الرأي | سنة الكوارث وحلول الربيع ببلاد العم سام

بقلم: الرفاعي نجمة

    لمارتن لوثر كينغ خطاب أخير سنة 1968 بعنوان: “لماذا قد تذهب أمريكا إلى الجحيم؟”، واليوم تشتعل شوارعها بنيران الاحتجاجات المناهضة للعنصرية المتناثرة بكل أرجائها.

يرجع تاريخ العنصرية الأمريكية إلى قرون مضت، ولم تشمل السود فقط، فتركيبة أمريكا العرقية غاية في التعقيد بين السكان الأصليين، والمهاجرين البيض، والأفارقة الذين تم جلبهم كرقيق، والتاريخ شاهد على الإبادة الممنهجة التي لحقت السكان الأصليين من الهنود الحمر، وكيف تم اغتصاب أراضيهم لفائدة الرجل الأبيض، خاصة البروتستانت والأنجلسكسون.

لحِق الميز العنصري المهاجرين الأوروبيين الغير البروتستانت من إيرلنديين وإيطاليين أيضا، وكذا المهاجرين القادمين من الشرق الأوسط من يهود وعرب رغم أنهم من أصحاب البشرة البيضاء، لتستهدف العنصرية الأمريكية اللون والعرق والدين.

أما اليوم، فقد اشتعل فتيل الاحتجاجات، بمقتل جورج فلويد على يد الشرطي الأبيض بمدينة مينيابوليس، وهناك من شبه هذه الأحداث بالربيع العربي وأطلق على جورج فلويد اسم “بوعزيزي أمريكا”، لأن سبب اندلاعها شبيه باندلاع الثورة التونسية، وهناك أيضا شرائط فيديو توثق لسيارة شرطة تدهس المتظاهرين الأمريكيين كتلك التي كانت تدهس المصريين في ثورة 25 يناير 2011، وتجدر الإشارة إلى أن الربيع العربي لم يكن أول ربيع يشهده العالم، بل شهدت أوروبا في منتصف القرن 19 ثورات سميت بربيع الأمم.

جريمة القتل هاته، لم تكن سوى حلقة جديدة من مسلسل التمييز العنصري ببلاد العم سام، حيث يسجل التاريخ عشرة احتجاجات سابقة ناتجة عن مقتل المواطنين الأمريكيين من أصول إفريقية على يد رجال شرطة بيض، وذلك منذ سنة  1965 إلى سنة 2016، كلها احتجاجات كانت تستمر لأيام وأسابيع من التظاهر والمواجهات التي لا تنتهي إلا بعد تدخل الجيش والحرس الوطني وفرض حظر التجول داخل الولاية مقر الاحتجاج.

ولأول مرة، تعرف أحداث كهذه تضامن باقي الولايات وانضمام الرجل الأبيض للاحتجاجات التي تحولت إلى أعمال شغب ونهب، وبالتالي، يمكننا تفسير الربيع الأمريكي، على أنه حالة انفجار سياسي ناجم عن الأوضاع الاقتصادية المتردية للولايات المتحدة، فأمريكا تسجل نسب بطالة عالية ومستمرة بالارتفاع منذ اندلاع أزمة “كورونا”، حتى أن طوابير المساعدات الاجتماعية تعج بالسيارات الفارهة.

ولوقف هاته المظاهرات، وعلى غرار سابقاتها، يهدد ترامب بالاستعانة بالحرس الوطني، وأنه سيواجه القوة بالقوة، ولا داعي للتنبؤ بنتيجة هذا التدخل، فجميعنا نعرف نهاية دول الربيع العربي الناهجة لنفس الأسلوب.

كيفما كان سبب اندلاع هاته الاحتجاجات، اجتماعيا كان أو اقتصاديا أو سياسيا، فجذور العنصرية الأمريكية تعود إلى العصور الوسطى، وهي قوانين مكتوبة تمنح امتيازات لفئة دون أخرى اعتمادا على انتماء معين، امتيازات شملت التعليم والهجرة وحق التصويت، وغيرها من الصور المشاركة داخل وسائل التواصل الاجتماعي من علامات تحديد مقاعد للملونين، حتى أنه أسبوعا بعد وفاة مارتن لوثر سنة 1968، وقع الرئيس الأمريكي، ليندون جونسون، قانون الحقوق المدنية الذي يضمن المساواة بين الأعراق والألوان والجنسين، ليقوم الرئيس رونالد ريغن بإلغائه بعد 14 سنة، بواسطة الإدارة الفيدرالية.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف لأمريكا أن تشغل نفسها بالتبشير بحقوق الإنسان والديمقراطية؟ ومتى خولت لنفسها محاربة الإرهاب والبحث عن السلام؟

لقد سبق لأوباما، إبان الربيع العربي، أن قال: نحن نواجه فرصة تاريخية، فأمامنا فرصة إظهار أن أمريكا تثمن كرامة البائع المتجول في تونس أكثر من القوة الغاشمة لطاغية متسلط، ولطالما شجع جورج بوش حركات الاحتجاج الشعبية في أنحاء العالم ضد حكامها، فكيف سمحت الدول الأخرى لها بالتعبير عن رأيها في مواضيع تخص الأمن والاستقرار بينما هي غير قادرة على حل مشكل يعتبر من أبجديات الديمقراطية وحقوق الإنسان؟

ومهما يكن، فلا يسعنا إلا إيقاع اللوم على من يسعى لتحقيق مصالحه والحفاظ عليها، ونكتفي بالتفنن والإبداع بأبلغ العبارات المنتشرة في التعاليق بما مفاده: “الله يقوي شيطانكم”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق