الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | عندما فكر السياسيون في تكوين حكومة وطنية في غياب الملك “الحلقة 2”

أسرار احتقار الدولة للأحزاب

التزام مصطفى العلوي مع قرائه مستمر :
يواصل طاقم «الأسبوع الصحفي» النبش في مقالات «الحقيقة الضائعة»، التي تركها مديرنا الراحل قيدوم الصحفيين مصطفى العلوي ولم تنشر من قبل، وحتى يتسنى تقديمها في أفضل حلة، ترجع جريدة «الأسبوع الصحفي» بقرائها إلى أرشيف ركن «الحقيقة الضائعة» في انتظار إعداد مجموعة جديدة أخرى من المقالات لنشرها في هذا الركن.

بقلم: مصطفى العلوي

إذا كانت الألسنة الكثيرة هذه الأيام، تلوك بلهجة الاستهجان، انتقادات للمصير الذي أصبحت معه الأحزاب التقليدية، المنطلقة كلها أصلا من حزب الاستقلال، تحصل مثله، على مرتبات في الدرجات السفلى، سواء في لوائح الانتخابات، أو في عقول الشعب، فإنه عندما يظهر السبب.. يبطل العجب.

وعندما كان محمد الخامس في مكان أبعد من جنوب إفريقيا، قابعا في فندق “ليطيرم” بمدينة أنتسيرابي، مضحيا بعرشه من أجل وطنه، اضطرت الحكومة الفرنسية، أمام وقع المقاومة المسلحة وغضب الجماهير، أن تفتح باب المفاوضات مع مندوبي الأحزاب المعروفة في ذلك الزمان، وهما حزبا الاستقلال والشورى، ومع بعض الشخصيات المحايدة.. اعتبرها المسؤولون الحزبيون فرصة ذهبية للتخلص من الملكية، وكانت مشكلتهم الأولى هي اضطرارهم لمسايرة المطالبة الشعبية برجوع الملك، واستغلال تلك المطالبة للضغط على الحكومة الفرنسية لتلبية مطالبهم لا مطالب الشعب المغربي، وحتى إذا كان محمد الخامس سيعود، فليكن ذلك بشروط.

((المفاوضون الحزبيون كانوا يفكرون في تكوين نوع من الحكم لا يرضي محمد الخامس، ويقولون أنه عندما يطلع على ما اتفقنا عليه، فإنه سينسحب من تلقاء نفسه ويترك العرش.

لهذا جاء المهدي بنبركة، في تطوان ليلا، عند هيأة المقاومة، ليطلب منهم إيقاف المقاومة، ويقنعنا ليلة كاملة بأنه لا يمكن أن يتفاوض مع فرنسا إذا لم توقفوا إطلاق النار، فقال له بونعيلات: من أرجعك من المنفى يا المهدي؟ فقال له: القرطاس، فأجابه بونعيلات: والقرطاس هو الذي سيرجع محمد الخامس)) (مسار حياة. الدكتور الخطيب).

قد تستغرب أجيال اليوم، أن محمد الخامس كان، وهو في منفاه، أقرب ما يكون إلى أن يصبح ملكا سابقا(…) مستقرا في فرنسا، بعد أن حجز له الفرنسيون باخرة “هافاريس” من أنتسيرابي إلى مرسيليا، ليقضي في الرحلة عدة أسابيع، يكون فيها الاستقلاليون قد نفذوا مخططهم بإقامة حكومة وطنية، وما قالوا: برلمان دستوري، أما محمد الخامس، فقد علموا أن الحكومة الفرنسية حجزت له قصرا ضخما في منطقة “فال دولوار” نظرا لمكانته العالية.

أخطر مما سجله الدكتور المرحوم عبد الكريم الخطيب في مذكراته، ذلك التعبير الذي ورد في كتاب الوزير الفرنسي “بيير جولي”، والذي حضر أطراف المفاوضات مع الحزبين الكبيرين في المغرب، وسمع الأفكار الجمهورية لأقطاب تلك الأحزاب، فأثر ذلك على ذهنه، وعندما ألف كتابه عن تلك الفترة، سماه: “جمهورية من أجل ملك” «Une République pour un Roi»، فقد كانت الفكرة الجمهورية غلبت على الفرنسيين، وحتى المتعاطفين مع الملك محمد الخامس، وقال هذا المفاوض الفرنسي، مؤلف الكتاب: ((إن ما يقوله التهامي الكلاوي، الذي كان ضد رجوع الملك، لم يكن بعيدا عما كان يقوله المفاوضون الاستقلاليون والشوريون والذين كانوا مهتمين بنفوذ الحكومة المستقبلية، لدرجة أن المفاوضين الفرنسيين فوجئوا مفاجأة كبرى، لأن كل اللاعبين اتفقوا على أن يضعوا العرش العلوي في الطريق المسدود)) (كتاب جمهورية من أجل ملك. بيير جولي).

في إحدى جلسات المفاوضين المغاربة مع “بيير جولي” هذا، كتب أنه قال بالحرف للوطنيين المغاربة: ((إن المستقبل أمامكم، وعليكم أن تجعلوا الأمن والاستقرار يعم المغرب في اتفاق وتفاهم مع الفرنسيين، إن ثروات المغرب كبيرة وتندوف ترفل بالمعادن في “فوركورو”، وهي مناجم مربوطة مع أكادير(…) بالسكة الحديدية التي توصل المناجم إلى ميناء أكادير، وعليكم إقامة المصانع العصرية على طول هذه الطريق لفائدة أكادير والمغرب)) (نفس المصدر).

ولكن اللهفة على الحكم، أنست هؤلاء “الوطنيين” تندوف، مثلما أنستهم الملك الذي كان في المنفى.

وها هم الآن يجعلون المغرب يدفع ثمن استهانتهم بتندوف(…)، رغم أن الوزير الفرنسي وضعها بين أيديهم، وثمن غدرهم للملك محمد الخامس، وها نحن نراهم يدفعونه غاليا، ولا عيب في معاقبتهم على ذلك، ملكا عن جد(…).

أصحاب الملك محمد الخامس والمتعاطفون معه، من مغاربة وفرنسيين، أصبحوا يميلون إلى المخطط الاستقلالي والشوري للإطاحة بالملكية، فأوحى أقطاب اليمين الفرنسي إلى أحد أصدقاء الملك محمد الخامس، التونسي الأصل صالح رشيد، ليكتب مشروعا عن طريقة التصرف مع محمد الخامس على أساس: ((الاتفاق على تأسيس مجلس حفظة العرش، وإرجاع الملك محمد الخامس إلى المغرب على أن يلتزم مسبقا(…) بانتخاب برلمان منتخب بكل حرية، وإقامة مؤسسات دستورية يلتزم الملك باحترامها)) (المشروع أشير إليه في الجريدة الرسمية الفرنسية 9 أكتوبر 1955، سبيلمان).

هناك صيغة أخرى تتمثل في ((حصول الفرنسيين على موافقة الأحزاب على المخطط الفرنسي، لمفاوضة الملك المنفي على أساس اشتراط خروجه من المنفى بقبول علني للممارسة الديمقراطية وإرسال تصريح للشعب المغربي يلتزم فيه بالامتناع عن كل نفوذ سياسي، ليس بطريقة مؤقتة، ولكن بطريقة دائمة، وهي المهمة التي كلف بها الجنرال كاترو، صديق الملك محمد الخامس)) (شارل جوليان. المغرب في مواجهة الاستعمار).

((ولقد اختار الفرنسيون الجنرال كاترو، للحصول على هذه الموافقة من طرف الملك المنفي، لكنه غير المخطط تحت ضغط السياسيين المغاربة، وعرض على محمد الخامس أن يستقر في قصر فخم في منطقة لالوار، وأنه سينتقل إلى هذا القصر يوم 15 أكتوبر 1955، ومخطط كاترو مكتوب في أربع صفحات قدمه للملك بمحضر الكولونيل تويا، هو أيضا صديق الملك، وكان ولي العهد الأمير مولاي الحسن قد وافق مبدئيا على أن يلتحق بالبحرية العسكرية الفرنسية ملتزما بالامتناع عن كل تصريح سياسي إذا نقل أبوه إلى فرنسا)) (جمهورية من أجل ملك. بيير جولي).

وكان لابد للأمريكيين أن يدلوا بدلوهم في تأييد المخطط الفرنسي، فكتب الصحفي الأمريكي “ستيوارت آل سوب” في عدد 31 غشت 1955 من جريدة “نيويورك هيرالد تريبون”: ((إذا كانت فرنسا راغبة في تقديم خدمة للمغرب والمنطقة، فعليها أن تتنازل عن الكلام حول المصالح الفرنسية، وعليها أن تعجل بالاتصال بالوطنيين، عبر شخص يسمى المهدي بنبركة)).

((كما عقد اجتماع في بيت صديق الملك، امبارك البكاي بالرباط، بعد اجتماع عقده في باريس مع المقيم العام، كرانفال، حضره يوم 25 يوليوز 1955 كل من إدريس المحمدي، عبد الرحيم بوعبيد، أحمد بناني، المهدي بنبركة، القايد العيادي، لحسن اليوسي، الفقيه بلعربي، اتفقوا فيه على خطوة انتقالية تقضي بتعيين خليفة يقوم مقام الملك بدل تعيين مجلس حفظة العرش)) (نفس المصدر).

وكان السلطان المؤقت بن عرفة وأقطاب من مؤيديه التابعين للمتطرفين الفرنسيين، قد اشترطوا في حالة إبعاد بن عرفة، أن يعين ابن عمه عبد الله بن مولاي حفيظ، خليفة للسلطان في المغرب.

خلفيات أخرى من المؤكد أنها بقيت في السر، لولا أن اجتماعا في المنفى بمقر أنتسيرابي بين الملك محمد الخامس ومجموعة من الأوفياء له، على رأسهم صهره مولاي الحسن بن إدريس، الذي قال جوليان أنه كان جد مقرب للملك، وهو اجتماع حضره أيضا الفاطمي بن سليمان وامبارك البكاي، قال فيه الملك محمد الخامس: ((إني لن أتنازل إلا إذا أراد الشعب ذلك))، فأخبروه بالإجماع الوطني الحاصل حوله، وانتهى ذلك الاجتماع بأن أرسل الملك رسالة إلى الجنرال كاترو يخبره بالتراجع عن كل ما اتفق معه عليه.

وكان تصنيف مواقف الأحزاب، بأنها بالتأكيد معارضة لرجوع الملك، تشترط عودة الملك بشرط أن لا يحكم ولا يتصرف.

لذلك، وليلة عودته إلى الرباط، لاحظ الفرنسيون والمغاربة دخول فيالق جيش التحرير مسلحين من الحدود الريفية عبر ممرات بورد واكنول، ووصل عبد الله الصنهاجي بجيشه إلى القصر الكبير، وبذلك اتخذت الاستعدادات، خوفا من أي ردة فعل حزبية.. فلا مواخذة إذن على محمد الخامس وولده وحفيده، أن يردوا للأحزاب الصاع بالصاع.

انتهى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق