بين السطور

بين السطور | هل أتاك حديث جورج فلويد المغربي؟

بقلم: الطيب العلوي

  بعد اكتساح “كورونا” كل المواضيع، والأغلفة، والفيديوهات، والألسنة، لأكثر من ثلاثة أشهر متتالية بدون انقطاع، وبشكل حصري، تكون قضية جورج فلويد، أول قضية واسعة الانتشار لعالم ما بعد “كورونا”.

جورج فلويد رجل أمريكي، أسود البشرة، ضخم البنية، ولد بعد 150 سنة من تحرير أبراهام لينكولن لـ”العبيد” على الأراضي الأمريكية، وتوفي على رصيف نفس الأراضي، المزفتة هذه المرة(…)، حوالي مائتي سنة بعد التحرير المذكور، مات فوقها مكبل الأيدي، مخنوقا بقوة الضغط الذي طبقه على رقبته شرطي أبيض اللون(…)، لمدة فاقت الثمان دقائق، مما أدى إلى موته، كل هذا وَثّقَتْه عدسات كاميرات “الصحفيين الجدد”، الذين نقلوا لنا المشهد أفضل من لو نقله مخرج سينمائي عالمي من خلال فيلم يحكي قصة عنصرية عريقة، إبان حكم رئيس أمريكي عنصري(…)، و”الصحفي الجديد”، صاحب السبق، في عالم ما بعد “كورونا”، ليس هو ذلك الذي درس الإعلام في المعاهد العليا، أو الحامل لبطاقة الصحافة، بل هو الآن كل شخص حامل لهاتف ذكي، وفي الوقت المناسب.

فارق السيد فلويد الحياة إذن، وكان آخر ما نطق به، صرخات استغاثة، ينادي بها “ماما”، صرخات تجاهلها الشرطي، لكن، وبعد ساعات من الحادث، لم يتجاهل أحد صرخات السخط التي صاحت بها معظم شوارع العالم، والتي بينت أن احتقار الإنسان أكثر حساسية من صحته، حيث أنه رغم حالات الطوارئ الصحية المفروضة في كل الدول، تجاهل الناس الفيروس المتجول بينهم، وعرضوا أنفسهم للخطر، فازدحموا، واندفعوا، لتصل صرخة الاستغاثة الجماعية التي كان بإمكان شرطي مينيابوليس أن يسمعها بمفرده.

ما عرفته أمريكا مع فلويد، يرسم ملامح كاملة، لوجه كامل، يمثل الثورة لا غير، لأن ما وقع، يذكرنا بما حصل كلما قامت ثورة، هذه التقلبات السياسية التي منذ أن بدأت، ترتدي بكل سهولة بدلة “الديمقراطيات المفروضة”، وكأنها ريح تهب من الشرق نحو الغرب، وكان فيها كل مرة رجل واحد يشعل فتيل بلاد بالكامل، فإذا كان الرجل في العراق اسمه صدام، وفي تونس اسمه البوعزيزي، وفي ليبيا اسمه القذافي، وفي مصر اسمه مرسي، وفي أمريكا اسمه فلويد، فنحن المغاربة قد فزنا، لأن الرياح التي هبت على الجميع، تجاوزتنا، إذ خلال سفرها من الشرق، مرت فوقنا، ووصلت الآن إلى أقصى الغرب، دون مسنا، ولسنا بحاجة إذن لأي مظاهرة ولا لأي صياح، وفي قضية فلويد، اكتفينا بتعيين طائفة الموريش، أولائك الأمريكيين السود الحالمين، منذ أزيد من قرن من الزمن، بحمل الجنسية المغربية، لتمثيلنا والحضور باسمنا، ورفع رايتنا في المظاهرات الأخيرة ضد العنصرية، ببساطة، لأن “جورج فلويد المغربي” لا وجود له! والجواب عن ذلك: أن قواتنا الأمنية تتقن عملها، لأنها تضرب “بلا ما تخلي الايمارة”، وتعتدي دون نزيف دم، وتُسقط على الرصيف دون كسر(..)، عكس البوليس الأمريكي، إذن، فهي تتقن تقنية الضغط على الرقبة، دون التسبب في خنق ولا في موت.. وممنوع التصوير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق