الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | عندما اتفق السياسيون على بقاء محمد الخامس في فرنسا “الحلقة 1”

أسرار احتقار الدولة للأحزاب

التزام مصطفى العلوي مع قرائه مستمر :
يواصل طاقم «الأسبوع الصحفي» النبش في مقالات «الحقيقة الضائعة»، التي تركها مديرنا الراحل قيدوم الصحفيين مصطفى العلوي ولم تنشر من قبل، وحتى يتسنى تقديمها في أفضل حلة، ترجع جريدة «الأسبوع الصحفي» بقرائها إلى أرشيف ركن «الحقيقة الضائعة» في انتظار إعداد مجموعة جديدة أخرى من المقالات لنشرها في هذا الركن.

بقلم: مصطفى العلوي

  سبق أن تحدث الوزير المستشار الفرنسي طاليران عن وضعية الوزير الأول المغربي الأسبق، عباس الفاسي، بعد أن اشتغل طاليران وزيرا مع ستة أنظمة ثورية وملكية، ومع نابليون (1754-1838)، وبعد أن حنكته التجارب: ((أن الحكومة التي تحتاج إلى سند، هي حكومة آيلة للسقوط))..

ولكن، بعد مراجعة للظروف التي عرفها المغرب منذ الاستقلال، تم الكشف عن أسباب ومسببات هذا الإصرار السامي(…) على تقزيم الأحزاب السياسية ومسخها.. وتحويلها إلى مجرد مناديل لمسح العفن من الأيادي، ليبقى المشكل المطروح بعد انقراض الأحزاب التقليدية، انقراضا ستنقرض معه المناديل، بفرض البحث عن مناديل أخرى(…) مادام العفن يتوالد مع الممارسة(…)، ولا مبالغة في اللجوء إلى مصانع الكلينيكس، ذات الماركات الأصيلة والصالحة لكل الظروف المعاصرة(…).

لقد تنامت عداوة الملكية للأحزاب منذ أيام الملك الشعبي، محمد الخامس، الذي روت عنه إحدى المذكرات، أنه قال: ((عندما كان يدخل علي أعضاء اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، فإني كنت معهم أشعر بنفس الشعور الذي كان يخامرني عندما كان يدخل علي الجنرال جوان)) (خطاب الحسن الثاني. 1 غشت 1970).

ومثلما كان ولي العهد سيدي محمد يتتبع، بحكم موقعه، مسار العلاقات بين والده الحسن الثاني، والأحزاب السياسية، ويعرف خبايا الوسائل التي كان يستعملها الحسن الثاني، لقص أظافر تلك الأحزاب، والليالي التي يحكي(…) أن الحسن الثاني لم يعرف فيها النوم، كان ولي العهد مولاي الحسن، هو أيضا يتتبع عن قرب معاناة الملك محمد الخامس مع تلك الأحزاب.

وما كان الثلاثة بحكم اطلاعهم، ينطلقون من معاناتهم مع الأحزاب من منطلق التسلط أو الظلم.. فقد كتب رئيس الحكومة الفرنسية، أثناء مفاوضات الاستقلال المغربي “إدكار فور”، جملة في مذكراته تغني عن كل تعليق، مفادها: أن ((الأحزاب السياسية المغربية أثناء مفاوضات الاستقلال، كانت تمسك الجماهير، ولكنها كانت تلعب معنا اللعبة)) (مذكرات إدكار فور الثانية).

ولعله السر الذي يعرف تفاصيله واحد من شهود ذلك الزمن، المحجوبي أحرضان، الذي كلما سئل عن مسار السياسة المغربية التي أصبحت الآن مخيبة لكل الآمال، أجاب بالمثل الأمازيغي: “من الخيمة مشى مايل”، إذن فهو أيضا آيل للسقوط.

والانطلاق كان من خيمة “إيكس ليبان” في مفاوضات فرنسا مع الممثلين للأحزاب الوطنية، هو المسؤول عن هذا الموت البطيء للأحزاب الكبرى في المغرب، والتي قتلتها جرعات الانتهازية التي كانت تنتشي بها عندما كان أقطابها عبد الرحيم بوعبيد وبن الحسن الوزاني ومحمد اليزيدي، وهم الأقطاب الثلاثة، يفاوضون الحكومة الفرنسية والملك محمد الخامس وعائلته لازالوا في “أنتيسيرابي”، المنفى السحيق.

وتفسيرا لمقولة الوزير الأول الفرنسي، فإن تلك الأحزاب كانت تشغل الجماهير المغربية بالمظاهرات المطالبة برجوع محمد الخامس، وفي نفس الوقت، تفاوض المحتل الفرنسي على أساس “كل شيء قابل للتفاوض”، وعلى أساس أن يبقى الملك محمد الخامس في فرنسا(…)، وعلى هذا الأساس، تم تشكيل مجلس حفظة العرش الذي وضعت فيه فرنسا رجال ثقتها، البكاي والطاهر وعسو والمقري، وقبل السياسيون المغاربة أن يمثلهم باشا فاس، الفاطمي بن سليمان، وباشا سلا، محمد الصبيحي.

فالشوريون الذين كان لهم بالنسبة للفرنسيين دور مماثل لحزب الاستقلال: ((كانوا لفترة، ذوي اتجاهات جمهورية(…) رغم أنهم كانوا يحملون اسم الديمقراطية والاستقلال)) (مذكرات إدكار فور).

ونفهم لماذا كان حزب الشورى، أول حزب تعرض للتصفية بعد الاستقلال، والإعدام النهائي، بعد إقامة الدستور رغم أن الشوريين أيدوه.

وبينما كان الفرنسيون ينظرون إلى عبد الرحيم بوعبيد، المتكلم باسم حزب الاستقلال، نظرتهم إلى المحامي الذكي المتفتح، فقد كتب عنه إدكار فور: ((بوعبيد وأصحابه، كانوا مصرين على مساعدة فرنسا في أن تبقى مراقبة للحالة المغربية، والسير في اتجاه تطور تدريجي، ورغم أن الهدف هو الاستقلال، وحيث أننا كنا أرجعنا الملك باوداي للفيتنام، فإن بوعبيد يقول لا نريد أن تجعلوا من محمد الخامس “باوداي”(…)، إنكم إذا فعلتم هذا، فستكون الفرصة قد مرت، فهناك اتجاهات وطنية(…) غير عسكرية، وإذا تصرفنا بسرعة(…)، فإن تلك الاتجاهات ستتوحد حول السلطان محمد الخامس(…)، وآنذاك، فإن العمل الثوري والتقدمي سيصبح أقلية، وقد يندثر))، ويتخلص الوزير الأول الفرنسي بتقديم المخطط الذي وافقت عليه الحكومة الفرنسية، وكلفت المقيم العام الجديد “جيلبير كرانفال” بتنفيذه، وهو كما يلي: ((مجلس حفظة العرش، تأسيس الحكومة المغربية وبعدها(…) إقامة الملك محمد بن يوسف في فرنسا)).

شاهد على العصر، تحدث عن الاستعدادات لتنفيذ هذا المخطط في المغرب، فكتب: ((دخلت مرسولا من الحكومة الفرنسية، محملا بمخطط عصري، لإقامة إدارة ديمقراطية، لا باشا ولا قايد، وإنشاء أسلوب الجماعة الحضرية والقروية، أعضاؤها منتخبون بكل حرية، وفصل السلطات، ليكون رأس الهيكل هو الملكية الدستورية، يكون فيها السلطان مجرد رمز بدون نفوذ، وأياما قليلة من بعد، استقبلني صديقي الباشا الفاطمي بن سليمان، الذي عين رئيسا للحكومة الجديدة، ممثلا لحزب الاستقلال، متعاطفا مع الملك محمد الخامس، ولكنه قال لي: إني مكلف بتأسيس حكومة عصرية مكلف باستبعاد السلطانين معا، محمد بن يوسف ومحمد بن عرفة)) (كتاب: متهم بالوفاء، بن المدني)، وهو مخطط وارد بنفس الحرف في شهادات رئيس الوزراء “إدكار فور”.

في عز هذه الاتصالات السرية والعلنية، والتي لاشك أن الوفد الاستقلالي كان يضع رجوع الملك محمد الخامس في الدرجة الثانية(…)، توجه المتزعم لحركة إبعاد محمد الخامس، الحاج التهامي الكلاوي، إلى لندن يوم 8 نونبر 1954، ليستشير صديقة عجوز الدولة البريطانية، ونستون تشرشل، وكانت بريطانيا وقتها أهم مما هي عليه الآن، تتبع شؤون المغرب عن قرب.

وعندما أسر الكلاوي إلى تشرشل عن نيته في تقديم الولاء لمحمد الخامس، ليجيبه تشرشل بوجهة نظره المتطابقة مع ما كان الفرنسيون يحضرونه في باريس، باتفاق مع وفود الأحزاب السياسية المغربية، فقال تشرشل للكلاوي كلاما لازال صالحا للتحليل والتعمق إلى اليوم: ((إن المغرب ليس مؤهلا، بحكم تخلفه الاجتماعي، لأن يمارس المعارضة ضد الملك، إن المغرب ملكية مثل بريطانيا، ولكن أنا رئيس حكومة جلالة الملكة، وغدا إذا هزمت في الانتخابات، فإني سأصبح رئيس معارضة جلالة الملكة، لكن في بلدكم المغرب، مكوناته تتعارض مع واقعنا الديمقراطي، فالسلطان عندكم في نفس الوقت ذو نفوذ روحي، وهو بذلك صاحب السيادة، وليس الشعب هو صاحبها، وعلى المغرب أن يبحث عن حل تتخلص فيه الملكية من هذا الطابع، وإلا فإنه سيكون صعبا عليها أن تستمر، على الملك أن يرتفع فوق الخلافات والتنكيلات والصراعات الحزبية ليحتفظ بنفوذه ومكانته، أما إذا أصبح طرفا، فإنه سيصعب عليه تفادي التحلل، ووقف الرئيس تشرشل، وأهدى للكلاوي سيكارا، وهما معا من هواة السيكار، وودعنا)) (عبد الصادق الكلاوي. أبي الحاج التهامي).

فهل خرج الحاج التهامي الكلاوي من عند رئيس الحكومة البريطانية تشرشل مقتنعا بنفس الأفكار التي اتفق عليها أقطاب الأحزاب السياسية المغربية، مع رئيس الحكومة الفرنسية إدكار فور؟

يتبع

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق