روبورتاج

مع الحدث | زعيم المنهجية الديقراطية.. وزير أول أكبر من رئيس حكومة

صراع اليوسفي والبصري

الرباط. الأسبوع

    في لقائه الشهير بقناة “الجزيرة” القطرية وهو منفجر غضبا من منفاه بفرنسا، لا تزال رنات صوت إدريس البصري، الوزير القوي في عهد الحسن الثاني، والسياسي الذي خبر جميع مطابخ الأحزاب السياسية، يمينها ويسارها، لعقود من الزمن، شاهدة عليه وهو يصرخ قائلا: ((بعد رحيل علي يعتة وعبد الرحيم بوعبيد، يبقى عبد الرحمان اليوسفي هو آخر اليساريين المتبقين بالمغرب))، ويا للأسف، شهادة ليست عادية، لأنها جاءت من رجل استثنائي، رجل لا ينطق من فراغ، بل انطلاقا من ملفات وتقارير تتضمن تفاصيل التفاصيل السياسية والاجتماعية وحتى الحميمية والخاصة للسياسيين، لذلك، اعتبر الكثير من السياسيين والشعب المغربي برمته، أن رحيل القائد عبد الرحمان اليوسفي، رئيس حكومة التناوب التوافقي لسنة 1998، هو رحيل آخر قائد سياسي يساري حقيقي، ووزير أول سياسي بامتياز عرفه تاريخ الحكومات بالمغرب.

إن الراحل عبد الرحمان اليوسفي، الذي أطلق عليه الكثير من السياسيين والباحثين عدة ألقاب، منها مهندس التناوب التوافقي، آخر زعماء الاتحاد الاشتراكي، السياسي الدولي المخضرم، والاشتراكي والديمقراطي الذي خدم بلاده بمختلف الأشكال ومن مواقع متعددة، ثم السياسي الذي لم ينل حقه في الإنصاف على مستوى حزب الاتحاد الاشتراكي، أو على مستوى تدبير حكومة التناوب، غير أننا سنترك كل هذه الجوانب المعلومة من حياة اليوسفي، لنسلط الضوء على جوانب غير معلومة في مسار الراحل.

اليوسفي وحركية المشور السعيد

قال كثيرون بأن رئاسة عبد الرحمان اليوسفي للحكومة سنة 1998، كانت في ظرفية سياسية جد صعبة، حيث الاحتقان السياسي داخل الحكومة وخارجها، ولعل ما كان يقع لليوسفي داخل الحكومة أكثر مما كان يحصل له خارجها، بسبب ضغط الاستقلاليين من جهة، ومناورات الوزير القوي إدريس البصري آنذاك من جهة أخرى.

ورغم أن اختصاصات اليوسفي كرئيس للحكومة (وزير أول في السابق) محدودة جدا في دستور 1996، فقد بصم بقوة شخصيته على هذا المنصب، وأعطاه مكانته السياسية التي يستحقها، حيث كان يشتغل في ظل دستور 1996، الذي لم يكن يعطي مكانة واختصاصات هامة للوزير الأول كما اليوم، ورغم ذلك طبع هذا المنصب بقرارات ولمسة سياسية كبيرة، اصطدم فيها كثيرا مع الوزير القوي آنذاك، وزير الداخلية إدريس البصري، حينما قرر اليوسفي استغلال منفذ صغير في الدستور وجمع الولاة والعمال، الذين كانوا آنذاك يسمون “ولاة وعمال صاحب الجلالة” بمقتضى دستور 96 وليس دستور 2011، الذي نزع عنهم صفة “ولاة عمال صاحب الجلالة” وجعلهم موظفين تابعين لرئيس الحكومة.

مكانة الوزارة الأولى في عهد اليوسفي، بحسب شهادات مقربين عاشوا معه تجربة التسيير داخل “المشور السعيد”، يحكون أن ((مصالح هذه الوزارة في عهد اليوسفي، عاشت أنشط فترة في تاريخ المغرب))، إذ أن مقر هذه الوزارة بمكاتبها ومرافقها كانت تستمر فيها الحركية والنشاط والعمل يوميا حتى منتصف الليل بحضور عبد الرحمان اليوسفي ومستشاريه وزواره، وتشرع في اليوم الموالي باكرا كذلك.

هذا الاشتغال اليومي من الصباح الباكر حتى منتصف الليل من طرف اليوسفي، جعله يصاب في فترات متعددة بإرهاق وبوعكات صحية، وأحيانا بغيبوبة في النوم (كما حصل له في رحلة رسمية إلى الهند، حيث غرق في نوم عميق حتى أرعب مسؤولي الهند، خوفا من أي مكروه قد يكون أصاب القيادي المغربي والدولي البارز).

حقوق الإنسان والدبلوماسية الحكومية

الراحل عبد الرحمان اليوسفي، كان وزيرا أولا سياسيا بمعنى الكلمة، وزيرا حداثيا وديمقراطيا لا يدير الأزمة والروتين اليومي بحياد، أو يترك جل القطاعات للوزراء التكنوقراط كما يحصل اليوم، بل كان يشرف على كل صغيرة وكبيرة في الحكومة، ولا سيما في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، مما جعله وزيرا سياسيا بامتياز فرض سياسته الحقوقية على الوزير البصري.

اهتمام اليوسفي بحقوق الإنسان، جعله يفرض القيادي التجمعي، محمد أوجار على رأس وزارة حقوق الإنسان، بعدما رفضوا أن يكون اتحاديا على رأس هذه الوزارة، فشجع اليوسفي اسم أوجار ابن المنظمة المغربية لحقوق الإنسان.

مبادئ اليوسفي الحقوقية، لم تكن شعارات في الحكومة، بل كانت خطوات عملية فرضها القائد الاشتراكي من خلال إصراره على فتح المغرب لأول مرة الباب لمنظمة “أمنيستي” لتنظم مؤتمرها بالمغرب وسط صراع قوي مع إدريس البصري آنذاك، بل إن النزعة الحقوقية لديه جعلته يصر على مشاركة وزارة حقوق الإنسان في كل الأنشطة والأوراش والبرامج والندوات التي كانت تنظمها، كما كان يصر على الحضور الشخصي لهذه اللقاءات، في إشارة منه إلى أولويات حقوق الإنسان والديمقراطية في تدبيره لشؤون حكومته “السياسية” رغم كثرة الأحزاب، ذلك أن إيمانه بقضايا حقوق الإنسان في شموليتها، جعله يبصم على ملف ضخم ويسوي وضعية آلاف المتضررين منه، وهو ملف عودة المطرودين لأسباب سياسية أو نقابية إلى وظائفهم، وتعويضهم ماديا على جميع السنوات التي حرموا خلالها من أجرتهم.

وفي مجال الدبلوماسية المغربية الرسمية، فقد استغل اليوسفي تاريخه ورمزيته النضالية، ليعزز حضوره الشخصي وحضور المغرب وسط الكثير من الدول اليسارية أو الدول النامية أو المنخرطة في منظمة دول عدم الانحياز، حيث أصر اليوسفي على القيام بأسفار متعددة ومكثفة لمختلف قارات العالم، بناء على دعوات شخصية للزيارة أو لتمثيل الملك، لم يقم بها من جاء بعده، سواء جطو أو الفاسي أو بن كيران أو العثماني اليوم.

ومن الأشياء كذلك التي بصم بها اليوسفي مسار رئاسته للحكومة، هي العلاقة الإيجابية مع وسائل الإعلام المغربية، حيث كان يخصها على طول الوقت بالتصريحات والحوارات، بل كان يصطحبها في جميع زياراته المتعددة إلى خارج أرض الوطن، كتشريف منه للإعلام المغربي المكتوب والمسموع والمرئي.

مغادرة اليوسفي للحكومة، كانت أصعب فترة في حياته، ليس بسبب فراق “الكرسي”، بل بسبب الطعن الشديد الذي تعرض له من تحالف سري وقع بين الاستقلاليين ورفاقه الاتحاديين، حيث كاد أن يصاب بأزمة قلبية على إثره، حين علم بجلوس الاتحاديين والاستقلاليين سرا مع جطو، وترتيب دخولهم إلى الحكومة، وهو لا يزال يدافع عن المنهجية الديمقراطية، ويستعد لرئاسة الحكومة من جديد، فغادر صامتا متألما، وأقسم أن يسكت بعدها، مما جعل الكثير من الغموض لا يزال يسيطر على تاريخ حكومة التناوب، بل غموضه وصمته سيستمر حتى في جنازته في زمن الحجر الصحي، حيث كانت أجمل صدفة ربانية هي ((رحيل اليوسفي في زمن كورونا، حيث الرحيل الهادئ البعيد عن أعين آلاف المنافقين والفاسدين وتجار السياسة والانتهازيين والوصوليين الذين كان رحمه الله يتفاداهم كثيرا في حياته، فأبعدهم الله عنه في مماته)) يقول بعض “الفيسبوكيين”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق