بين السطور

بين السطور | العثماني وبيل غيتس وجها لوجه

بقلم: الطيب العلوي

من بين المواضيع الاجتماعية الأكثر تداولا ومشاركة في فترة “كورونا”، وخلال الليالي الرمضانية الأخيرة، التي غابت عنها هذا العام، التجمعات الروحانية للبعض، وجلسات التقشاب والتوتي للبعض الآخر: قصة بيل غيتس، الرجل الذي يعدّ من أغنى رجال العالم، بثروة تقارب 100 مليار دولار، حين وقف سنة 2015 محاضرا جمعا من الناس وقال: “لا تهتموا للحرب النووية أو الصواريخ، ارموا مستودعات الطعام جانبا، الملاجئ لن تحمي البشر من العدو القادم، العالم تحت رحمة فيروس، سيكون قاتلا إن لم نتجهز للمعركة”.

لم يكن بيل غيتس منشغلا بأجهزة الكمبيوتر فحسب، فرغم صراعه الطويل مع الملايين من قراصنة العالم، مبتكري الفيروسات التي طالما هددت مشاريعه وثروته، بمختلف محاولاتهم لسرقة مجهوداته العبقرية، وبينما كانت الدول تتغنى بالصناعات العسكرية، كان بيل أكثر انشغالا بصحة ساكنة العالم، وبكل الفيروسات التي تهدد البشرية، فالرجل أخذ على عاتقه، أكثر من مرة، محاربة الأوبئة أينما كانت، السيدا، الملاريا، إيبولا، الأنفلونزا، وشلل الأطفال، كما دعم البحث العلمي لمحاصرة أكثر من فيروس قبل أن ينشأ، منقذا بذلك حياة أزيد من عشرة ملايين نسمة، فبكل ما قدمه من خدمات طبية ولقاحات، يكون السي غيتس قد رصد 50 % من ثروته للأعمال الإنسانية، مخصصا بذلك 10 ملايين دولار فقط، كإرث لكل واحد من أولاده.

وكما يقال، “لا كرامة لنبي في قومه”، فبالرغم من كل التنبيهات التي أدلى بها، بدا بيل غيتس وحيدا في ميدان المعركة، وبقي ينتظر الحكومات والدول أن تتحالف، لكنها استمرت في تحالفها المعتاد.. التحالف من أجل ضمان التدخل السريع في أي حرب خلال ساعات، وتخصيص تريليونات الدولارات للصناعات العسكرية، ذات الميزانيات الضخمة: فثمن طائرة حربية واحدة من الجيل الخامس، كفيل بشراء أكثر من 7 آلاف جهاز تنفس متطور، وثمن حاملة طائرات حربية واحدة، يعادل تكلفة بناء أكثر من خمسمائة مستشفى فائق التطور، ومن شك فليبحث.. حتى جاء عام 2020، ليتضح أن ما قاله غيتس لم يكن عبارة عابرة، من شخص عابر، حيث حلّ بالعالم أجمع، واحد من الأوبئة، والذي عرّى عن الرؤى الخاطئة التي طالما انتقدها صانع مجد الكمبيوتر، ليضرب في كل مكان، ويكسر عظمة الدول(…)، ويذل استقرار الاقتصاد(…)، وبفضله أصبحت القدرات العسكرية مجرد خردة من بين الخردات، واتجاه اختيار الفيروس في الضرب تنازلي(…)، ونحن المغاربة، نحمد الله أن أرقامنا، واقتصادنا، وقوتنا “على قد الحال”، إذ لولا ذلك، لفتك بنا الفيروس فتكاً.

فبعد “كورونا”.. فطنت الدول العظمى لتحذيرات بيل غيتس، لكونها تضررت أكثر منا، أما نحن، فلسنا معنيين بالأمر، ولحسن الحظ، تبقى المقاربة الوحيدة التي يمكن أن تجمعنا بهذه القصة لحد الآن، هي تلك التي فرضتها الصدفة، لنتعرف على بعد نظر كل واحد منا: فإذا كان بيل غيتس، الذي رغم أنه معروف بـ”الرجل الذي يفعل قبل أن يقول”، قد تنبأ وحذر من قدوم “كورونا” 5 أعوام من قبل، فنحن المغاربة لن ننسى، رغم مرور الزمن، أن رئيس حكومتنا، أستاذنا الدكتور العثماني، ذي التكوين العلمي، “قال قبل أن يفعل”، وخمسة أيام بعد قدوم الفيروس: “الإصابة بهذا الفيروس ليست خطيرة، معندكوم مناش تخافوا، ما تحتاجوا لا كمامة ولا والو، هادشي غي بحال الرواح…”

الفرق شاسع، فسجل يا تاريخ.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق