الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | هل تعرفون: بّا حنّا؟

التزام مصطفى العلوي مع قرائه مستمر :
يواصل طاقم «الأسبوع الصحفي» النبش في مقالات «الحقيقة الضائعة»، التي تركها مديرنا الراحل قيدوم الصحفيين مصطفى العلوي ولم تنشر من قبل، وحتى يتسنى تقديمها في أفضل حلة، ترجع جريدة «الأسبوع الصحفي» بقرائها إلى أرشيف ركن «الحقيقة الضائعة» في انتظار إعداد مجموعة جديدة أخرى من المقالات لنشرها في هذا الركن.
بقلم: مصطفى العلوي

  تروي الأسطورة الشعبية، أنه في بداية هذه الألفية.. كان سكان إحدى القرى البحرية.. وبالتحديد في بوزنيقة المنسية(…)، يتفرجون على ما فعلته الأيام القاسية بأحد جبابرة الأيام الخالية.. رمته الأقدار تحت الأنظار الفضولية، فأصبح درسا تلوكه الألسنة المتدلية عن انتقام الزمن بطريقته العادية.

ولنخرج من هذه القافية.. لننزل إلى رمال بوزنيقة ونبحث في القضية التي وصلت إلى الرباط، في السويقة، والحقيقة أنها قصة كقصص “كليلة ودمنة”، ولكنها لا ترجع إلى آلاف السنين.

فالوزير الراحل، المغبون، الذي على بالكم.. كان قد تلقى درسا بسيطا وغريبا.. وكأن الزمن أبى إلا أن يلقنه نموذجا بسيطا من العقاب، وإن كان درسا تافها فإنه كان نوعا من أتعس أنواع العذاب.

فالمعروف عن صاحبنا، ولم يكن كذلك على الإطلاق، لأنه عندما كان “فوق.. جدا” اختار أن يناصبنا العداء، فقلنا له ذات زمان: “يا صاحبنا.. السجن أحب إلينا من صحبتك” وهذا ليس هو صلب الموضوع.

المعروف عنه إذن، أنه كان مستأسدا علينا مزمجرا عليكم.. كان كما كنتم تعرفون، يأمر أكثر من صاحب الأمر(…)، وينهي عن إمتاع الناس بحقوقهم، والكل يخافه ويهابه، إلا أنه كان في عمقه الذي لا يخاف أي شيء، جبانا أمام البحر.. وحده.. يخشاه ويخافه.. يهاب اليم ويرهب الغرق.

فلم يكن يجرؤ على خوض أمواج بوزنيقة ولا غيرها من الشواطئ، إلا إذا كان معه أحد صيادي المنطقة.. شخص ضخم، وسباح ماهر.. لا يأمن صاحبكم البحر إلا إذا كان بجانبه.

وكان الصياد المرافق البحار يزهو أمام بحارة المنطقة بأنه الحارس الخاص للوزير القوي، ضد أمواج البحر، وبصيغة أخرى، صنف من “الحاج الكارد موج”.

وقد طال الزمن، وسكان الشاطئ، كلما رأوا “الكارد موج” بزي السباحة، يعرفون مسبقا أن الوزير المهاب آت لخوض غمار البحر.

وبعد أن دار الزمن وأدبر عن الوزير المغبون، وعبس في وجهه وتولى، بدأ صاحبنا الصياد المرافق الخاص في البحر، يحك قفاه كلما نادى عليه السي إدريس، إلى أن كان هذا الصيف المعنفج، فنادى عليه مرة، أن تعالى ننزل للبحر.. ليجيبه الصياد المرافق: قولو لو، وهو يتكلم بصيغة الغائب المجهول، أنا عيان.. قولو لو بالعربية نتاع تاعرابيت، بأنني لن أنزل معه.. وأضاف: وماذا طلع لي معه من ربح.. عندما كان في الأوج يوزع الكريمات.. ويقول المتتبعون لانتقامات الزمن الأزلية، أنهم لاحظوا أن الوزير الذي كان قويا في الأيام الخالية، تألم شديدا لهذه الجزئية، ومن يدري، ربما دخل لكابانونه الملكي.. وبكى سرا على هذه التقطيبة الشعبية.

أكيد أن أقبح أنواع العذاب التي يتعرض لها البشر، إذا لم يكن عذاب الضمير، هو ما يتعرض له بعد مجد أثيل من تنكر للأقرباء.. وتبدل للحال، وجفاء وهروب وصد ممن كانوا يطأطئون الرأس، ويقفون في باب البيت، الساعات الطوال، وهو حال تقاسمه في عز المجد، ومنتهى السقوط، صاحبنا وصاحبكم المُقال، مع شخص كان له شبيها في النفوذ.. وفي القرب من رئيس دولة يذكر التاريخ القريب أنه كان أقوى من القوة، كان يحكم في إطار خلافة ملكة سبأ.. نجاشي الحبشة هيلاسي لاسي، الذي لم يبق له في عز مجده إلا أن يتسلق أسبابا للوصول إلى السماء.. المعروف عنه أنه كان هو أيضا يأخذ أسقط الناس أخلاقا ومستوى، ليكلفهم بكبريات المهام لإهانة أولاد الناس والتنكيل بكل من يشعر في داخله بمقدار حبة خردل من الكرامة.

النجاشي هذا، هو الذي ابتدع وحده في تاريخ الظلم والجبروت، طريقة تصفيف الأسود والسباع عند الممرات المؤدية إلى جنابه، أثناء ساعات الاستقبال، فعندما يكون الوزراء أو السفراء أو كبار الدولة داخلين على حضرته، فإنهم يعبرون ممرات محصورة من الجانبين بأسود حقيقية مزمجرة.. فلا يصل الواصل إلى حضرة النجاشي حتى يكون الدم قد سلب من وجهه، وتبلّل سرواله.

وكان له رجل قوي نظير – سبحان الخالق الناطق – لصاحبنا وصاحبكم، في السفة والخصال، هو كل شيء في الدولة، اسمه “بّا حنّا”، كان أكبر تاجر في محيط النجاشي.. يبيع المناصب ويشتري الولاء له قبل الولاء للنجاشي، قال عنه أحد الكتاب البولونيين في كتاب يسمى “سيزاراز”، بأن ((“بّا حنّا كان يبيع في كل حفل رسمي، المجال البصري (يعني النظري هذه المرة) للنجاشي، فكلما كان أحدهم يريد أن يترقى لمنصب، ويتفق مع بّا حنّا، فإن هذا الأخير يوقفه في موقع لابد أن يقع عليه نظر النجاشي، والذين ينتظرون أو يعدون بالدفع ووعدوا بالتنصيب، يتم توقيفهم في مواقع قد يمر بها بصر النجاشي لحظة أو لحظتين.. وكل موقف يعرض صاحبه لنظرة النجاشي، فله ثمن معين، لتتم الصفقة الوزارية أو الإدارية، عندما يسأل النجاشي أمين سره “بّا حنّا” من هو ذلك الذي كان واقفا هناك)).

نفس الكاتب، ذكر رواية عن أحد المقربين، أن النجاشي كان كلما قرر التبرع على أحد بالمال، أمر “بّا حنّا” أن يفتح الحقيبة ويعطي المحظي كذا.. من المال. ولكن المتوصل بذلك المال، كان يجد عند خروجه وعبوره لمواقف السباع، ووجوده خارج القصر، أن القدر منقوص ومن أين له أن يتهم أمين السر “بّا حنّا” بأنه سرق له من ما أعطاه النجاشي.

هذا النجاشي الذي سمى نفسه يوما لفرط إعجابه بنفسه، ملك الملوك، تعرض بنفسه لغضبة الزمن كما تعرض لها أمين سره “بّا حنّا”، وهي من نوع نفس الغضبة التي تعرض لها وزيرنا السابق في بداية هذا الموضوع.

ولكن “بّا حنّا” تعرض لما هو أشر وأقبح.. فقد رماه الزمن، لكن أسابيع قليلة فقط، بين أيدي أولئك الذين سلبهم، وباع لهم المناصب، واستولى لهم على الأراضي، وأهانهم، واستهان بهم وعذبهم.

ولهلا يوريكم(…) كما يقول المنطق الشعبي، ذلك المصير الذي لقيه “بّا حنّا” وهو الذي كان يمر أمام سباع النجاشي دون أن تساوره لحظة خوف.. ربما كان هو أيضا يخاف البحر.. ولا يسبح إلا برفقة مرافق.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق