تحليل إخباري

تحليل إخباري | المغرب بين صراع القوى العظمى وفشل منظمة الصحة العالمية

النتائج الأولية لجائحة "كورونا"

إعداد : سعيد الريحاني

 

    ((كانت المريضة ترقد في ردهة ذات الثمانية أسرة ويحيط بها مرضى من فاقدي الوعي أيضا، بينما قالت الممرضة أنها أسدلت الستائر وأطفأت أجهزة الإنذار.. توقف الفريق الطبي عن العمل والكلام لبرهة وجيزة، ووضعت خوانيتا (الممرضة) هاتفا بجانب أذن المريضة وطلبت من ابنتها أن تتكلم، وشغلت الموسيقى التي طلبتها أسرة المريضة، ثم أوقفت جهاز التنفس الصناعي، وقالت (الممرضة): “جلست إلى جانبها وأمسكت بيديها حتى فارقت الحياة”)).

((توفيت المريضة بعد أقل من خمس دقائق من إيقاف جهاز التنفس الصناعي، وقالت الممرضة: “رأيت أضواء جهاز المراقبة وهي تومض، ومؤشر دقات القلب وهو يستحيل إلى خط أفقي مما يشير إلى توقف القلب عن العمل”، ثم قامت الممرضة بإزالة الأنابيب التي كانت تعطى المريضة الراحلة بواسطتها الأدوية والعقاقير المهدئة، وكانت ابنة المريضة ما زالت تتحدث إليها وتدعو لها عبر الهاتف، ولكن خوانيتا رفعت الجهاز وأخبرتها بأن الأمر انتهى)).

هكذا وصف موقع “بي. بي. سي” عمل الممرضة خوانيتا، وهي رئيسة الممرضات في قسم العناية المركزة في مستشفى “رويال فري” شمالي لندن، ومهمتها الأساسية، وقف أجهزة التنفس الصناعي، ما يعني اختصار المسافة بين المريض والموت، وهو الأمر الذي يجعلها تقول: ((إن عملي مؤلم جدا.. أشعر في بعض الأحيان بأني مسؤولة عن موت المرضى)) (المصدر: موقعbbc  أبريل 2020).

هذا هو المشهد، وتلك هي النهاية الحزينة لمرضى “كورونا”، حيث يتكلف الفيروس بإيصال الضحية إلى باب الموت، ومن تم يرجع للبحث عن ضحايا آخرين، ولكن إذا كان هذا هو المشهد المتفق عليه بين أرجاء العالم، فإن حقيقة “كورونا” لم تكتشف بعد، بل إن انتشار هذا الفيروس كان عنوانا لفشل محتم لمنظمة الصحة العالمية.

وقد تأكد عمليا فشل منظمة الصحة العالمية في مواجهة تفشي انتشار فيروس “كورونا” عبر العالم، بعد سلسلة أخطاء ارتكبت، يبقى الزمان وحده كفيلا بتحديد ما إذا ارتكبت بحسن نية أم لا، ويتمثل أول هذه الأخطاء، في خطئها الفادح بقولها في البداية إن فيروس “كورونا” مرض لا ينتقل من إنسان إلى آخر، بالإضافة إلى تشكيكها لفترة طويلة في جدوى قرارات منع السفر في تقليل انتشار العدوى، قبل أن يتأكد عمليا أن فتح الحدود لتنقل المسافرين كان هو السبب الأول في انتقال الفيروس، كما أن من أخطاء المنظمة اعتبارها أن استخدام الكمامات يجب أن يقتصر على الأطقم الطبية، تماما كما كان يفعل رئيس الحكومة المغربي، قبل أن يبقى السبيل الوحيد لحماية المواطنين، هو تمكينهم من ملايين الكمامات لحماية أنفسهم من انتقال العدوى، علما أن منظمة الصحة العالمية كانت قد أكدت أنه لا يوجد أي دليل يثبت انتقال الفيروس عبر الهواء، ثم ظهرت دراسات تؤكد أن الفيروس يبقى عالقا في الهواء لعدة ساعات.

إن أخطاء منظمة الصحة العالمية هي التي دفعت رئيس أقوى دول العالم، دونالد ترامب، إلى اتهامها مباشرة بالتسبب في قتل المواطنين، وهو يهدد بقطع جانب التمويل الأمريكي عنها حيث قال بأنه ((وجه إداراته لتعليق تمويل منظمة الصحة العالمية))، وأضاف خلال مؤتمر صحفي، لخلية الأزمة الأمريكية بشأن جائحة “كورونا”، أن ((منظمة الصحة العالمية فشلت فى الحصول على المعلومات الكافية بشأن فيروس كورونا ونشرها بطريقة شفافة))، ثم أضاف: ((إن إخفاقات منظمة الصحة العالمية تسببت في وفاة الآلاف.. كان يمكن إنقاذ الكثير من الأرواح لو أن منظمة الصحة أرسلت مبكرا خبراء إلى الصين.. قدمت معلومات خاطئة حصلت عليها من الصين)).

اتهام منظمة الصحة العالمية بالتسبب في القتل ليس اتهاما سهلا، بل إنه يحمل في طياته دلالات خطيرة، حيث أن هذه المنظمة يفترض فيها حماية صحة المواطنين عبر العالم وليس تهديدها، فما معنى أن تدفع المنظمة الصحية العالمية البلدان إلى إبرام صفقات بالملايير لاقتناء عقار الكلوروكين باعتباره أقوى علاج لمواجهة مرض “كوفيد 19” ثم تأتي لتعلن عقب ذلك، عن تجميد العمل بهذا العقار لكونه غير فعال؟

 

رئيس منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس في ورطة غير مسبوقة بسبب “كورونا”

فقد أعلنت منظمة الصحة العالمية، يوم الإثنين الماضي، أنها علقت “مؤقتا” التجارب السريرية لعقار هيدروكسي كلوروكين، والتي تجريها مع شركائها في عدة دول، وذلك في إجراء وقائي، وأوضح المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم غيبرييسوس في مؤتمر صحفي عبر الأنترنت، أن ((هذا القرار يأتي بعد نشر دراسة، يوم الجمعة الماضية، في مجلة ذي لانسيت الطبية، اعتبرت أن اللجوء إلى كلوروكين أو مشتقاته مثل هيدروكسي كلوروكين للتصدي لـ”كوفيد 19″، ليس فاعلا وقد يكون ضارا)) (المصدر: وكالات).

هكذا.. وبدون أدنى مقدمات، تعلن منظمة الصحة العالمية تعليق الدواء الذي نصحت به هي نفسها بناء على تقرير أعدته مجلة، فماذا لو أن المجلة لم تعد تقريرا، ولم ينتشر في الصحافة العالمية، ليبقى أغلب الظن، أنه لولا هذا التحقيق لما تراجعت منظمة الصحة العالمية؟

وعن وصف هذا الدواء للمرضى.. يذكر أن مجلة “ذي لانسيت” كانت قد نشرت دراسة جديدة شملت 96 ألف مريض وخلصت إلى عدم فاعلية عقاري كلوروكين وهيدروكسي كلوروكين في معالجة المصابين بـ”كوفيد 19″ الذين يتلقون العلاج في المستشفيات، وأظهرت الدراسة أن هذين العقارين يفاقمان خطر الوفاة وعدم انتظام نبضات القلب.

بغض النظر عن الدواء، يمكن التساؤل عن مستقبل العالم بعد هذه الجائحة التي أوقفت عجلة اقتصاد الدول، ليطرح السؤال: هل تورط العالم في فخ الصراع بين القوى العالمية؟ وهو التساؤل الذي عبرت عنه الصحافة الدولية من خلال الحديث من جديد عن “فخ ثيوسيديدز”، وهو ((تعبير يطلق تاريخيا لوصف حالة تهديد أثينا – مهد حضارة الإغريق- من قبل قوة صاعدة (الصين في عصرنا الحالي) بإزاحة إسبرطة، وهي القوة المهيمنة (الولايات المتحدة حاليا) على الساحة الدولية، ومع الصعود الكبير في الاقتصاد الصيني خلال العقود الأخيرة، خرجت عشرات الدراسات المبشرة بحتمية الصدام المستقبلي بين الصين والولايات المتحدة، ودفعت جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) وتبعاتها المتسارعة، إلى توتر غير مسبوق في العلاقات بين البلدين، وهو ما يراه البعض تطورا طبيعيا في ظل طبيعة أهدافهما المتعارضة)).

وأكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال مؤتمر صحفي في البيت الأبيض مساء يوم الخميس الماضي، أنه اطلع على أدلة تشير إلى أن معهد ووهان المتخصص في الفيروسات، هو مصدر فيروس “كورونا”، مضيفا: ((لا أفهم كيف منعت الصين الدخول والخروج من بعض المدن، وسمحوا باستمرار الانتقال عالميا من وإلى الصين)).. بالمقابل، دفعت الاتهامات الأمريكية، وزارة الخارجية الصينية، للرد على لسان المتحدث الرسمي باسمها، جينغ تشونغ، بالقول: ((على الولايات المتحدة أن تدرك أن عدوها هو الفيروس وليس الصين، وعليها التركيز على مكافحة انتشاره داخل حدودها بدلا من إلقاء اللوم على الصين)).

إن الحديث عن مواجهة عالمية، تمهد لها جائحة “كورونا” ليس سوى واحدا من الأثار التي قد يجد المغرب نفسه في خضمها، حيث يتعين على السياسة المغربية الرشيدة أن تأخذ بعين الاعتبار تطورات فيروس “كوفيد 19” من كافة الجوانب، فربما تكون المبالغة أقرب أبواب الإفلاس، لا سيما بعد ظهور مؤشرات عالمية للتعايش مع الفيروس، وبالتالي، الشروع التدريجي في رفع الحجر على المواطنين، وهو ما تم الشروع فيه عمليا في المملكة، لكن الحيطة والحذر تبقى واجبة، لأن “كوفيد 19” يبقى أكبر وأخطر فيروس، فيما يتعلق بالدعاية الإعلامية التي حظي بها.

إن أحد أخطر التحديات التي يواجهها بلد مثل المغرب، هو ضرورة حماية اقتصاده الوطني بعد الجائحة، حيث ينتظر أن يتفاقم الصراع العالمي بين العملات، لذلك، يجب مواكبة الدرهم المغربي في بداية سباحته في عالم التعويم بإجراءات صارمة لحماية الاقتصاد الوطني، لحمايته، طالما أن هذا البحر يهدد أقوى العملات العالمية.

تتمة المقال بعد الإعلان

تعليق واحد

  1. موضوع جميل فيه كل التناغم مزيدا من العطاء أخي سعيد الريحاني صدقني كنت اشتري الأسبوع ولا زلت كدلك لأني كنت انتضر مقالات الأستاذ الكبير وقيدوم الصحافة المرحوم مصطفى العلوي تغمضه الله برحمته وكنت كلما قرأت لك موضوع آلى فهمت معناه شكرا لتدكير احبك في الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق