المنبر الحر

المنبر الحر | الكرة الذكية واللعب الغبي

بقلم: نورالدين الطويليع

    نزل الفريقان إلى أرضية الملعب الذي امتلأت مدرجاته عن الآخر بالجمهور، تعالت الهتافات المشجعة لهذا الفريق أو ذاك، ودخل المشجعون في حمأة صراع تبادلوا فيه شتى أنواع السب والشتم، ووصل الأمر إلى الاعتداء الجسدي على بعضهم البعض في الوقت الذي انطلقت فيه المباراة، ولم يعر اللاعبون ما يجري في المدرجات أي اهتمام، وصرفوا عنايتهم كلها إلى اللعب، وإلى الجري وراء الكرة، والتفكير في الجائزة المخصصة للفائز، وهي عبارة عن أجرة شهرية مدى الحياة، تقدر بملايين السنتيمات.

منذ البداية، بدت كفة الفريق الأول راجحة، راوغ لاعبوه، حصنوا دفاعهم، احتفظوا بالكرة، تسللوا إلى مربع العمليات بتغافل من الحكم، سجلوا مثنى وثلاث ورباع بطريقة غريبة لم يشهدها عالم الكرة من قبل، كانت الكرة، وبمجرد ما يلمسها أحدهم، تنطلق مدوية صوب الشباك كما لو قذفتها فوهة مدفعية، فيما انهار الفريق الثاني، وخارت قوى لاعبيه الذين تساقطوا تباعا بعدما أتعبهم الجري وراء كرة كلما اقتربوا منها كلما تدحرجت بعيدا عنهم.

انتهت المباراة بفوز ساحق للفريق الأول الذي احتفل أنصاره بالانتصار، ورددوا الآية القرآنية: ((وما رميت إذ رميت، ولكن الله رمى))، واعتبروا ما حصل نصرا إلهيا مؤزرا، وذهب بعضهم بعيدا حينما قال إنه شاهد الملائكة في أرضية الملعب، وهي من رمت وسجلت.

انصرف الجميع، وتسلم الفائزون جوائزهم المليونية، وأعلنوا اعتزال اللعب، وتواروا عن الأنظار، وقطعوا صلتهم بجمهورهم الذي انقسم ما بين مستمر في مناصرة الفريق الذي لم يعد فريقا، وما بين معلن سخطه وتذمره وندمه على ما أضاعه من وقت في مساندة لاعبين يفتقدون إلى خصلة الوفاء لجمهورهم.

مرت سنوات، وفي حديث تلفزيوني عابر، قال منظم الدوري أن تلك المباراة لم تكن سوى مباراة فلكلورية، واعترف باستخدام كرة ذكية، كان تسييرها من غرفة عمليات خارج الملعب، وكان المسير يوجهها صوب رجل لاعب الفريق الأول، وبمجرد ما كان يحاول هذا الأخير قذفها، كانت آلة التحكم عن بعد تمارس فعلها في تمرير الكرة، وفي التصويب صوب الشباك، وأضاف هذا المشرف، أنه جرى وضع مخدر فعال في وجبة الغذاء للاعبي الفريق الثاني، ولذلك انهاروا تماما. وختم كلامه قائلا: “نحن من نصنع نتائج المباريات، ومن تعتبرونهم لاعبين، ليسوا سوى كومبارس يؤدون الدور الذي نريد بالطريقة التي نبتغي، ثم ننهي مشوارهم، ونرسلهم إلى دكة الاعتزال، ليتركوا المجال للخلف، وليستمر اللعب والتشويق، ويتجدد الجمهور، وتتناسل الانتظارات والتكهنات”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق