الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | الرجال الأقوياء يموتون في تصفية الحسابات

التزام مصطفى العلوي مع قرائه مستمر :
يواصل طاقم «الأسبوع الصحفي» النبش في مقالات «الحقيقة الضائعة»، التي تركها مديرنا الراحل قيدوم الصحفيين مصطفى العلوي ولم تنشر من قبل، وحتى يتسنى تقديمها في أفضل حلة، ترجع جريدة «الأسبوع الصحفي» بقرائها إلى أرشيف ركن «الحقيقة الضائعة» في انتظار إعداد مجموعة جديدة أخرى من المقالات لنشرها في هذا الركن.

بقلم: مصطفى العلوي

  خلال منتصف سنة 1995 مات في مدينة كان بفرنسا واحد من الذين لعبوا دورا كبيرا في التاريخ السياسي العالمي والمغربي، السري(…) وكان شغله كله أسرار ومخابرات ومؤامرات وانقلابات.. فكانت حياته بدون شك خليقة باهتمامنا نحن المغاربة، وقد كانت يده تحرك مكامن الأحداث في وسطنا.. وإن كانت يدا سحرية لا عين تراها ولا أذن تسمع حسيسها.. فكيف يموت هذا الرجل، ومع الأيام، تدفن معه الأحداث التي عيَّشها لنا، فتنساها الأجيال وتصبح في خبر كان، كخطوة لأن يصبح سردها في زمن مستقبل، ضربا من الخيال.

حقا، إنما كل شيء يقال.. وإن هذا الرجل الذي مات.. ولكن عمله لم ينته، لأنه ترك بصماته على حياتنا السياسية، لم نسمع عنه في آخر أيام حياته إلا أنه كان عضوا في “الأكاديمية المغربية”، مثلما لم يعلن أن وفدا من الأكاديمية ذهب لحضور جنازته والترحم عليه، دون أن يذاع الخبر طبعا، لأن حياة الرجل ومماته كانت سرا من الأسرار.

ويتعلق الأمر بخبير المخابرات وقطب الانقلابات “الكونت دومارانش”، الذي كان الفرنسيون يسمونه الرجل الخفي، والذي قضى ربع قرن في التربع على عرش المخابرات دون أن يستطيع أي صحفي لا في فرنسا ولا في أي ناحية من العالم، التقاط صورته أو نشرها، ولم تنشر صوره الأولى إلا بعد أن حصل على التقاعد(…)، وأصبح عضوا في الأكاديمية المغربية.

“دومارانش” نفسه كتب عن نفسه، فقال: ((نحن رجال المخابرات.. تكون نهايتنا دائما سيئة(…)))، وإن كانت نهايته عبارة عن موت بطيء في قصر جميل، على ضفاف البحر الأبيض المتوسط وسط “كان” مدينة السينما والحسناوات، فهل كانت موتا سيئة رغم جمال الظروف التي أحاطت بها، أم أن ذلك الجمال لم يحل بين “دومارانش” وبين الموت، وربما كان سوء مصيره المحتوم – حسب قوله- ناتجا عن سكوته عن الإفصاح عما عمله.. أو الظهور بمظهر الصديق الوديع أمام الذين فشلت أجهزته البشعة في تصفيتهم.

وقد كانت النقطة الغامضة في حياة “دومارانش”، قطب المخابرات الفرنسي، هي صداقاته القديمة التي ربطته في ميدان الحرب العالمية الثانية في إيطاليا، حيث تعرف على قطب آخر من المهووسين بالسرية والمخابرات، أوفقير، الذي أقسم “دومارانش” أنه ((لم يره قط منذ الحرب الإيطالية، إلا أسبوعا واحدا قبل 16 غشت 1972(…)))، حيث اجتمع به أوفقير في لندن على موعد مسبق(…)، وجلس الرجلان في نادي كبار رجال المخابرات الذي تخرج منه كل الرجال “الجيمسبوندات”، والذي لازال إلى الآن شامخا في لندن، ويسمى “تورف كلوب”، وحيث خاف الرجلان أن يسمعهما رجال مخابرات آخرون(…) أو يتجسسوا عليهما، فخرجا مشيا على الأقدام، يقطعان المائة خطوة رأسا لرأس.. إذن، فقد اتخذت كل الاحتياطات إلى أن دخلا منفردين لنادي إنجليزي تقليدي، اسمه “سبمسون أون ذي ستراند”، وهو مطعم أيضا، تقدم فيه قطع اللحم المشوية على صحون من الفضة الخالصة، لكن الرجلين فوجئا في داخل النادي بوجود السفير الأسبق للمغرب في باريس، محمد الأغزاوي، الذي كان أول مدير للأمن في المغرب، إذن، بقيت له ارتباطاته الأمنية، ولكن الرجلين، بعد أن أعطيا لسي محمد الأغزاوي حقه من الأدب والمجاملة، صمتا.. إلى أن خرج الأغزاوي، فبدأ أوفقير يحكي له عن تذمره من المغرب، ويحكي له أشياء خطيرة(…).

طبيعي أن “دومارانش”، وكان وقتها مدير المخابرات الفرنسية العالية المستوى، قد بلغ النوايا السيئة للمسؤول المغربي إلى أقطاب حكومته الذين أسندوا إليه إدارة المخابرات العالمية الفرنسية، إذن، كان بإمكان الذين أًبلغوا، أن يخبروا المغرب في تلك الفترة التي كان يوجد فيها رمز المغرب المستهدف بفرنسا.. وكان هذا هو أضعف الإيمان، خصوصا وأن أخبار “دومارانش” بما سيجري قبل أسبوع من 16 غشت.. يعتبر مؤشرا كافيا لاتخاذ الاحتياطات كلها، لتفادي الكارثة بالنسبة للمغرب: لولا أن الله تولى الباقي، فكان جحيمه بردا وسلاما عليه.. إلا أن أي شيء لم يكن.

وبعد ذلك، وبعد أن جرى ما جرى، وكانت الأقدار الإلهية أقوى من أوفقير و”دومارانش”، سارع “دومارانش” للاتصال بسفير المغرب في باريس، يوسف بلعباس ((واستدعيته ليجيء عندي))، ليخبره استغرابه من الشكوك التي تحوم في المغرب حول علمه بما كان يدبر ضد النظام.

((وأمر السفير بلعباس بالتوجه إلى الرباط لإبلاغ رسالته..))، وبالكثير من المغالاة، كتب “دومارانش” في مذكراته أنه ((أمر مصالحه(…) بمراقبة السفير بلعباس، ومعرفة الساعة التي سيتوجه فيها من باريس إلى الرباط))، وهكذا تظهر قوة الرجل ونفوذه.

قوة الرجل تظهر في تبرئة نفسه أيضا، بعنف، حينما كتب في نفس المذكرات، بأنه لم يشارك في تحضير العملية، مضيفا: ((ولو كنت شاركت فيها، لما كانت العملية قد فشلت)).

وغريب أن الأيام كذبت “دومارانش” سنوات قليلة من بعد، حينما شارك في محاولة تصفية العقيد معمر القذافي، وأكد بنفسه أنه في فاتح مارس 1978، اجتمع بالسادات، الرجل الذي يقول عنه “دومارانش” ((إنه فلتة من فلتات الزمن، ورجل من الرجال الذين يريد الزمن أن يرسلهم بين الوقت والآخر(…))).

وطلب السادات من “دومارانش” الخبرة التقنية والعلمية لتصفية الرئيس الليبي، ولكن “دومارانش” أجاب السادات بأنه ((لا يوجد على رأس عصابة من القتلة)) مضيفا أن الذين يريدون تصفية القذافي، عليهم أن يكونوا بجانبه، وأنه لتحقيق هذا البرنامج(…)، لابد من أن تكون للمنفذين سحنات سكان المدينة التي سينفذون فيها عمليتهم، وبصريح العبارة، يقول “دومارانش” للسادات ((إن عندك 250 ألف مصري في ليبيا، سحناتهم تقارب سحنات الليبيين)).

إذن، فقد أعطى “دومارانش” الحل للسادات، ولكن كان العكس، ومات السادات مقتولا.. وبقي القذافي، ومات “دومارانش”.. ولم يذع المغرب خبر موته.

تكمن خطورة الرجل “دومارانش”، في أن كل لحظة من لحظات عمره، هي درس لنا نحن المستضعفين في الأرض، أفرادا ودولا وجماعات، ولم يكن من الظلم وصفه بأنه كان “الخبير في شؤون الانقلابات”، ونحن لازلنا شهودا على أن النظام العالمي الجديد، جدد كل شيء، إلا أسلوب السيطرة على الأجهزة الخاصة، التي لازالت تلجأ إلى العادة القديمة(…)، عادة الانقلابات..

وها هو “دومارانش” نفسه.. قبل موته، يوصي بالحذر من “كارتر” الرئيس الكارثة (حرفيا) والذي قرر إسقاط الشاه(…)، ولكن مدير المخابرات الفرنسية السابق “دومارانش”، يعترف بأنه لعب دورا مزدوجا في خدمته لشاه إيران.

فمن جهة، يعترف: ((لقد شاركت في اجتماع بالولايات المتحدة، عقدت جلساته لدراسة موضوع: كيف يجب إبعاد شاه إيران، وبمن يجب تعويضه))، ومن جهة أخرى، يعترف: ((لقد اتصلت بالشاه وأعطيته أسماء الذين كانوا يخططون للإطاحة به)).

وغير بعيد من هذا الولاء المزدوج للرجل الغامض، نجده يذكر بممارسته لما أسماه “فلسفة العرب” المبنية على أساس ((قبل اليد التي لا تستطيع قطعها)).

وإذا كان هناك من (إخلاص) بين قوسين، و(ولاء) من طرف “دومارانش” تجاه الشاه، فإنه أكيد أنه ينطلق من كراهيته للإسلام.. حيث يقول ويردد: ((إن العدو الحقيقي للغرب، هو التطرف الإسلامي))، ثم إنه يصف الخميني بأبشع الأوصاف.

ورغم ذلك، يظهر أن “دومارانش” حاول المسير ضد التيار، فكان ينبه صديقه الشاه إلى أن منظمة “السافاك” هي منظمة فاشلة، وأن تعاملها على طريقة “الكيسطابو” ناتج عن فساد تركيبتها، حيث أن المسؤولين عنها ((يأخذون بوليسا من الدرجة الثانية ويكلفونهم بأعمال المخابرات))، وأن رئيس “السافاك”، الجنرال الناصري، كان غبيا لا يفقه شيئا في المخابرات، بدليل أنه عندما أبعده الشاه سفيرا في أوربا، وجاء الخميني، توجه عند الخميني ليتعاون معه، ويبيع له الملفات(…)، لكن الخميني أعدمه.

ويحكم “دومارانش” على مصير الشاه، بأن ((نهايته كانت نتيجة مخالفته لسيرة أبيه الكولونيل مؤسس الدولة.. والذي تقول الأسطورة أن أي أحد لم يكن يستطيع أن يخفي عنه الحقيقة، أما الشاه، فلا يوجد أحد يستطيع أن يقول له الحقيقة))، و((الشاه الذي كان رجلا عظيما مطلعا على كل ما يجري في العالم، لم يكن على اطلاع بما يجري داخل بيته)).

دائما يكشف “دومارانش” عن العيوب التي تخرب الأجهزة العربية والإسلامية، وينوه بمبادرة الضابط المغربي الذي أخبره الحاج المغربي، بأن “دومارانش” يعتقد أنه لو لم يكن هذا الاتصال، لكان الأمر أخطر بكثير..

هكذا نرى أن “دومارانش” الذي كان عضوا في الأكاديمية المغربية، كان شاهدا على أهم الأحداث التي طبعت بعنفها المرحلة السابقة من تاريخ الأمة العربية والإسلامية؟ ((لقد كانت مهمتي هي حماية المغرب ضد كل عدوان خارجي)) يقول “دومارانش.. ولكنه عندما كان يتحدث عن أقطاب الأمن المغربي، الذين كانوا على اتصال معه، وكانت أسماء بعضهم تبعث الاصطكاك في ركب الشعب المغربي، فإن “دومارانش” يرى نظرة أخرى فيما يتعلق بمصير أولئك الأقطاب(…)، ويعزو المصير الذي تعرض له بعضهم إلى أن ((عظمة نفوذهم.. وقوة مهامهم جعلتهم يضاعفون عدد أعدائهم..))، محاولا أن يترك للتاريخ، أن بعض الذين ذهب ريحهم، وبقيت خلفهم الشبهات والشائعات، إنما ماتوا نتيجة تصفية حسابات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق