تحليل إخباري

تحليل إخباري | هل يندم المغرب على الالتزام بالحجر الصحي بعد الخسائر الاقتصادية الفادحة؟

مؤشرات توجه دولي للتعايش مع "كوفيد 19"

إعداد : سعيد الريحاني

    لم يكتشف بعد أي علاج لفيروس “كورونا”، ومادمنا نتحدث عن “لقاح”، فإن الأمر لن يتم بسهولة، لأن بعض اللقاحات تحتاج لسنوات من التحضير والتجريب قبل الشروع في استخدامها(..)، ولكن أغلب دول العالم استنجدت بـ”الحل المتوفر”، وهو فرض الحجر الصحي على المواطنين، ومنعهم من الخروج حتى لا يصابوا بالداء الفتاك، والمغرب ليس سوى واحدا من البلدان التي طبقت بشكل استباقي توجيهات “الابتعاد الاجتماعي” منذ 20 مارس الماضي، ومازال العاطي يعطي إذا استمرت الدولة في نفس المقاربة.

فبغض النظر عن رئيس الحكومة الذي أكد في خرجة إعلامية أنه لا يملك الحل، فإن تصريحات الناطق الرسمي باسم الحكومة، سعيد أمزازي، لا تبعث على التفاؤل، بعد أن قال في الاجتماع الأخير للجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب: ((اليوم يجب أن نتعود على التعايش مع فيروس كورونا لمدة عام، لأن المناعة المجتمعية لم يتم اكتسابها بعد))، وأضاف: ((لا شيء يؤكد أننا في شتنبر لن نسجل عددا من الحالات وكذلك بعض البؤر)).

تصريح أمزازي، الذي يشير فيه إلى شهر شتنبر، هو تلميح لإمكانية استمرار العمل بمبدأ الحجر في الوقت الذي أصبحت فيه دول أخرى تتجه نحو التخفيف من هذه الإجراءات الخانقة للمواطنين والاقتصاد(..)، فقد دفع “خطر الانهيار” دولة مثل فرنسا، إلى المصادقة على الشروع التدريجي في رفع الحجر المنزلي، بناء على ثلاث قواعد، هي الحماية، وإجراء الفحوصات، والعزل، علما أن رفع إجراءات العزل المنزلي بشكل تام مشروط بتسجيل أقل من 3000 إصابة بفيروس “كورونا” يوميا، حسب ما أكده رئيس الوزراء إدوار فيليب، الذي أكد إلزامية حمل الكمامات في وسائل النقل العمومي، وإعادة فتح كل المتاجر باستثناء المقاهي والمطاعم، مبرزا أن فرنسا ستبدأ تدريجيا في استعادة حياتها الطبيعية.

تخفيف الحجر المنزلي لم يقتصر فقط على فرنسا، بل إنه امتد لبلدان أوروبية موبوءة بشكل أكبر، ففي إيطاليا التي كان يموت فيها الناس بالآلاف جراء تفشي فيروس “كورونا”، تم طي الصفحة، ليعود الناس إلى عملهم بعد ما يناهز 3 أشهر من الحجر، فقد ((عاد الموظفون إلى العمل، كما أعيد فتح المقاهي والمطاعم والمحال التجارية وصالونات الزينة للنساء، وفتح الفاتيكان أبوابه أمام الزائرين في روما.. وقالت الصحافة إنه في الـ 3 من يونيو، سيتم فتح الحدود أمام بلدان الاتحاد الأوروبي، أما في الـ 15 من يونيو، فسيتم فتح دور السينما والمسارح مع الحفاظ على مسافة الأمان بين الأفراد، وأقرت الحكومة الإيطالية، أنه من المستحيل الانتظار حتى إيجاد مصل أو لقاح لكوفيد-19، لما سيسببه الحجر الصحي من انهيار اقتصادي)) (المصدر: وكالات).

هكذا يبدو أن رفع إجراءات الحجر المنزلي لا مفر منها، وأن المقاربات الحكومية التي تختبئ وراء الحجر، قد لا تكون واقعية، وهذا ما يذهب إليه على سبيل المثال، الدكتور المصطفى كرين، رئيس المرصد الوطني للعدالة الاجتماعية، حيث يقول: ((إن مسألة رفع الحجر الصحي، مهما طال، هي مسألة حتمية، وكلما كان ذلك مبكرا، كلما كان أفضل للجميع، لأن هذا القرار يجب أن يأتي قبل فوات الأوان، حيث لا فائدة منه إذا ما أصبحت الأثار الاقتصادية والاجتماعية كبيرة وخطيرة، بل إن ذلك قد يدفع الناس، بسبب الضيق والحاجة، إلى العصيان وخرق الحجر بغض النظر عن النتائج، وإذا حدث ذلك، فسوف يؤثر لا محالة على هيبة السلطة ومستوى التجاوب المجتمعي مع قراراتها، خصوصا وأن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية – كما نعلم – عادة هي مشاكل طويلة الأمد، وتترتب عليها مشاكل أخرى ذات طبيعة سياسية أو حتى أمنية يطول حلها، بل وتبقى أثارها لعدة سنوات أو عدة عقود)).

ولا يقف كرين، وهو طبيب خبير، عند هذا الحد، بل إنه يقول في تصريحات صحفية أكدها لـ”الأسبوع”: ((إن مقاربة الحكومة حول شروط رفع الحجر، مقاربة غير واقعية، لأنها تنبني على ربطه بالحالة الوبائية والمعطيات الإحصائية، وأعداد المصابين والمنحنيات الوبائية، على أهميتها، في الوقت الذي تتفاقم فيه الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للوباء رغم المجهودات المبذولة، نظرا لمحدودية إمكانات المغرب التي تجعل الإجراءات التعويضية غير قابلة للاستمرار على المدى الطويل، والسبب في عدم واقعية المقاربة الحكومية في نظري هو أن أمد هذه الجائحة قد يطول، لأن تطور الوباء بشكل عام غير قابل للتوقع، نظرا طبيعة الفيروس وسلوكه المحير والاستثنائي، وقدرته على التأقلم، وبحكم أن ما نعلمه عنه أقل بكثير مما نعرفه، ويكفي بهذا الصدد الرجوع لتصريحات المنظمة العالمية للصحة التي أصبحت تعتقد أن هذا الفيروس سيصبح من الفيروسات المتوطنة، كما أن إمكانيات وآمال الحصول على لقاح في الأمد القريب قد تبخرت بسبب المميزات الجينية والسلوكية لهذا الفيروس كما أسلفنا)).

طالما أن الأمر كذلك.. فما هو الحل؟

ويؤكد نفس المصدر، أنه يجب ربط مسألة رفع الحجر الصحي بمدى الاستعداد لمواجهته، من خلال الاستعداد القبلي، أي الوقائي، من جهة لتفادي الإصابة أو التخفيف إلى أقصى حد من عدد الإصابات، وذلك من خلال توفير كل المعدات الوقائية من كمامات ومعقمات، ثم توفير وسائل التشخيص المكثف من خلال الرفع إلى أقصى حد ممكن من عدد التحليلات، ومن جهة أخرى، يجب الاستعداد البعدي، أي في حالة حصول الإصابة من خلال إعداد بنيات الاستقبال والتكفل عبر بناء مستشفيات جديدة ومتخصصة وتجهيزها وإدماج أكبر عدد ممكن من الأطر الصحية وتأهيلها وإطلاق مراكز للبحث العلمي ودعمها ومساندة الصناعة الدوائية الوطنية، وهي إجراءات جوهرية لم نسمع عنها شيئا من طرف الحكومة، حسب ما صرح به المصطفى كرين.

وتكمن خطورة نظام الحجر، في كونه إجراء جد مكلف بالنسبة للدول التي تعتمد عليه، فقد كشف وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، محمد بنشعبون، أن المغرب يخسر 100 مليار سنتيم يوميا، عن كل يوم من أيام الحجر، ليبقى عنوان الأزمة الكبرى التي قد تتحول إلى أزمة اجتماعية، في الأرقام الصادمة التي كشفها وزير المالية، والتي تقول أن عددا كبيرا من القطاعات المحركة للاقتصاد الوطني تضررت بشكل كبير، ففي قطاع التصدير مثلا، تراجعت صادرات السيارات بـ 96 في المائة في شهر أبريل، وصناعة الطيران بـ 81 في المائة، والإلكترونيك بـ 93 في المائة، والنسيج بـ 86 في المائة، كما تراجعت عائدات السياحة في شهر أبريل ليبلغ معدل الانخفاض على مدى 4 أشهر الأولى من سنة 2020، 15 في المائة، بالإضافة إلى تحويلات مغاربة العالم التي انخفضت بـ 30 في المائة خلال شهر أبريل 2020، و11 في المائة خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2020.

لا تقف الخسائر عند هذا الحد، بل إن الخسائر تبدو بأضعاف ذلك، إذا أخذنا بعين الاعتبار ما يصرفه صندوق جائحة “كورونا” (لحسن الحظ أنه موجود)، حيث أكدت المعطيات الحكومية أن ((الصندوق يخصص حوالي ملياري درهم شهريا، أي ما يعادل 200 مليار سنتيم، لصرف التعويضات المقررة لفائدة الأجراء الذين فقدوا عملهم بسبب تداعيات الجائحة، وتفيد المعطيات الرسمية للحكومة بأن الأجراء الموقوفين مؤقتا عن العمل، الذين استفادوا من التعويضات بعدما صرحت المقاولات التي ينتمون إليها بالضرر، بلغ عددهم 950 ألف أجير، ينتمون إلى ما يزيد عن 134 ألف مقاولة)) (المصدر: متابعة موقع هسبريس).

هكذا يتضح أن المغرب، وإن كان قد ربح رهان تقليص عدد المصابين بفيروس “كورونا”، رغم أن العدد وصل إلى أزيد من 7000 مصاب نتيجة الاستهتار، فإن حجم الكارثة الاقتصادية كان كبيرا، ليطرح السؤال عن مدى قدرة المغرب والمغاربة على تحمل التمديد في الحجر المنزلي، مرات أخرى، ويبقى الأمل معقودا على ما تضمنه البلاغ الأخير لوزارتي الصحة والداخلية، الذي أكد الشروع في تقييم دقيق للحجر، وضرورة إعطاء نفس اقتصادي جديد للمقاولات مباشرة بعد عيد الفطر، الأمر الذي يفهم منه، أن المغرب سائر لا محالة نحو تخفيف إجراءات الطوارئ الصحية، على غرار البلدان الأخرى التي سبقتنا في الانتباه إلى الضرر الحقيقي للفيروس(..).

تعليق واحد

  1. قرأنا المقال وانتظرنا الجواب عن السؤال : هل يندم المغرب على الالتزام بالحجر الصحي ؟ لكننا لم نجد الجواب عن هذا السؤال لكن يبدو أن المقال قد سار في اتجاه أن المغرب لم يندم ولن يندم لأن عدد الوفيات لم يتجاوز 200 يوم الاثنين 25 ماي 2020 مقابل 28457 وفاة في فرنسا وفي نفس اليوم ، إذن المغرب نجح لحد الساعة في اتباع خطة الحجر الصحي ولا يزال يدرس كيفية رفعه بالتدريج لأنه أصبحت له إمكانية فحص 10 آلاف حالة في 24 ساعة وهذا رقم مهم جدا في إطار الاستباق مع تفشي الفيروس المستجد … ولا ننسى أن وزارة الصحة ووزارة الداخلية قد خرجا بمشروع قرار سيتم به التخفيف من اللجوء إلى المستشفيات وتعويضها بلزوم الحجر المنزلي مع الالتزام بنظام صارم داخل البيت من حيث تناول الأدوية ولوازم النظافة ، ويبدو والله أعلم أننا سائرون في الخط السليم لأن النشاط الاقتصادي سيعود بالتدريج ( وقد عاد فعلا في قطاع إنتاج السيارات بشروط صحية صارمة داخل المصانع ) وسنتجاوز إن شاء الله هذه المحنة حينما سنتعايش مع الفيروس بشرط التزام شروط الحماية ( المسافة الضرورية بين الأفراد – الحرص على ارتداء الكمامة – النظافة المستمرة … الخ ) وذلك للذهاب نحو حل معادلة التعايش مع الفيروس والحفاظ على النشاط الاقتصادي لبلدنا …. وشكرا لصاحب المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق