المنبر الحر

المنبر الحر | رمضان بين العقلاء وفيروس الصياعة

بقلم: بوشعيب حمراوي

    بعد أن كنا نحارب التفاهة والسفالة والسفاهة التي يتم تسويقها عبر منصات التواصل الرقمي، وننادي بوقف تلميع صور روادها الذين لا رصيد علمي أو معرفي لهم، فقط يسعون إلى التموقع وتحسين أوضاعهم المالية باعتماد ما يجود به العالم الرقمي مقابل عدد المعجبين والمتتبعين الافتراضيين، وبعد أن أدركنا أنه لا بديل لنهضة البلاد وتنمية قدراتها سوى إعداد مواطنات ومواطنين عقلاء وشرفاء، يمكنهم الخروج بنموذج تنموي جديد، قابل للتحقيق على أرض الواقع.. بعد كل هذا، وجدنا أنفسنا أمام تفاهة وسفاهة من نوع جديد، وصياعة يقودها البعض ممن يعتبرون أنفسهم مثقفي وعلماء وعقلاء البلد، هؤلاء الذين كنا ننتظر منهم التبصر والتفهم والإبداع، والتلاحم والتضامن في زمن الحجر المنزلي، والعمل على إيجاد السبل والحلول المستعجلة لإبعاد السجان، وإطلاق سراحنا، إلا أنهم اختاروا التلاسن والتراشق فيما بينهم، وطرق أبواب القضاء، في مواضيع كان من الأولى أن تحل بالمواجهة العلمية والمناظرات والموائد المستديرة، لكنهم اختاروا شغل وإزعاج رواد منصات التواصل الرقمي بمواضيع تافهة، لا مكان لها في زمن “كورونا”، مواضيع تعطل أشغال الناس وتحد من تركيزهم في ما هو أهم.

أليس من العيب والعار أن يلجأ العلماء والمثقفون إلى القضاء من أجل الاحتكام أو الفصل في مدى صحة بحث أو فكر أو عقيدة أو وجهة نظر مخالفة لأفكارهم أو تكوينهم أو رؤاهم أو عقيدتهم؟ ألم يكن من الأجدر أن يجابهوا البينة ببينة مضادة، والحجة بحجة تنفيها، والقرينة بقرينة تعاكسها، فلا الطبيب يمتلك مفاتيح الطب والعلاج، ولا المسلم يمتلك مفاتيح الإسلام وأبواب الجنة والنار، ولا الملحد إن تواجد فعلا، يمتلك كل مبررات ومدارك الملحدين؟

لم تنقل يوما، حلبة التنافس العلمي والثقافي والديني، إلى العامية، ولم يسبق أن سوقت لتشغل الناس، ولم ترفع يوما إلى المحاكم والقضاة، بل كانت حلبات مغلقة بين العلماء والمثقفين ورجال الدين، تدار بمنطق العقل والروح، ولا يرى عموم الناس إلا ما تخلص إليه من اختراعات وإبداعات وفتاوي.. وطبعا، فالمثقف والعالم ورجل الدين كان دائما يؤمن بأنه إنسان، وأفكار ورؤى وتحليلات الإنسان قد تصيب أو قد تخيب، فحتى رائد شعر الخمرة بلا منازع، كان وجيها عندما كتب هذا البيت الشعري: قل لمن يدعي في العلم فلسفة ***  حفظت شيئا وغابت عنك أشياء.

قديما، كان عامة الناس يطرقون أبواب الحكماء والعقلاء، من أجل الاحتكام إليهم، قبل اللجوء إلى القضاء، لمعرفتهم بقيمة ومكانة حكماء وعقلاء البلد أو البلدة، وهم الحكماء والعقلاء لم يمنحوا لبعضهم البعض، فرص البحث والتنقيب والمناقشة والإقناع، ويطرقون أبواب القضاء في أمور كان بالإمكان تسويتها علميا أو معرفيا.

ألم يكن من الصواب، أن نصب نظرنا صوب ما يشغل المغاربة في زمن الحجر المنزلي والصحي، وصوب ما تفرزه بعض الجهات المعادية للمغرب، والتي توهمت أنه بإمكانها ضرب أمن واستقرار المغرب، بإطلاقها أسرابا من “الذباب الإلكتروني” أو تسليط ألسنة الخونة، لنسج الإشاعات والأكاذيب، أو حتى القيام بإحراق العلم الوطني، الذي يعتبر رمزا للشعب المغربي؟ لمَ لمْ تبادر تلك الكفاءات إلى مقاضاة هؤلاء الخونة داخل البلدان التي يحتمون فيها، والتنكيل بهم باسم القانون الدولي، والتعجيل بإحباط كل مخططات خصوم الوطن الدائمين، أو الذين انضموا إليهم بعدما رفض المغرب الامتثال لنزواتهم في الحجر على البلاد أو تسخيرها لقضاء مآربهم في تخريب الدول والتنكيل بالبشر؟ لماذا يصر بعض من يصنفون أنفسهم ضمن خانة المثقفين والعلماء على مضاهاة الجهلاء والسفهاء داخل منصات التواصل الاجتماعي، بخرجاتهم المتسرعة وغير المحسوبة، وإدمانهم على التواصل والتجاوب بأساليب لا تمت بشيء للعلم والثقافة؟ ألم يع هؤلاء أن مدوني ومراسلي “الفايسبوك” ليسوا بالضرورة علماء ومثقفين، بل ليسوا بالضرورة عقلاء أو حتى راشدين، وأن التجاوب يقتضي معرفتك بالمستويات الثقافية والعلمية لمن يخاطبونك افتراضيا، حتى تكون الردود قابلة للاستيعاب وتضمن التفاعل الإيجابي؟

جدل المنتسبين لفئات العلماء والمثقفين، طال حتى الشهر الفضيل، وخرجت ألسنة تبرر الإفطار وأخرى تبرر الصيام، ولهؤلاء وأولائك أقول: سأصوم بحول الله وقوته، ليس لأن الصيام يقوي المناعة، وليس لأن الصيام ينبهنا لوضع الفقير والمحتاج وما يعانيه طيلة السنة، وليس لأن الصيام ضروري لراحة خلايا وأعضاء الجسم، وليس لكل مبررات الدنيا التي قد تجود بها بنات أفكار كل البشر، علماء وفقهاء ودخلاء ولقطاء.. ولكن لسبب واحد أوحد، هو أنني مسلم، ولا يمكنني تجاوز ركن من أركان الإسلام مادامت صحتي قادرة على تحقيقه، وطبعا، فصحتي هي التي سترسل إلي إشارات واضحة عندما تصبح عاجزة عن الصيام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق