المنبر الحر

المنبر الحر | “كورونا” والمحاكمة الاجتماعية

بقلم: هشام الحجوجي*

    مهلا يا سادة، فقد حان وقت الإدانة. عجوز شمطاء معمرة، تجاعيد جمالها تخفي وراءه حب السيطرة، لتكشف واقعنا وعتمته النكراء.. فقد تسلل الرهاب إلى عوالمنا، واشتدت أنانيتنا وتناسلت أطماعنا وانهارت مساحيق أقنعتنا.. فمن له إذن الحق في الادعاء؟

افتتح المقال والعجوز غائبة، لينوب عنها الزمان مقدما ملتمس الدفاع ونظراته المحيرة، نستقرئ عبرها أن فصول المحاكمة ستطول جلساتها، فاختلطت الأوراق والحيرة تطاردنا.. فمن تكون هاته “الكورونا”؟

وقف الزمان والثقة في النفس تخفي حماسته، أقسم يمينا أن يقول الحق احتراما للفضيلة، فتصبب الحضور عرقا خوفا من الفضيحة.. وبكل جرأة قال: كورونا هي مرآة الأحقاد، فقد تناسلت من رحم الحياة اللاأخلاقية، إنها أرملة غير شرعية يبحث العالم بأسره لفرملتها وقبرها.. لكن، أليس لها الحق في الحياة!؟

خيم الهدوء على العالم، وهناك من ذرفت عيناه الدموع، فالكل استنشق طعم الكريهة، ولعمري أن حربنا قد انقلبت هزيمة، وفي إطار العلنية والحضورية، واصل الزمان دفاعه مقدما أدلة إثبات في حق المجرم والمشارك والمساهم.

صمت الزمان، وقال الإنسان: لقد حان دوري في الكلام، وبدون استئذان، نصب نفسه مطالبا بالحق العام. لقد استأسد علينا هذا الوباء، وباعد بيننا وبين الآباء، وحرمنا من التجوال، فاختفى القيل والقال، وحياتنا فقدت طعم الهناء، فعم الشقاء وبزغ ربيع العناء.

للأسف، فمعالم الإدانة غير واضحة وفصولها غامضة، فنحن أمام جريمة خائبة وأخرى مستحيلة، وعليه، تم حفظ الملف، لكن هناك من طالب بتأجيل الجلسة..

بعد رفع الحجر الصحي، عقدت الجلسة، فتقدم للشهادة عظيمان: أحدهما الحق والآخر المنطق، فأكدا على أن الإنسانية فقدت أصالتها، والرأسمالية فاقت سرعتها، والحياة الأسرية تباعدت أركانها، والقيم الاجتماعية تراجعت مظاهرها. فالعالم هو المسؤول، والرغبة والجشع قادا البشرية نحو الهلاك، فالجميع تخلص من رداء الأخلاق وارتدى عباءة الرذيلة، التنكر موهبتهم، والتسلط مبتغاهم، فهناك من سعى نحو الريادة الاقتصادية، وهناك من طمع في السيادة الكونية، وآخرون خططوا لاغتيال الديمقراطية وخصْي الحريات الفردية، لكن الجميع تجرع سم المؤامرة، وعوض فرض السيطرة، عمت الندامة.

بعد المداولة، انفلت الحكم من رحم المعاناة، فانتصر الزمان، وكانت البراءة حليفة “كورونا”، أما الإدانة، فتحملتها البشرية جمعاء، فالمسؤولية تقصير، والجرم جناية عقوبتها لن تكون أشد مما تكبده العالم من هلع وتهافت ومأساة.. فلله ذركم وذر أبيكم.

*طالب باحث في علم الاجتماع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق