خاص

خاص | أول رمضان بدون مصطفى العلوي.. صحافة بلا قيدوم

قصة أخطر مقال في بدايات صاحب الحقيقة الضائعة

إعداد: سعيد الريحاني

    قبل أن يرحل، أطلق وزير الشباب والرياضة والثقافة المخلوع، حسن عبيابة، رصاصة أخرى على جسد الصحافة الورقية المنهك، بـ”منعها” من الطبع، لتتحول النسخ الورقية للجرائد المغربية إلى نسخ إلكترونية على غير عادتها، وإذا كان الوزير المخلوع قد حرم المواطنين من الصحافة الورقية، بدعوى الاحتياط من انتشار فيروس “كورونا”، فقد حرمتنا الأقدار خلال هذا الشهر الكريم الذي يتزامن مع الجائحة، من تعليقات حكيم الصحافيين المغاربة وقيدومهم على غير العادة، ليكون هذا أول شهر رمضان تقضيه أسرة “الأسبوع الصحفي”، بدون قيدوم الصحافة الوطنية، الراحل مصطفى العلوي، ولئن كانت الرسالة متواصلة عبر المدرسة التي أسسها الزعيم(..)، فإن الحديث عن الصحافي الذي عايش ثلاثة ملوك حديث ذو شجون، بعد مسيرة طويلة اجتمعت فيها حكمة الزمن وقوة المواقف والتاريخ والطرائف السياسية، والخبرة الإعلامية الناتجة عن الاحتكاك مع أقطاب السياسة والمجتمع والاقتصاد.

بدأ الراحل مصطفى العلوي مساره الصحافي المهني، بمقال وضعه في قلب الصراع العربي الإسرائيلي، وهو المقال الذي كتبه يوم 16 يناير 1961 في جريدة “الفجر” المغربية، وكان وقتها رئيسا لتحرير هذه الجريدة، حيث اختار إثارة مشكلة التغلغل الصهيوني في المغرب والعالم العربي، وإشكالية هجرة اليهود المغاربة نحو إسرائيل.. وقد تزامن ذلك مع حادثة مؤسفة لقضية باخرة حطمتها أمواج البحر، وكان على ظهرها مجموعة من اليهود المغاربة.

وكان هذا المقال كفيلا بإثارة قلق اللوبي الصهيوني، الذي استطاع توريط جريدة “لوموند” الفرنسية في الرد على جريدة “الفجر” المغربية.

يحكي مصطفى العلوي: ((هذا المقال، كان بالنسبة للأجهزة الصهيونية، القشة التي قصمت ظهر البعير، فبصرف النظر عن كون هذا المقال ليس افتتاحية رسمية للجريدة، فإنه حملني شخصيا إلى عالم الصراع الصهيوني العربي، وحمل جريدة “لوموند” الفرنسية إلى خوض المعركة نيابة عن إسرائيل ضد جريدة “الفجر” التي كنت رئيس تحريرها)).

فأن تخصص له جريدة “لوموند” خبرا كاملا لتغطية موضوع عن المغرب الحديث العهد بالاستقلال، كان كفيلا بتحريك الأطراف المغربية، وقتها استدعى وزير الداخلية آنذاك امبارك البكاي، الذي كانت جريدة “الفجر” تابعة لوزارته، الصحافي مصطفى العلوي، وفاتحه في الموضوع، لينجح القيدوم الراحل في إقناعه، بخروج إعلامي أقوى من خرجة “لوموند”، عبر جريدة أقوى هي جريدة “نيويورك تايمز” الأمريكية.

صورة غنية عن التعليق.. وزير الداخلية القوي إدريس البصري ينحني تقديرا للراحل مصطفى العلوي

يقول الراحل مصطفى العلوي: ((فعلا، أجريت اتصالا مع مراسلة جريدة “نيويورك تايمز” بالمغرب، التي انقضت على الفرصة، ونشرت بتاريخ 22 فبراير 1962، استجوابا لوزير الداخلية المغربي، تناقلته جميع أجهزة الإعلام العالمي والمغربي)).

وقتها، عبر الوزير المغربي امبارك البكاي، عن أمله في أن يمكث اليهود المغاربة في وطنهم ليعملوا جنبا إلى جنب مع المواطنين المسلمين في بناء دولة قوية الدعائم، مزدهرة، ثم أدان السيد وزير الداخلية بشدة، نشاط الصهيونية الدولية الهدام الرامي إلى تشجيع اليهود على التخلي عن المغرب، وفند امبارك البكاي تفنيدا قاطعا ما روجته بعض الصحف الأجنبية المنحرفة حول ظهور حركة مزعومة معادية لليهود في المغرب، وحول منع اليهود من السفر إلى الخارج، حسب ما يحكيه العلوي الذي انتصر إعلاميا على وزير الإعلام المغربي، حيث سجل بهذا الاستجواب انتصارا شخصيا على وزير الإعلام المغربي الذي كان هو الوزير أحمد العلوي، والذي سبق له بعد صدور مقال “لوموند”، أن عقد ندوة صحفية طمأن فيها الأطراف اليهودية في المغرب، وقال للصحفيين: ((إن المقال الصادر في جريدة “الفجر” لا يعبر إلا عن رأي صاحبه..)).

((الوزراء ذاهبون والصحافة باقية)).. هكذا كان يقول مصطفى العلوي دائما، وقد ذهب الوزراء، انطلاقا من أحمد العلوي، وتناوب على الوزارات مئات الوجوه، ولكن قيدوم الصحفيين استطاع أن ينحت مساره الخاص بين دروب الصحافة المستقلة، وقد كان هناك مشكل أساسي كشفه المقال الذي تمت الإشارة إليه، هذا المشكل هو الحملة الصحفية التي كان يديرها الصحفي “المشاغب” مصطفى العلوي، الذي بعدما أقفلت جريدة “الفجر”، الحكومية، في عهد وزير الداخلية رضى جديرة، استمر في مسيرته، وأصدر جريدة خاصة به اسمها “أخبار الدنيا”، لمتابعة المسيرة الطويلة في فضح المخططات الصهيونية بالمغرب، كجزء من خط تحريري عايش ثلاثة ملوك(..).

سواء تعلق الأمر بعهد السلطان محمد الخامس، أو الملك الراحل الحسن الثاني، فقد كان مصطفى العلوي حريصا على ممارسة مهنة الصحافة، رغم كل الصعوبات(..)، لذلك، أصدر “أخبار الدنيا” كأول جريدة محايدة في المغرب المستقل، وجريدة “الدنيا بخير”، و”الكواليس”، ومجلة “7 أيام”، وجريدة “بريد المغرب”، كما أصدر باللغة الفرنسية مجلة “فلاش ماكازين”، وأسبوعية “ليكوليس”، ومجلة “لوميساجي ماروكان” الخاصة بالعمال المغاربة المقيمين في الخارج، وقد كانت هذه الصحف في أغلب الأحيان معرضة للحجز، والسبب هو المقالات الخطيرة، أولها كان عن الصهيونية(..).

الراحل مصطفى العلوي أيام الشباب بجانب جدار برلين

يقول العلوي في المقال المشار إليه (صدر سنة 1961 فما بالك الآن): ((.. النشاط الصهيوني في المغرب يتجسم في الدار البيضاء، والمنظمات الصهيونية موجودة هناك، والصهيونيون في مأمن من السلطة.. والمتابعة والمطاردة.. فهل نوعز ذلك إلى تقصير الدوائر المسؤولة، التي كان من حقها أن تجند طاقاتها الضائعة، لتقطع دابر الصهيونية في المغرب، وتطهر أرضنا، وتعمل على حراسة حدودنا، وتطويق بحارنا، ومراقبة مطاراتنا، أم نلصق التهمة بالمغاربة الذين لم يراعوا حقوق المواطنة، والجنسية، ولم يحترموا واجبات المواطن الملقاة على عاتقه، أم نلقي التبعة على الشعب المسكين الذي يتطلع في لهفة إلى كسرة الخبز.. وقطعة السكر؟ نحن هنا نتساءل قائلين من هو المسؤول عن تغلغل النشاط الصهيوني في أراضينا، وإفساح الطريق له إلى بلادنا؟ ولماذا غضضنا الطرف عنه إلى اليوم كما غضضنا الطرف من قبل عن كثير من المخازي والهينات؟ فنحن لا نتحامل هنا على أحد باسم العاطفة، وإنما باسم الوطنية الخالصة، يحدونا نداء الوطن المقدس))، هكذا تحدث العلوي.

أخطر مقال في بداية مشوار القيدوم مصطفى العلوي، ارتبط بضجة كبرى أثارتها الحركة الصهيونية، والسبب سبق أن كشفه الصحافي الراحل، عندما قال بأن الهدف هو ((التستر على عملية أكبر وأضخم، هي عملية تهجير اليهود المغاربة نحو إسرائيل، التي سميت عملية ياخين)).

((عملية “ياخين” وكل الترتيبات التي تمت لتهجير يهود المغرب بكل الوسائل، والتي كان أقطاب الصهيونية في صحيفة “صوت الجماعات” يتسترون عليها ويتمترسون خلف شعارات التنكيل والخوف والبكاء والوفاء للمغرب، ويحتمون بالرأي العام العالمي الذي يقدمون له أنفسهم كضحايا لتشكيل ستار عازل يحجب الحقيقة عن الأنظار، هذه العملية فضحتها “غولدا مائير”، رئيسة الحكومة الإسرائيلية سنة 1971، حينما صرحت بالحقيقة أثناء اجتماعها بوفد من اليهود المغاربة يوم 13 أبريل، وأذيع المحضر على الصحافة الإسرائيلية، ونشره الكاتب الإسرائيلي “موني الكاييم” في كتاب “الفهود السود في إسرائيل” إصدار مؤسسة “ماسبيرو” بباريس)) (المصدر: الحقيقة الضائعة لمصطفى العلوي).

وكانت رئيسة الحكومة الإسرائيلية قد قالت: ((إن المهاجرين اليهود جاؤوا من المعسكرات الأوروبية، وجاؤوا من شمال إفريقيا، وإن لي رفاقا خاطروا بحياتهم لتسهيل إخراج اليهود من المغرب، ونقلهم من جبال الأطلس وتجميعهم وإخراجهم سريا وإيصالهم لأرض إسرائيل)).

هكذا يظهر أن أولى مهام الصحفي، هي إظهار الحقيقة ولو تطلب الأمر المخاطرة بمعاكسة التيار(..).

تعليق واحد

  1. فعلا نعم الصحفي، نعم الكاتب، وأكثر من هذا …
    رحمه الله وغفر الله لنا وله وللمسلمين
    جعل الله البركة في خلفه
    نتمنى أن تدوم الجريدة وفية لمناهجه، …
    نتمنى إن يعاد نشر جميع مقالات الحقيقة الضائعة،
    ربما عبر إعادة إخراج للجريدة لتحتوي بشكل ما نوعا من الملحق،
    فيه استقراء أو قراءة في مقالات الأستاذ، وباستحضار السياق الذي كتبت فيه مثلا،
    هذا فيه عناء أكيد، لكن الشخص والجريدة يستحقان،
    وكذلك المتتبعين فهم كثر وليس فقط في المدن،
    فبدون الحقيقة الضائعة، تضيع الحقيقة، بين السطور …
    ثم ما جدوى عمل لا ينفع، وخلف لا يخلف ؟،
    الجرائد العتيقة والعتيدة في العالم تسعى للاستمرار، و”جريدتنا” ليست أقل من كبريات الجرائد (في أعيننا على الأقل)
    ولو بادخال شركاء، شريطة بقاء الخط التحريري في روح مؤسسيها
    رحم الله مولاي مصطفى، بما عرفناه به وعرفنا به في جريدة الأسبوع وغيرها ممن سبقت
    “تلك أيام نداولها بين الناس” صدق الله العظيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق