الـــــــــــرأي

الرأي | بمناسبة ليلة القدر المباركة

بقلم: ذ. عبد الواحد بنمسعود*

    نشرع بحول الله في تفسير قوله تعالى: ))إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر((. وقد جاء في كتاب “القرآن الكريم ـ المفسر الميسر ـ مصحف الشروق” صفة 697 الشرح كما يلي: ((سورة القدر ـ إنا أنزلناه: يعني هذا القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا، في ليلة القدر: وهي ليلة الحكم التي يحكم الله فيها بقضاء السنة، تنزل الملائكة والروح فيها: جبريل عليه السلام معهم وهو الروح فيها: في ليلة القدر، من كل أمر: من رزق وأجل، سلام هي حتى مطلع الفجر: سلام ليلة القدر من الشر كله، من أولها إلى طلوع الفجر)). هذا هو الشرح الذي ورد في ذلك المصحف لسورة القدر، وهي سورة مكية.

فالقرآن الكريم نزل في ليلة القدر، وقد عرف علماء الإسلام القرآن بأنه: الكتاب الذي لاريب فيه، المحتوي على نبإ ما قبلنا وفيه خبر ما بعدنا وحكم بيننا، وهو اقتضاب جامع لمضمون القرآن، وتتصدر المصحف القرآني السورة الأولى منه التي يطلق عليها الفاتحة، أي مقدمة المصحف، لا مقدمة القرآن، لنزولها بعد آيات أخرى نزلت في بداية الوحي، لأنها فاتحة السور التي يقرأ بها المسلمون وجوبا في صلاتهم، أما قراءة سورة من القرآن في الصلوات، فهو مندوب فقط، والآية الأولى التي نزلت هي آية “إقرأ باسم ربك الذي خلق” سورة العلق الآية 1، والفاتحة وإن كانت سبع آيات فقط، فإنها تشكل اختصارا جامعا لمحاور القرآن ومقاصده، هي الدعوة للتوحيد، وتبشير المؤمنين، وإنذار الكافرين والمنافقين، وتشريع الأحكام، وذكر قصص المؤمنين بالرسالات السماوية وقصص الجاحدين لها، والآيات السبع تختصر ذلك كله، ولاحتوائها المقاصد القرآنية سميت “أم الكتاب” و “أم القرى”، كما سميت “السبع المثاني”، أي الآيات السبع التي نثنيها، أي يكررها المؤمنون ويعيدونها بالليل والنهار في صلواتهم.

والقرآن يعرف نفسه في عدة آيات تصلح كل منها لتكون عنوانا، من ذلك الآية 52 من سورة إبراهيم القائلة عن القرآن: ((هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب)).

وقد تحدث القرآن نفسه في غير ما آية عن طبيعته ومقاصده، وخاصة بما أطلقه على نفسه من صفات، فهو في سورة البقرة الآية 1 كتاب الهداية الذي لا يتطرق الشك إليه: ((ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين))، وهو في سورة الزمر الآية 28 القرآن العربي المستقيم: ((قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون))، وتكرر هذا التعبير في سورة الزخرف الآيات 1 و2 و3: ((حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون))، وهو أيضا الكتاب الذي يضرب الله للناس الأمثال: ((ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل)) سورة الروم الآية 58، وجاء في سورة الكهف الآية 54: ((ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل)). وذكر الله هذا الكتاب في عدة آيات باسم الذكر بالذكر، ففي الآية 9 من سورة الحجر: ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون))، وفي نفس السورة في الآية 6: ((وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون))، وفي سورة النحل الآية 44: ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون))، وفي سورة يس الآيتان 69 و70: ((وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين، لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين))، كما جاء في آيات أخرى أنه: ((ذكر للعالمين)) أي قرآن عالمي الرسالة.

وقد جاء في القرآن وصفه بالتنزيل أو المنزل على محمد: ((تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم)) سورة الزمر  الآية 1، وهذا يضفي عليه قدسية لأنه من عند الله العلي ـ القاهر فوق عباده ـ كما جاء في القرآن، لكن ليس تشخيصا لله على أنه يوجد في السموات العلى، إذ الله ليس جسما وليس له مكان ((لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد)) سورة الإخلاص الآية 4، بل: ((هو معكم أينما كنتم)) كما جاء في القرآن أيضا.

والقبول بأن لله مكانا ولو كان أعلى مكان أو أنه جسم، كفر، وما ورد في القرآن مما يشير إلى التجسيم، يؤوله علماء المسلمين على أنه رمز لصفات معنوية، وأطلق على القرآن لفظ الحق على القرآن في عدة آيات، وهو يعني الحقيقة الثابتة، وهو وصف أطلقه الله في القرآن على نفسه، فهو الحق لا إله إلا هو والصادر عن الحق لا يكون إلا حقا.

لكن هذا الكتاب اشتهر من بين أسمائه بالقرآن، الذي بهذا الاسم في المصحف، وهو تركيز على أنه الكتاب المتلو بلفظه من جبريل على رسول الله، والذي يجب أن يتلوه المتعبدون به كما هو، وهذا التعبد خصوصية له لا تشاركه فيها السنة، وبالأحرى تفاسير القرآن وشروحه.

ومن أسمائه الفرقان، أي الفارق بين الحق والباطل، لأنه من عند الله، وإنه ((لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)) كما جاء في سورة فصلت الآية 42، ولأن الفارق بين المؤمن والكافر هو الإيمان بالقرآن والكفر به.

ومن مجموع ذلك، يمكن تعريف القرآن بأنه: كلام الله الموحى به إلى رسوله محمد والمنزل عليه لإظهار الحقيقة الإلهية للعالم أجمع، المتمثلة في إله واحد لا شريك له، هو الأكبر المتعالي، وما عداه، هم عباده، حتى المرسلون والأنبياء منهم، جاءوا تذكيرا وتبشيرا وإنذارا، مفرقا بين الحق والباطل ومحددا للبشر سلوكهم الأمثل في الدنيا والآخرة، وهو وحده المتعبد بتلاوته.

قال رسول الله (ص): ((وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)) رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه. اللهم ارفع الوباء، ونجنا من البلاء، وعجل بالشفاء، حتى تفتح أبواب بيوتك للعبادة والشكر وتلاوة كتابك إنك الغفور الرحيم.

*من هيئة المحامين بالرباط

 

تعليق واحد

  1. انا من المعجبين بجريدة الأسبوع الغراء
    رحم الله مديرها المشمول برحمته مولاي المصطفى العلوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق