المنبر الحر

المنبر الحر | العنصرية ونعاج المنصورية وأشياء أخرى

بقلم: رحال هرموزي

    زرت فرنسا مرة واحدة منذ أربع وثلاثين سنة، ولم أفكر منذ ذلك التاريخ في العودة إليها رغم دعوات الإخوة الموجودين هناك، وقد أقمت حينذاك بإحدى القرى الكبيرة، “فيلاج” اسمه تيزيي (Theziers)، ونظرا لانشغال الجميع خلال النهار، فقد كانت أزقة تيزيي تظل خالية إلا مني ومن بعض العجائز اللائي يجرجرن سيقانهن المتعبة بين الدروب. مللت هدوء تيزيي ورتابتها بسرعة، ولكي أرى شيئا جديدا، صرت أركب دراجة هوائية وأزور كل يوم أحد “الفيلاجات” القريبة.

في تلك الجولات التي كنت أقطع خلالها حوالي عشرين كيلومترا ذهابا وإيابا، كنت أمر ببساتين تثير الدهشة بوفرة منتوجها وجودته من عنب وإجاص وتفاح مختلف الألوان، وحدثت أخي في المساء عن ذلك مبديا استغرابي من عدم نزول المارة لقطف بعض الفواكه من البساتين غير المحروسة، فقال لي محذرا: “اسمع يا أخي، لا تأخذ حبة فاكهة واحدة من البساتين ولو كانت ساقطة على الأرض.. هل تعتقد أن الفلاح الفرنسي مثل فلاح قريتك الذي يزرع الفول على حافة الطريق ليأكل منه الناس ولتحل البركة في أرضه؟ إن الفلاح الفرنسي يفضل أن يذوب التفاح في أرضه على أن يأكله عابر سبيل، ويمكن أن يطلق رصاصة على إحدى رجليك بسبب تفاحة”.

وفي إحدى الجولات، زرت مدينة قريبة رفقة أحد الأقارب وكان زائرا في مثل وضعيتي، ولما وصلنا متعبين، قصدنا إحدى المقاهي التي بدت لنا مناسبة لنشرب شيئا ونستريح، انتظرنا طويلا لكي يأتي النادل ويسألنا عما نريد، ولكنه تجاهلنا.. لوحنا بأيدينا ودققنا دقات خفيفة على الطاولة، ولكنه كان يتهامس مع آخرين ويضحك دون أن يلتفت إلينا، ففهمنا في الأخير أننا غير مرحب بنا، فانسحبنا. شعرت حينها بالذل والهوان، وتذوقت لأول مرة طعم العنصرية المر، وأدركت بعض ما يعانيه الأهل هناك، فكانت هذه بعض الأسباب التي جعلتني لا أرغب في العودة إلى فرنسا.

عندما دهس أحد الفرنسيين نعاج المنصورية، انتابني نفس الشعور الذي مرت عليه أربع وثلاثون سنة في المقهى الفرنسية غير المضيافة، آلمني منظر النعاج التي دهست ظلما، لا لشيء إلا لأنها بحثت في أرض جرداء عن أعواد يابسة تعتصر منها قطرات حليب لصغارها، لم يؤلمني قط منظر عشرات الأكباش والنعاج التي ذبحت أمام عيني من أجل المنفعة، ولكن آلمتني بشدة نعاج المنصورية التي قتلت تحت عجلات الحقد والغطرسة.

وللإنصاف، لابد أن أشهد بأن الفرنسيين ليسوا جميعا على الشاكلة التي ذكرت، فقد قابلت فرنسيين رائعين يحبون المهاجرين ويبادلهم المهاجرون نفس المحبة. وشهدت في تيزيي تعايشا وسلوكا حضاريا أتمناه اليوم لوطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق