بين السطور

دروس فجر.. ما قبل رفع الحجر

بقلم: الطيب العلوي

أوصانا مؤسس جريدتنا، عميد الصحافة المغربية، مصطفى العلوي رحمه الله، مرارا وتكرارا، سواء عبر حقائقه الضائعة أو كتاباته الصائبة، التي طبعت تاريخ المغرب الحديث، أنه قبل اتخاذ أي قرار يخص الحاضر، ويؤثر في المستقبل، يجب علينا إلقاء نظرة ولو خاطفة على الماضي، لاستخلاص الدروس.. والمرحلة الحالية، ما هي إلا أنسب حلقة من المسلسل الذي نعيشه، لتطبيق الوصية. فقبل التفكير في حياة ما بعد الوباء، أعتقد أنه قد يكون من الحكمة، القيام بجولة “استطلاعية” في ماضينا، وماضي الآخرين، للاستفادة من ما قد تأتينا به تجربتنا.. وتجربة الآخرين.

رفع الحجر أم تمديده؟ هو السؤال الذي يفكر فيه الكل باستمرار هذا الأسبوع، والذي سارع بسببه الجميع إلى مشاهدة اللقاء التلفزي لرئيس الحكومة، الأسبوع الماضي، على أمل معرفة أي جديد في الموضوع، لكن رد الطبيب النفساني على “مرضاه” تعرفونه جميعا(…). أجوبة الدكتور العثماني واقعية ومعقولة، لكن وللأسف، الكل كان على علم بها، ولم يأتنا بأي جديد.. “والو”.

فبعد خيبة الأمل هاته، قمت بتغيير القناة(…)، كما قمت بتغيير المواقع، فوجدت نفسي مفتونا أكثر باكتشاف أنه لدينا نخبة هائلة من “الخبراء”، منهم الخبراء الصغار، الذين تنقصهم الخبرة في التحليل وإبداء الرّأي، والذين لا نرى منهم عبر بث فيديوهاتهم المباشرة إلا الأنف والذقن والنظارات، في مشهد مكبَّر عن قرب(…)، ثم “الخبراء التقريبيون”، الذين يقتصرون على تكرار ما سمعوه أو قرؤوه ساعة من قبل، وأخيرا، الخبراء “المزوّرون”، الذين يطلقون هبّاتهم أينما كانت، وكيفما كانت، وفي جميع الاتجاهات، على أمل وحيد، ألا وهو خلق ضجة “البوز”، والاستنتاج: كلما كثر الخبراء، كلما تقزم الجواب.

لحسن الحظ، وبعد تنقيب أعمق، قد نعثر على تشكيلة أخرى “عندهم ما يقولو”، تلك الفئة نفسها التي تبحث في الماضي، لعرض احتمالات وسيناريوهات جدية حول الحاضر والمستقبل، وربما حتى السي العثماني، عليه أن يخصص وقتا أكبر للاهتمام بفرضياتهم، ربما قد يجد بعض الأجوبة التي “ربما يبحث عنها فعلا”. هذه الفئة التي على ما يبدو قادرة على توجيهنا، وتنبيهنا إلى ما كان علينا تفاديه في الماضي، وما علينا القيام به اليوم، وما علينا الشروع فيه غدا، على كل حال، معظمهم يترقبون رفعا للعزل الصحي ما بين الخامس والخامس عشر من يونيو القادم مع تقييد صارم للتنقل بين المدن، ويؤكدون أن الأيام السابقة لرفع الحجر، تعدّ أصعب مرحلة.

أمام كل هذه الفئات والتوصيات والتخصصات، لم يبق هناك مجال لاقتراح جديد، وكمجرد محلل عن بعد(…) لهذه الوضعية، أودّ فقط توجيه المجهر صوب بعض النظريات الخاطئة، التي اكتسبت مكانة وسط هذه الأحداث مع مرور الأيام الأخيرة، والواردة من بعض الخبراء المذكورين أعلاه، أبرزها تلك التي نشرت فكرة أن “الإفراط في العولمة هو سبب تفشي الوباء”، و”غوغل” نفسه يخالف الرأي ويجيبنا، ويذكرنا بأن أعظم رجل دولة لدى الإغريق “بيريكليس” مات بالطاعون سنة 429 قبل الميلاد، وأقوى ملك فرنسي “لويس التاسع”، أسلم روحه عام 1270 بنفس الوباء، وهذان الرجلان لم يسمعا قط طوال حياتهما لا باسم  العولمة ولا الرأسمالية ولا الليبرالية، ولا حتى بأبعد مرادف لها. “كوفيد 19” ليس بمرض ناتج عن ذلك، إنه مجرد مرض فحسب.

سبق لنابوليون أن قال بأن “التاريخ ما هو إلا سلسلة أكاذيب تم الاتفاق عليها”، ولو كان حيا في عهدنا، لصرّح بأن التاريخ ما هو إلا سلسلة الأكاذيب… التي حصلت على أكثر عدد من الإعجابات على صفحات “مؤرخيها”!.

أنتم سيدي الوزير على وشك اتخاذ أهم قرار يخص هذه المحنة، وفي نفس الوقت، قد يشكل أهم قرار قد تعرفه ولايتكم، لأنه مرة أخرى، رفع الحجر أصعب بكثير من نزوله، فلا تنسوا أن المحنة المعنوية التي عاشها الناس مؤخرا، قد تجعلهم يفضلون أن يخطؤوا في الجميل على أن يكونوا على صواب في القبيح(…).

وجب عليكم إذن التعامل مع الأمور بعناية فائقة، ففي الأسبوع المنصرم مثلا، لم يكن لديكم أي شيء تقدمونه للناس، لذلك، كان الاحتجاب أفضل، لأن كل المعطيات التي قدمتموها، سبق لكم أن كلفتم الوزارات المعنية بتبليغها للمواطنين يوميا(…).

كان أفضل، لأنه بسبب، أو بفضل إيديولوجياتنا المحافظة العريقة(…)، قد تهددك كل الجهات، السياسية والقانونية، والإعلامية، عند أدنى خطأ، لأن ملفات “المتملقين” مفتوحة، وينتظرون أول فرصة لشن الهجوم، إنكم أمام أعلى حاجز في هذه “المسابقة”، وليس لديكم خيار آخر سوى القفز عليه دون ارتجاف، ولحد الآن، بين خيار النجاة من الموت أو الاستقرار الاقتصادي، لم نتردد واخترنا الأول، وسنضطر عاجلا أو آجلا، أي في الأسابيع المقبلة، لفتح الشوارع، والمنازل، والشركات، والإدارات، ولن نسمح لأنفسنا ولا لغيرنا بالقول أننا فضلنا “الحركة” على الحياة.

الطرف الأخير من هذه الطريق، مليء بالمنعرجات، الحفر، الفخاخ، وحتى الألغام، فكما قال “ريشليو”، أعظم وزير للملك الفرنسي لويس الثالث عشر، حين عرفت بلاده أقوى أزمة في ذلك الوقت:

«Il ne faut pas tout craindre, mais il faut tout préparer» (لا يجب أن نخشى كل شيء، لكن يجب أن نعد كل شيء).

إنها المهمة التي تنتظركم يا رئيس الحكومة، بل إنها المهمة التي تنتظرنا جميعا.

تعليق واحد

  1. في غمرة ما نعيشه من جراء covid-19، نقرأ هنا وهناك في المنصات الاعلامية تدخلات، وكتابات، وتحليلات،ل”الخبراء” متعددي التخصصات (حسب تعريفاتهم)، ومؤخرا تحركت (وأخيرا) بعض الأحزاب السياسية منتهزة الفراغ في الساحة لمؤسسات دستورية مفترض فيها تأطير المواطن وتوعيته وتهييئه للانخراط لما بعد كورونا، من أجل التماسك الوطني، فالعواقب سوف تكون صعبة، والثمن أصعب على الدولة ككل (بالمواطن طبعا)، وهذا بديهي ولا يحتاج الى خبرة دبلومات لاستنتاجه،
    المهم أن بعض هذه الأحزاب بدأت تنعش فضاء النقاش، أكيد لغاية ما وفي هذا الظرف بالذات، علما أنه خلال اللحظات الأولى كلها لم تتحرك اللهم بعض اللقطات المحتشمة، وهذا طبيعي ربما لكون الموضوع يدبر من أعلى مستوى والإصطفاف واجب، والسكوت حينها حكمة، لكن أكثر الأحزاب تمثيلية، في طرفي المجلس، لازلت تلتزم “الحجر السياسي أو السياسوي” حتى لا تقع في المحظور خصوصا في غياب معطيات واضحة لتصور مستقبلها في تدبير الشأن الوطني،

    فمن خلال خرجات بعض المسؤولين الحزبيين الأقل تمثيلية، يعني ليس عندهم الكثير أن يخسروه ولو قالوا أي شيء للنقد طبعا دون المساس بالتوابت، وشريطة عدم اعطاء وعود طبعا،
    ففي الجرائد الإليكترونية، ومن خلال قراءة التعاليق على خرجات رؤساء تلك الأحزاب من طرف القراء، فالمهم هي التعاليق (أما كلام السياسيين …)، من خلالها تتكون فكرة عن المواطنين (القراء)، ويبدو ذلك مفيدا، ولا ننسى الناس حاليا متفرغين للتعليق (بحالي)، وتصبح عندك قراءة أشمل لما يفكر فيه البعض وما يمرره البعض الآخر بين الكلمات والسطور، ويصبح عندك تصور لما هو آت على الأقل من جانب الأحزاب العلاقة المفترضة مع المواطن، دون نسيان أنها بذلك تقوم بدورها في هذه الخرجات رغم النقد الذي يمكن أن تتعرض له من خلالها،
    فالنتيجة “جيدة” فهي تُشرك الناس (القراء) في النقاش، وتلفت انتباههم، …، تثبت رصيدها في الساحة طامعة في استجلاب “زبائن” جدد، فليست الغاية هي الخروج بالضرورة بشيء يعد مفيدا، …، المهم المشاركة والإشراك من أجل البقاء، فالسياق سوف يحصد الأخضر واليابس، ويلزم الحفاظ على “الأصل التجاري” للحزب على الأقل، … من بعد نرى
    فالأمور لازالت وستبقى تدبر كما كان، (علاه أش وقع كاع)، في النهاية الدولة باقيا، والمواطن باقي (رغم الوفيات)، الديون الدولية باقية بل تزيد، الالتزامات، والإكراهات كذلك ، …
    فقط سوف تتغير الحياة اليومية للمواطن، ويلزم ملاءمة معيشته مع الاكراهات المالية الجديدة، بتلبيس مبني على مركيتينغ marketing ، وحبذا يكون فيه ابداع، بتخريجة عندها علاقة مع الإكولجيا، أو شيء من هذا القبيل والذي سوف يقنع من أجل التقشف وعدم الاستهلاك المفرط، حتى لا يحس المواطن أنه تدنى  
    واش فهمتيني ولالا
    در يا زمن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق