الـــــــــــرأي

الرأي | كراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي في زمن “كورونا”

جدل حول الاقتراح المتعلق بتعديل المادة 8 من القانون 49.16

بقلم: ذ. عبد الواحد بن مسعود*

    إن قانون الالتزامات والعقود نظم بشكل دقيق موضوع مطل المدين، وذلك في الفصول من 254 إلى 264، واستهل تلك الفصول بأن المدين يكون في حالة مطل إذا تأخر عن تنفيذ التزامه، كليا أو جزئيا، من غير سبب مقبول، وبمفهوم المخالفة، إذا توفر المدين على سبب مقبول حال دون تنفيذ الالتزام، فإن حالة المماطلة لا تثبت في حقه وتنتفي ويمكن له أن يوفي بالتزامه بمجرد رفع السبب.

وفي تلك الفصول، لم يحدد المشرع ولم ينص على الأسباب المقبولة والأسباب غير المقبولة، وإنما ترك الأمر للمحكمة لتمحص ذلك السبب بما لها من سلطة تقديرية، ومراعاة الظروف التي حالت دون تنفيذ المدين لالتزامه، وفي نظرنا، فإن ذلك التمحيص يعتبر من باب دراسة وقائع النازلة التي لا تخضع لمراقبة محكمة النقض، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن المشرع، ومن باب التوضيح، وما تنص عليه الشرائع، ارتأى أن يبين القوة القاهرة والحادث الفجائي اللذين يستحيل معهما أو يتعذر معهما تنفيذ الالتزام وفق ما وقع الاتفاق عليه في العقد الذي هو شريعة المتعاقدين طبقا للفصل 230 من قانون الالتزامات والعقود.

والقوة القاهرة والحادث الفجائي منصوص عليهما في الفصلين 268 و269 من قانون الالتزامات والعقود، والمشرع أعطى أمثلة للقوة القاهرة، ولم يبين المقصود بالحادث الفجائي أو يعطي مثالا له، ولعل ذلك راجع إلى أن القوة القاهرة لا تتكرر بصفة متوالية وبأزمنة متقاربة مثلما تتكرر الحوادث الفجائية والتي لا يمكن أن تدخل تحت عد أو حصر.

إن الفصل 268 ينص على أنه لا محل لطلب أي تعويض إذا أثبت المدين أن عدم الوفاء بالالتزام أو التأخير ناشئ عن سبب لا يمكن أن يعزى إليه، كالقوة القاهرة أو الحادث الفجائي أو مطل الدائن، وفي الفصل 269، عرف المشرع القوة القاهرة وأعطى أمثلة مذكورة، على سبيل المثال: القوة القاهرة هي كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه، وذكر الأمثلة ومنها الظواهر الطبيعية كالفيضانات والجفاف والعواصف والحرائق والجراد، وذكر أيضا غارات العدو وفعل السلطة، ويكون من شأن ما ذكر، أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا.

وحتى لا يقع توسع في فهم موضوع القوة القاهرة، ارتأى المشرع أن ينص على أنه لا يعتبر من قبيل القوة القاهرة، الأمر الذي كان من الممكن دفعه ما لم يقم المدين بتقديم الدليل على أنه بذل كل العناية لدرئه عن نفسه، مثال ذلك في نظرنا، أن يصاب العقار المكري بشقوق تهدد بانهياره ولا يبادر المكتري إلى إخبار المكري بالخطر الذي يهدد العقار ليتخذ ما يجب لترميم العقار، ففي هذه الحالة، لا يمكن للمكتري، في نظرنا، أن يتمسك بالقوة القاهرة أو الحادث الفجائي ليتملص من أداء مقابل الكراء، فالفصل 674 من قانون الالتزامات والعقود ينص على أنه يجب على المكتري أن يخطر المالك بدون إبطاء بكل الوقائع التي تقتضي تدخله تحت طائلة الحكم على المكتري بالتعويض.

ونصل إلى بيت القصيد: هل المكتري يعتبر متقاعسا عن أداء الكراء خلال مدة الحجر الصحي؟ الجواب بالبداهة: لا يعتبر مماطلا، لأن فرض الحجر الصحي من عمل السلطة، ومفروض بقوة القانون، وخرقه يعرض من انتهك تعليمات الحذر للعقوبة الحبسية، إضافة إلى انتشار العدوى وإصابة من خرج من منزله بتلك العدوى إلا لعذر وتنقل بصفة استثنائية.

وهكذا، فإذا قدم للمحكمة مقالا يرمي إلى الحكم بإفراغ مكتري لمحل تجاري أو صناعي أو حرفي، لأنه تخلف عن أداء السومة الكرائية مدة ثلاثة أشهر رغم الإنذار الموجه إليه، فإن المحكمة ستحكم بعدم قبول الطلب تطبيقا لقانون الحجر الصحي، بل نعتقد أن رئيس المحكمة الابتدائية وهو يبت في إطار المقالات المختلفة المستعجلة، سيحكم بعدم قبول طلب توجيه ذلك الإنذار خلال مدة الحجر الصحي.

ومن باب التوازن والحفاظ على مصالح المكري، يتعين على المكتري أن يسدد للمكري مقابل الكراء بمجرد رفع الحجر الصحي، باعتبار السومة الكرائية أصبح دينا في ذمته، لكن لنفرض أن مدة الحجر الصحي طالت، والتاجر مثلا توقف عن ممارسة تجارته، ونضب مورده، ووجد صعوبة في الوفاء بدين الكراء الذي تراكم عليه، فما هو الحل في مثل هذه النازلة؟

هذه الحالة، كان ينص عليها ظهير 24 ماي 1955، وكان القاضي يمنح للمدين أجلا للوفاء بدين الكراء ليدفع عن نفسه الحكم بالإفراغ وضياع أصله التجاري، وإذا كان القانون رقم 49.16 لم ينص على حل لهذه النازلة، ففي القواعد العامة، وقواعد الشريعة وهي تعتبر قانونا داخليا يجب تطبيق قواعدها كما جاء في عدد من قرارات محكمة النقض، فإن المدين تطبق في حقه “نظرة الميسرة” لقول الله تعالى: ((وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة))، بل نجد الفصل 338 ينص على أنه إذا كان عدم تنفيذ الالتزام راجعا إلى سبب خارج عن إرادة المتعاقدين وبدون أن يكون المدين في حالة مطل، برئت ذمة هذا الأخير، ولكن لا يكون له الحق في أن يطلب أداء ما كان مستحقا على الطرف الآخر، فإذا كان الطرف الآخر قد أدى فعلا التزامه، كان له الحق في استرداد ما أداه كلا أو جزء بحسب الأحوال، باعتبار أنه غير مستحق.

وبناء على هذا الفصل، نقول بأن المكتري الذي تراكم عليه دين الكراء خلال مدة الحجر الصحي ولم ينتفع بالمحل، لأن الأجرة مقابل الانتفاع، تبرء ذمته من أداء ما علق بها من مقابل الكراء، لأنه لم يكن مماطلا وتأخر عن الأداء تحت ضغط القانون والتهديد بالعقوبة، وتوقف التاجر عن ممارسة تجارته وما كانت تذره، ونقول أيضا بأن ذلك يمكن اعتباره من باب التكافل الاجتماعي المنصوص عليه دستوريا.

لكل ما ذكر، نرى أن ذلك التعديل لا موجب له، بل إنه غير ذي موضوع، لأن الموضوع سبق معالجته من طرف المشرع، وليس من حسنات التشريع أن تتكرر مواد قانونية لموضوع سبق وحظي باهتمام المشرع.

*من هيئة المحامين بالرباط

انتهى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق