الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | الإقطاعي ينادي بالثورة الاشتراكية والقرصان يدافع عن الاستقرار

الفوضى مثل الطاعون..

التزام مصطفى العلوي مع قرائه مستمر :
يواصل طاقم «الأسبوع الصحفي» النبش في مقالات «الحقيقة الضائعة»، التي تركها مديرنا الراحل قيدوم الصحفيين مصطفى العلوي ولم تنشر من قبل، وحتى يتسنى تقديمها في أفضل حلة، ترجع جريدة «الأسبوع الصحفي» بقرائها إلى أرشيف ركن «الحقيقة الضائعة» في
انتظار إعداد مجموعة جديدة أخرى من المقالات لنشرها في هذا الركن.

بقلم: مصطفى العلوي

قديما، كان المغاربة عباقرة في العلم، وفي الطب، أفذاذا في شؤون الدين والدنيا، شدادا في شؤون الحرب والشرف، غلاظا، صارمين، أقوياء مؤمنين وكأنهم خير أمة أخرجت للناس.

كانوا كرماء فيما بينهم، أباة لا يمد أحدهم يداه للاستجداء.. كانوا سباقين للمجد وكأنهم أسود في الأدغال.

وكانوا لا يبخلون بالروح دفاعا عن الحمى والشرف، ولا يتورعون عن التضحية حتى لا يشعر أحدهم بالغربة، ولا يبيت غيرهم على الطوى.

وبذلك، رفرفت بنود المغاربة على قلاع المجد المحصنة ضد الغزاة.. قطاع الطرق من البرتغال والإسبان، وضد الفقر، وضد المرض، وضد عوادي الزمن.

واليوم، المغرب هو المغرب إن لم يكن أغنى..

والمغرب هو المغرب إن لم يكن أقوى..

كيف أصبح المغاربة؟ وبكل إنصاف، كيف أصبح بعض المغاربة؟

اليوم، ونحن على شفا حفرة من الخطر.. الخطر المنبعث من قوة الآخرين، ومن عظمة الآخرين..

اليوم، وقد أصبح قطاع الطرق عباقرة وأصبح القراصنة حملة مشاعل الاستقرار والثروة والمجد.. ما هو حالنا، وما هو مآلنا.. فما هو حالنا، وما هو مآلنا، أين المصير؟

إنه من أقسى العذاب، ومن أمر الغصص، أن يضطر الكاتب المغربي لبسط الظروف الوضيعة التي حولت مجدنا إلى هوان، ومروءتنا إلى خذلان، وقوتنا إلى ضعف، وشملنا إلى شتات.. حين أصبحنا كما لم نكن، وغدونا كما لم نمس..

حين سرت في عروقنا عوض العزيمة تخاذلا، وعوض الإرادة تنازلا.. حين أسلمنا هيكل أمتنا لعوادي الزمن تنهشها وتبلع ريقها، وأصبحنا أو نكاد من الانتفاعيين والمتهاونين في دوامة من اللامبالاة، ومن الفوضى.. أي فوضى.. وأي هوس هذا الذي نعيشه في هذه الأيام.. فوضى.. فوضى لا حد لها.. فوضى ما أظن أي حكومة قادرة على الحد منها، أو تقطيب أعراشها.. فوضى في الحياة العامة.. فوضى في الحياة الخاصة.. فوضى في الإدارة.. في القطاع الخاص.. في المكتب، وفي الشارع.. شيء مريع، وأمر مهول.

ويفكر الإنسان بضمير المسؤولية وبعقل الواقعية، عن أسباب هذه الفوضى وجذورها، فلا تترك أطوارها ولا ظروفها مهلة للتفكير في أسبابها ومسبباتها.

قد نبحث لهذه الفوضى عن مبررات، وعن عوامل، ولكننا سريعا ما نهيم في عالم فوضوي، عالم كما لم يصفه فلاسفة الفوضوية، ولا عباقرة الإباحية.. فوضى في العقول المتنورة.. فوضى في العقليات الجامدة.. فوضى تختلف باختلاف الإمكانيات، وتتنوع بتنوع المستويات، في السياسة، في الأحزاب، في الإطارات، في المسيرين، في النقابات، في الجمعيات.. نماذج فوضوية لا أول لها ولا آخر.

زعيم يملك آلاف الهكتارات ويخطب داعيا للثورة الاشتراكية.

وخطيب في آلاف العاطلين، يقضي الليلة حول طاولة “البوكر” يراهن بالملايين، ملايين الفرنكات طبعا.

وداعية للتعريب والمغربة، كل أولاده عند البعثة الثقافية الفرنسية.

وموظف سامي كبير يمضي الصفقات من مكتبه الحكومي ويتزايد في المشاريع بمئات الملايين، يرفع تقريرا بموظف صغير حقير تأخر عن العمل نصف ساعة، أو أخذ ألف فرنك رشوة.

وأبو لسان طويل تراه بالليل يشتم النظام، وينهش أعراض أولئك، ويندد بالفساد، ويتحدث عن الملفات السرية، وتراه نهارا يتمسح بالأعتاب، ويقبل الأيدي، بل تسمعه في الإذاعة والتلفزة يردد آيات التبريك والتأييد.

وعالم سكير زنديق يسيل لعابه لرؤية القدود المكشوفة والعيون المكحلة، والأثواب القصيرة المزركشة، لكنه يحاضر في الدين، وشؤون الملة، والإرشاد، ويدعو إلى طريق الجنة، ويقطع كل فقرة من محاضراته بقول “لا حول ولا قوة إلا بالله”.

ورجل أعمال يتعامل حتى مع الشيطان، يبني العمارات، ويشتري العقارات، ويملأ الحسابات في الأبناك الوطنية والخارجية، لا يثق في أخيه المغربي، ولا يطلعهم على أسراره إلا الخبراء الأجانب، تجده متزعما لاتجاه ثوري تقدمي متطرف إلى أبعد من ماركس ولينين.

وعدل يختار من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ما يدهن به قصبة قلمه لذبح الأيتام والعجزة والمستضعفين.

فوضى.. فوضى لا حد لها ولا نظير.

وفي المجتمع.. عند الذين لا يدعون زعامة، ولا يطلبون حكما، عند الذين لا يتعاملون بالمليون، بل بالريال، وعند الذين يعيشون اليوم لليوم، وعند الذين يكدون ليعيشوا.. نماذج أخرى من الفوضى، وأمثلة أخرى من الهوس.

في البوادي، في الحواضر، عند الملاك وعند الخماس، عند المعلم وعند التلميذ، في الإدارة، والمشيخة، وفي الأدب.. نماذج أخرى لا علاقة لها بالعقل ولا بالضمير.

ترى آلاف المتسكعين وآلاف المتسولين، وآلاف الجالسين على الأرض القرفصاء ينتظرون مغيب الشمس، وآلاف النائمين تحت السقوف أو في منعرجات الدروب، ولكنك تبحث عن عامل يساعدك، فلا تجده، كما تبحث الموظفة الصغيرة المضطرة لأن تعمل بأجرة بسيطة لكي تعيش، تبحث عن مربية لتحرس لها ولدها أو بيتها ريثما تعود من الشغل، فلا تجد لها أثرا.

ويبحث شيخ عجوز عن سائق لسيارته، أو رفيق يساعده، فلا يجد له أثرا، وتقترح على متسول يمد لك يده أينما وليت وجهك مرفوقا بمجموعة من أولاده المشردين الحفاة العراة، أن يذهب ليشتغل، فيرميك بنظرة ازدراء، وإذا ما اقتنع بفكرة العمل، وأسلمته ثقتك وعلقت عليه آمالك، فإنه سرعان ما ينقض عليك في الفرصة الأولى، أو سريعا ما يتركك ليعود إلى نومه أو قهوته.

وتبحث عن صباغ، فتندم.

وتبحث عن التفكير في استعمال ذوي المهن اليدوية، فتسلم.

وعندما تزيد الدولة في ثمن الدقيق خمسة، يزيد فيه البقال عشرة.

ترى سائق التاكسي ورخصة الحكومة لها فضل عليه، يجري كالمجنون في دروب المدينة وأزقتها وكأنه يبحث عن ما يدوسه، أو أي شيء يصدمه.

وترى سائق الشاحنة بالليل هائما في الطرقات المظلمة سكرانا أو نائما أو عصبيا، لا يهمه وضعه ولا وضع الوضع الذي هو موضوع فيه.

كل الناس أرادوا أن يصبحوا موظفين، لمجرد أن الوظيفة في نظر جميع الناس، هو أن تأخذ أجرة مضمونة دون أن تعمل شيئا.

تجد التاجر يبيع متجره، ويدفع ثمنه رشوة ليصبح موظفا.

فوضى.. فوضى في الضمائر، وفي القلوب.

الأراضي في البوادي بآلاف الهكتارات خالية متروكة للبوم والجرذان، والسكن هناك في الجبال بالمجان، والأبقار تبحث عمن يحلب لبنها، والدجاج يبحث عمن يجمع بيضه، والأشجار تبحث عمن يسقيها ويقطف ثمارها، وترى الرجل يترك العمل هناك، بل يرفض العمل هناك، ليدخل للمدينة حيث الشوارع المرصفة، والدكاكين المصففة، وحيث الضرائب، والغلاء المتفاحش، وحيث يكتري كوخا في مدينة للقصدير بثمن بقرة كل شهر.

ولا حدود لهذه الأمثلة ولا حصر لها.. إنما أين المفر، وإلى أين المصير؟

هذه المظاهر المزرية لفوضى العقول والضمائر، لا نجد بيانات حزبية تتطرق لها، ولا مخططات خماسية، ولا سداسية تبحث عن حلول لها، لأن الباحثين والمخططين هم أيضا في فوضى.. في دوامة من الفوضى.

إننا شعب محتاج للكثير من العناية والرعاية.. عناية الأرقام، ورعاية الإحصائيات.

إننا نفكر في التعليم وكأننا نريد أن نجعل المغاربة كلهم دكاترة ومحامين، ولا شيء غير الدكاترة والمحامين.

ونفكر في الفلاحة بعقلية المستهلكين، متجاهلين إطار الإنتاج والمنتجين.

ونفكر في السياسة بعقلية السياسة للسياسة، هادفين تكوين شعب منقسم إلى زعماء ومصفقين، ولا شيء آخر غير الزعماء والمصفقين.

إننا لا نرى هذه الفوضى لأننا نعيشها، ولا نلمسها لأننا جزء منها، وما هي في الحقيقة إلا خطر مريب.

إن الفوضى كالطاعون، تسري بين الأجسام وتتناقلها الخلايا بسرعة الاتصال المباشر، دون محاضرات ولا توجيهات.

ومحال أن تستطيع حكومة من الأنبياء، وسلطة من المرسلين، وجهاز من الملائكة المطهرين، أن يخطوا للمستقبل طريقا واضحا تمشي فيه الأمة إذا كانت عناصر تلك الأمة فوضوية في سيرها.

 

 

 

تتمة المقال بعد الإعلان

 

 

 

تتمة المقال بعد الإعلان

تعليق واحد

  1. السلام عليكم، انا من متابعين وقراء جريدة الاسبوع، احييكم على السبق الصحفي، وملكة النقد، واستشراف المستقبل، إضافة إلى المعلومة، التي تكون صحيحة غالبا.
    اتمنى ان تبدأ مرحلة العثور على الحقيقة بعد نهاية الحجر الصحي، رحم الله .مولاي مصطفى العلوي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق