الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | الأفكار الأمريكية لإعادة النظر في الأنظمة الملكية

سياسة التقارير بين الأمس واليوم

التزام مصطفى العلوي مع قرائه مستمر :
يواصل طاقم «الأسبوع الصحفي» النبش في مقالات «الحقيقة الضائعة»، التي تركها مديرنا الراحل قيدوم الصحفيين مصطفى العلوي ولم تنشر من قبل، وحتى يتسنى تقديمها في أفضل حلة، ترجع جريدة «الأسبوع الصحفي» بقرائها إلى أرشيف ركن «الحقيقة الضائعة» في
انتظار إعداد مجموعة جديدة أخرى من المقالات لنشرها في هذا الركن.

بقلم: مصطفى العلوي

  زمجرت آلة التخطيط والتوجيه في المكاتب المنتشرة حول المائدة المقعرة في البيت الأبيض، التي يهيمن عليها الرئيس الأمريكي بوش الثاني، ورفعت عقيرة التهديد في وجه الملوك العرب(…)، بعد أن تركوا الرئيس الأمريكي مستسلما لهلوسته المرضية، التي جعلت من الرئيس العراقي صدام حسين كابوسا يقض مضاجعه.. لتتوجه بكامل عنايتها إلى ما تسميه في تقاريرها، ومحاضراتها، حتمية الديمقراطية الحقيقية لإصلاح أوضاع العالم العربي والإسلامي، انطلاقا من أن ((ضعف الأنظمة العربية هو سبب المشاكل الأمريكية)).

وهكذا استفحلت بالأمس كما اليوم، ظاهرة التقارير المنشورة عن الدراسات المتكررة حول ((الفساد المستشري في كيانات الحكام العرب والمسلمين))، حين توسع الباحث المستشار، الذي كان مصنفا لدى الرأي العام الأمريكي في عداد الحكماء “ريشارد هاس”، المسؤول السامي في شؤون سياسة وزارة الخارجية، وهذا لقبه الرسمي، والذي سبق أن ألقى محاضرة في واشنطن، نوه فيها بكلام الخبير العربي “فؤاد العجمي”، الذي يكتب للأمريكيين ((ما يوضح لهم كل غامض))، وكان “هاس” يتحدث إلى “المجلس الأعلى للشؤون الخارجية، محللا مبدأ الديمقراطية في العالم العربي، كـ((ركيزة أساسية للسياسة الخارجية الأمريكية انطلاقا من أن الديمقراطية هي في صلب المقاصد السياسية الحقيقية))، التي يظهر أن الحملة على العراق ليست إلا غطاء لها، مؤكدا أن خوفهم من العراق، هو نتيجة لسكوتهم عن تدهور الأوضاع في الدول العربية.

وحتى إذا لم يكن هناك هجوم على العراق، يكون هذا المخطط وسيلة لاستعادة المكانة الأمريكية لدى الشعوب الإسلامية والعربية، وعند قراءة عرض المستشار “هاس”، يتم التركيز على الازدواجية بين مجاملة الحكام الحاليين، لتركهم في دار غفلون(…)، وبين المخطط الأساسي الذي هو ضرورة التخلص من الأنظمة العربية الحاكمة التي لم يجدوا إحراجا في وصفها بـ”الأنظمة العربية الديكتاتورية”.

ويأتي وزير الخارجية الأمريكي “باول”، وهو أقل درجة، على الصعيد الثقافي والعمق الفلسفي، من المستشار “هاس”، رغم أن الوزير “باول” أسهم بدوره في تحريك آلة التخلص من الأنظمة العربية المتبنية للديمقراطية المزورة(…) من خلال العرض الذي قدمه الوزير “باول” في واشنطن يوم 12 دجنبر 2002 حول “برنامج السنوات المقبلة”(…).

ويلتقي “باول” مع “هاس” عند شكل الديمقراطية التي تريد الولايات المتحدة الأمريكية وتصمم على إقامتها في العالم العربي، وهي ديمقراطية من شكل جديد، ((تتوق إليها الأجيال الجديدة في العالم العربي))، لتتخلص من هذا الواقع المزيف، المغلف في الأشكال المزركشة لشعارات سطحية فضفاضة ظاهرها الديمقراطية، وباطنها الفساد والانحلال. “كولن باول” نفسه، أشار إلى بداية الفهم، عندما قال بأن ((هناك صحفا أسبوعية صغيرة الحجم تصدر في بعض الدول العربية، بدأت تسهم في تنوير الرأي العام)).

وينضاف تقرير رسمي آخر للخارجية الأمريكية، نشر في السادس من دجنبر 2002، ليعزف على نفس الوتر، انطلاقا من التعريف بالديمقراطية كما يريدها الأمريكيون وكما هم عازمون على تطبيقها في العالم العربي، والملخصة في القاعدة التالية: ((عندما نتحدث عن الديمقراطية، فإننا لا نقصد فقط أساليب المؤسسات المنتخبة(…)، فالديمقراطية التي نريدها هي توزيع الحكم بين الحكومة وبين المجتمع. ففي الحكومة الديمقراطية يكون توزيع النفوذ بشكل لا يكون فيه القرار لشخص واحد، ولا الكلمة المسموعة لصوت واحد. في الحكومة الديمقراطية يكون توازن النفوذ ناتجا عن تنافس بين السلطات التنفيذية والسلطات التشريعية في ظل عدالة مستقلة، يكون فيها الحكم تحت رحمة المعارضة الشرعية)).

حقا إن الأدب الأمريكي لم يستنبط من الأدب العربي مقولة “إياك أعني واسمعي يا جارة”، فعندما تذكر المستشار “هاس” حتمية المجاملة تجاه بعض الدول التي تساير التعليمات الأمريكية حاليا وتنفذ أوامرها، قال بالحرف: ((هناك بعض الدول العربية مثل أفغانستان، والجزائر وبنغلاديش، وأندونيسيا، والأردن، والكويت، ومالي، والمغرب، ونيجيريا، وقطر، وتركيا، واليمن، فهي دول ديمقراطية، أو في الطريق نحو الدمقرطة، ولكننا نرى أن هذه الدول الإسلامية لازالت في حاجة إلى المزيد من الديمقراطية)).

ويزيد تقرير الخارجية الأمريكية توضيحا، ليخص الملكيات العربية بالعناية الكبرى(…)، مكرسا مبدأ أفضلية الأنظمة الملكية على الأنظمة الجمهورية، إشارة إلى الرغبة الأمريكية في إقامة نظام ملكي في العراق، ولكن التقرير عندما يتكلم عن الملكيات العربية، فإنه يقول بصريح العبارة: ((إن النظم الملكية في المنطقة تتعرض لتآكل حقيقي في مصادر شرعيتها))، وفي تقرير وزير الخارجية الأمريكي، يتحدث “باول” عن كيانات هذه الأنظمة، بأنها قصور من رمال، واصفا هذه الأنظمة بأنها “مقفلة على نفسها”.

كما يعطي المستشار “هاس” مصداقية لهذه الآفاق عبر الكشف عن أن مجموعة من ثلاثين خبيرا عربيا مجتمعين في إطار ما سماه “تقرير تطور الإنسان العربي” والذين حضروا تقريرهم بناء على طلب من صندوق التنمية التابع للأمم المتحدة، وهو تقرير كشف للأمريكيين أنهم ((استهانوا مطولا بحقيقة الأوضاع في العالم الإسلامي، وخاصة في الدول العربية)).

وتعود التقارير الأمريكية كلها، إلى الفلسفة العربية “إياك أعني واسمعي يا جارة” عندما تتحدث كلها عن “التناقص السافر بين الديمقراطية الحقيقية، وبين وضع الجمود الاقتصادي، واستفحال البطالة أمام الانفجار الديمغرافي”، حيث يستدل عرض “هاس” بعبارة قذف صدرت عن الرئيس “بوش” في حق هذه الأنظمة التي يسيرها “أصحاب فكر ضيق وتافه”(…).

فكيف سيتصرف النظام العالمي الجديد وها هم خبراؤه يمهدون لتعرية هذه الأنظمة، وأي طريق سيسلكونه ونحن لا نرى في هذه التقارير كلها، أي تلميح إلى إمكانية إمتاع شعوب هذه الأنظمة، بأي حق في ممارسة حقها في التغيير أو الإصلاح.. بل إن كل الخبراء الأمريكيين، يبررون إطلاق اليد للسيد الأمريكي، في تغيير الأنظمة العربية بأساليبه الخاصة التي لم يعلن عنها، ولكنه ينطلق من إرادة ثابتة لنهج الأسلوب التالي: ((إنه ليست لدينا نية للانقلاب على العائلات الحاكمة حاليا، وإنما سنعمل على إعادة ترتيب الأوضاع داخل هذه الأسر(…)، وذلك عبر إجراء تغييرات تسفر بالضرورة عن تولي مجموعة جديدة من شباب داخل هذه الأسر، تتلاءم أفكارهم مع تطلعاتنا الجديدة)).

هذه المقاربة، تظهر وكأنها مأخوذة من أعماق التاريخ الأمريكي القريب، حينما اجتمعت نخبة من الدبلوماسيين الأمريكيين في إسطنبول سنة 2002، ولكن هذا النموذج التاريخي يرجع إلى نونبر 1949، حين كان نظام عالمي آخر يرتب لإعادة خريطة العالم العربي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فأصدر خبراء الدبلوماسية الأمريكية مخططا لذلك الوقت، مهدوا له بالاتفاق على ما يلي: ((اعترف الحاضرون بانتشار الفساد في الدول العربية، ولكنهم وجدوا أن الاستقرار في مصر ودول المنطقة، أهم من الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي))، وأعطى الخبراء الأمريكيون نموذجا بمصر، التي كتبوا عنها: ((في مصر ملك ضعيف، وسياسيون متشاحنون(…) وفقر مدقع، بجانب صفوة مرفهة وسخط شعبي وجماعات يسارية وإسلامية متطرفة(…) آخذة في النمو، واختلط كل ذلك بمزيج ينذر بالانفجار))، وقتها، وفي 24 فبراير 1950، قدم كاتب المجموعة في إسطنبول، كاتب الدولة المكلف بشؤون الشرق الأوسط “بيريتون بيري”، تقرير المجموعة الدبلوماسية، وعلق عليه بهذه العبارة: ((يوجد في العالم العربي والإسلامي موقف سياسي غير صحي، لا تستطيع الولايات المتحدة أن تسبح فيه، إلا إذا أبعدت العناصر التي تسيطر على الموقف)).

وفي 7 مارس 1950، اجتمع 52 دبلوماسيا أمريكيا في القاهرة، ليؤيدوا قرارات اجتماع إسطنبول ولاحظوا أن أي تغيير في مصر سيستغله الشيوعيون.

ولكن الأخبار المتواترة بعد ذلك، في مصر التي اتخذت كنموذج، كشفت أن الولايات المتحدة الأمريكية، كان لها دور في تشكيل الضباط الأحرار(…) الذين مهدوا لإسقاط الملك فاروق في مصر، وإسقاط الملك فيصل في بغداد، وإعدام الملك عبد الله في الأردن، وقتها أجمع المعلقون الأمريكيون على أن ((تلك الانقلابات كانت نتيجة العوامل السياسية الداخلية، التي مهدت لها ظروف كان مصدرها فراغ السلطة، عندما لا توجد قوة سياسية ويوجد رأي عام قليل أو لا يوجد رأي عام على الإطلاق)).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق