الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | مرض “وي.. وي” كان قديما وعاد هذه الأيام

مخاطر "مؤامرة الصمت" على الوطن..

التزام مصطفى العلوي مع قرائه مستمر :
يواصل الراحل مصطفى العلوي التزامه مع قرائه رغم وفاته، فقد كان الراحل حريصا على ترتيب مواعيده مع قرائه من خلال كتابة ما يجب أن يكتب، في انتظار نشره، بل إن طاقم “الأسبوع” بعد التنقيب في خزانة الفقيد، عثر على مقالات وروايات واقعية مكتوبة بخط يده، ولم تنشر من قبل، سنعمل على الإستمرار في نشرها وفاء لروح أستاذنا مصطفى العلوي في ركن “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

  هناك في دواليب الدولة وهياكلها.. دوربها وكواليسها، أصناف من الرجال، لا يحول بينهم وبين افتضاح بلاياهم، إلا وقوف الشاوش ببابهم، والسواق بسيارتهم، والكاتبة بديوانهم.

ولقد سمحت لي تجربتي الطويلة، في معرفة الكثير من “الأقطاب”، وأضعهم بين قوسين، أن أعرف الكثير منهم، كذلك الذي كان برتبة تعادل وزيرا، وكانت له لحية تعطيه هبة، يزيدها منصبه وخطورته في الركب رعدة، فكان يدخل عليه أصحاب المشاكل الكبرى هلعين مضطربين، يحكون أو يشتكون، وفيهم من رجال الدولة الكبار.. وفيهم من جره الزمن ليأتي عند سيادته كي يستجدي حقه، أو يندب حظه، فكان صاحبنا يجلس أمام محدثه كالتمثال في برودة رمسيس، وهدوء المسيح.. ولكنه لا يتوقف عن مشط لحيته بأصابعه، وجر أطراف شعرها، مما يزيد المشتكي إليه عصبية وارتعاشا، فكان صاحبنا إنما يرد على كل جملة مفيدة بهز رأسه، وهو يقول: وي.. وي..

وكثيرا ما يفطن المتحدث إلى أن المشتكى إليه لا يفهم إلا الفرنسية، والحقيقة هي العكس، فإن المشتكي يستأنف رفع عقيرة شكواه باللغة الفرنسية، ليرد عليه صاحبنا: وي.. وي..

وبوي.. وي.. هاته، ارتفع شأن الرجل، وأصبح في المرتبة الثالثة أو الرابعة في السلم السلطوي، بينما هو لا يحل مشكلا، ولا يلبي طلبا، وإنما كلما تكاثر المشتكون وتهافت الطالبون وتزاحم على بابه الراغبون، كلما زاد علما بما يخفى عنه من أسرار وجزئيات.

وعرفت في عز شبابي إطارا من أطر الدولة الشجاعة، شارك في إضراب وزارة الخارجية في الستينات، فكان بذلك من أقطاب الرفض، وهي الفترة التي كان فيها أحد الطلبة المغاربة في باريس، يدوس على صور ومقدسات مغربية، فاستدعاه السفير المغربي، في إطار التصالح، وطلب منه أن يقدم الاعتذار.. فرفض، وقال: أنا أعتذر؟ وقد عاد للمغرب.. لكن، وزيرا من كبار الوزراء.

صديقه الذي شارك في إضراب وزارة الخارجية، كان مصابا بعاهة أخرى، إضافة إلى “عاهة المعارضة”، والمعارضة عاهة في نظر الكثير ممن يكثر الحديث عنهم في هذا الموضوع.. صاحبنا المغربي في الخارجية، كانت عاهته أنه يرد على كل موضوع، وكل شكوى، وكل اقتراح، بكلمة: ما كاين مشكل..

وكان هذا المعارض الرافض، يرفض أن شفتيه في كل مرة نطقت فيها بتعبير “ما كاين مشكل”، إلا وقربته من سلسبيل النفوذ ومجد الحكم.

فعلا، وبفضل “ما كاين مشكل” هاته، أخذ المعارض الرافض يترقى في المناصب إلى أن أدرك بدوره مرتبة مستشار كبير، دخلت عليه في مكتبه سنة 1974، بعد رجوعي من جولة في الصحراء وكانت لازالت محتلة، وحدثته عن تشكيل جماعات البوليساريو، وما يحضر ضد المغرب، فأجابني: “ما كاين مشكل”. وبعد ذلك بأيام.. أصبح وزيرا.

وبين “وي.. وي..” وبين “ما كاين مشكل”، نجد أنفسنا أمام “قاموس الحكمة” بكلمات كهاته تفتح الأبواب للتنصيب والترشيح.

فمن يا ترى يرشح للمناصب العليا؟ وما هي مقاييس الترشيح؟

وإذا كانت سياسة “ما كاين مشكل” هي التي جرت علينا مآسي عانينا منها وأزمات أفلتنا منها.. وظروف كاد المغرب كله أن يذهب فيها، وكان الله في كل مرة يسلم.. فلماذا استمرار خريجي “جامعات كل شي مزيان” والمتخصصون في إدراج كل حدث مهما كانت خطورته في مسلسل “العام زين”؟

وها هي الأحداث تؤكد لنا أن المغرب لازال يسير بنفس العقلية التي سار عليها مرات إلى “على شفا الهاوية”.

أكيد أن هناك أياد خفية، تكمن وراء كل قرار وكل حدث.. وإن كان من الصعب اكتشاف هذه الأيادي أو التعرف على أصحابها، فإن انصباب كل الحلول في قناة مجموعة معينة من القابعين، يشير إلى أصحاب تلك الأيادي التي تعمل بالمرموز، ويحولهم من دائرة الغموض إلى الحلقة المضيئة بالوضوح.

عندما نصب جلالة الملك يوم عاشر أكتوبر 1977 الوزير الأول الجديد، أحمد عصمان، قال له بصريح العبارة: ((إن ما اجتاح المغرب من مشاكل طوال القرون التي عاشها، يرجع إلى شيء واحد، هو ما أسميه بمؤامرة الصمت، أو مؤامرة الكتمان.. إن الدائرة والبطانة التي كانت تحيط بملك المغرب، كانت تخفي عليه إما الكل وإما البعض، وهذا ما أسميه مؤامرة الكتمان)).

فهل خرجت الدائرة أو البطانة، الحكومة أو الإدارة، عن قاعدة الصمت عن قول الحقيقة، أو تبليغ الصيغة؟

لقد عرف المغرب على مدى قرابة الأربعين عاما من الاستقلال، أحداثا يشيب لها الولدان، ووقائع ذهبت بالعشرات من أبناء المغرب إلى مصيرهم الحتمي دون أن يعرف الكثير منهم سبب موته، رغم أن الأسباب متعددة والموت واحد.

وطمست الأيام ملفات كان فتحها كفيلا بالكشف عن أسرار وخبايا تفتح العيون، وتنفس عن الخلايا..

واختفى رجال – فيهم من لازال مختفيا – لمجرد أنهم أرادوا الغور قليلا أكثر مما يغور الآخرون.. وفيهم من لازال مختفيا بمحض إرادته حفاظا على نفسه مما قد يجره عليه الظهور.

وأخفى الكثيرون من رواد الدائرة والمنتسبين للبطانة، أخطاء في حجم الصوامع، حفروا لها أبيارا عميقة، وواروها تحت ترابها.

ترى.. وقد مرت الفترة القانونية التي تحمي وثائق الدولة وأسرارها، ومضت سنوات طويلة على أحداث لم يبق هناك مانع للكشف عنها، فهل جاء وقت التعرف على خبايا أحداث عرفها المغرب وأخطاء ارتكبها أبناؤه.. علنا نستفيد منها أو نتفادى إعادتها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box
إغلاق
إغلاق