روبورتاج

مع الحدث | هل تتحول المعركة بعد “كورونا” إلى حرب بين الأغنياء والفقراء؟

الدولة تحارب "كوفيد 19" والسياسيون يبحثون عن مواقع أخرى..

الرباط. الأسبوع

    يتضح أن نخبتنا السياسية والاقتصادية باتت وكأنها تفكر بشكل مستقبلي واستراتيجي أكثر من الدولة نفسها، وهو ما جعلها تنطلق من الآن في وضع الخطط والمخططات لما بعد جائحة “كورونا”، رغم أن الدولة بمؤسساتها وكل السلطات لا زالت تصارع وتعبئ كل إمكانياتها وطاقاتها فقط لمحاصرة الفيروس والحد من انتشاره ومن أثاره الاقتصادية والاجتماعية على البلاد، أي أن الدولة تحارب “كورونا” والنخب تفكر لما بعد “كورونا”.

وإذا كان التفكير في ما بعد “كورونا” في هذه اللحظة قرارا استراتيجيا كبيرا يتطلب أولا معطيات حقيقية عن الوضع ما بعد الجائحة، وثانيا، امتلاك الحد الأدنى من مقومات الدراسات المستقبلية أو الاستراتيجية، فإن تفكير نخبنا السياسية الشعبوية فيما بعد “كورونا”، يعمل بمنطق يختلف عن المنطق الاستراتيجي الاستباقي لرجال الدولة، أي بمنطق إما انتخابوي ضيق (التسابق من الآن على كعكة استحقاقات 2021)، أو بمنطق تحالف سياسي مصلحي نفعي ذاتي لا علاقة له بالتحالف السياسي الاستراتيجي الذي ينهل من نفس الفكر والرؤية (كما يقع بين الاتحاد الاشتراكي والتجمع الوطني للأحرار)، أو حتى التفكير بطريقة عدائية تجاه الحليف السياسي الحالي لعرقلة نجاحاته الممكنة (كما يقع حاليا بين التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية).

الحرب السياسية بين الأحزاب حول مكانتها بعد “كورونا”، قد انطلقت بخلفيات مختلفة، ومن الآن، أي قبل الانتصار على الوباء الفتاك الذي يضرب بلادنا، في حرب اقتصادية وسياسية واجتماعية حامية الوطيس بين المعنيين داخل دواليب الدولة، حول من يجب أن يستأسد وتعطى له الأولوية مستقبلا بعد الخروج من هذه الجائحة، وذلك بمنطق “البيضة أم الدجاجة؟”، أي الشركات والمقاولات، أم الطبقات المسحوقة؟

هذه الحرب السياسية المغلفة بالشعارات الاقتصادية، تجري سرا وعلانية بين الأطراف السياسية في البلاد، وقد أصبحوا محللين و”كتاب” أعمدة رأي وتحليل سياسي للأوضاع، كما حصل مع مقال صحافي لأول مرة، مثل حالة عزيز أخنوش زعيم حزب التجمع لوطني للأحرار، وإدريس الأزمي وزير الميزانية السابق والقيادي الحالي بحزب العدالة والتنمية، اللذين كتبا مقالات رأي كانت مليئة بصواريخ القصف المتبادل أكثر منها تحليلا للوضعية الاقتصادية الراهنة والمستقبلية للبلاد.

العثماني البوهالي ورد أخنوش القاسي

القلاقل الأولى لهذه الحرب المستقبلية، أعطى شرارتها “ربما بدون قصد”، رئيس الحكومة العثماني، الذي دعا في منشور له، مختلف الوزارات والإدارات والمؤسسات العمومية، إلى التقشف في النفقات، بل دعاهم إلى عدم صرف الأموال إلا للضرورة القصوى، كرؤية استراتيجية منه لمواجهة انعكاسات الجائحة على توازن الميزانية العامة للبلاد، وبالتالي، دعوته للتقشف في كل شيء باستثناء قطاعات الأمن والموظفين وبعض النفقات الضرورية.

هذا التحليل من رئيس الحكومة ورئيس حزب العدالة والتنمية، لن يسلم من تهكم وانتقاد مباشر من وزير الفلاحة وزعيم الأحرار عزيز أخنوش، الذي رد في مقال رأي بشكل واضح وعنيف على رئيسه في الحكومة وخصمه في السياسة، بطريقة رأى فيها إخوان العثماني نوعا من التعالي وإعطاء الأوامر والتعليمات و”الأستاذية” في حق العثماني، حين قال أخنوش: “يجب أن يتوقف ذلك الخطاب الذي يولي الأسبقية لمداخيل الدولة، ويضع على كف المعادلة الاختيار بين إنقاذ الدولة أو المقاولات”، بل أكثر من ذلك، فعزيز أخنوش بات ينقط لسياسة رئيسه في الحكومة، ويحكم على تصريحاته بأنها ليست أخطاء بسيطة أو مجرد قصر في الرؤية، بل هي أخطاء جسيمة، حين اعتبر أن “الترويج لسياسة تقشفية يعتبر خطئا جسيما”، والجميع يعلم تبعات الخطأ الجسيم الذي يستحق صاحبه أو مرتكبه الطرد، فهل يلمح أخنوش إلى ضرورة طرد العثماني من رئاسة الحكومة؟

أخنوش لم يقف عند حد الرد وبقسوة على رئيسه في الحكومة العثماني، بل سار يرسم معالم حكومة ما بعد الأزمة، ويتطرق لسبلها ونهجها وسياستها التي يجب أن تعمل بها بدون خطأ، أي أن الحكومة المقبلة، من منظوره، يجب أن تختار بصراحة “الدجاجة”، أي الشركات والمقاولات الكبرى، لدعمها على حساب الفقراء، حيث دعا الحكومة المقبلة إلى ضرورة “الرفع من مستوى المديونية وتحمل المخاطر، ومواكبة الفاعلين حتى يتمكنوا من تخطي المرحلة، لأن الفاعلين الاقتصاديين سيحتاجون بدورهم إلى دعم ومواكبة الدولة”.

أخنوش، وبشكل واضح، رتب أولويات برنامجه السياسي في الدعم المالي للشركات الاقتصادية على حساب الطبقات الاجتماعية، كما جعل الأولويات الاقتصادية على رأس أهداف الدولة، بل يجب أن تبقى هي “الهدف الأول وراء تدخل الدولة، وعلى المدى القصير، يجب وضع أسس الإقلاع الاقتصادي المنشود، لذا، وجب توفير دعم عمومي للفاعلين الاقتصاديين قصد الحفاظ على قدراتهم على إعادة الإقلاع، وحمايتهم من خطر الاختناق المالي، وسيمكن هذا الدعم من استثمار الفرص المتاحة أمام المقاولات، لمواصلة نموها، وكذا الوفاء بالتزاماتها، بما في ذلك إزاء المستخدمين”.. إذن، لا مجال للخطأ في نظر أخنوش، وكي لا تخطئ الدولة والحكومة المقبلة، عليها أن تدعم بشكل أولي، المقاولات والباطرونا.

غضب في صفوف “الإخوان”

الهجوم، حسب هذا المقال “المنسوب” لعزيز أخنوش، على رئيسه في الحكومة العثماني، أغضب بشدة وزراء وقادة العدالة والتنمية، الذين اعتبروه ليس تطاولا على اختصاص رئيس الحكومة وعدم مناقشة أفكاره بـ”الصواب والاحترام” المطلوبين، بل يخفي في طياته تعالي رجال المال والباطرونا على مصالح البلاد والعباد، ولا تهمهم سوى أولوية مصالحهم على مصالح الشعب المغربي، حيث انبرى البعض منهم للرد على أخنوش معتبرينه يمثل لوبي رجال المال والصناعة، واتهموه بأنه “لوبي” يريد أن يسترجع ما خسره في هذه الأزمة، وربما حتى ما تبرع به لصندوق كورونا مباشرة بعد نهاية الأزمة، حيث بدأ من الآن يطالب الدولة بضرورة أن تعطي للمقاولات وللفاعلين الاقتصاديين الأولوية في عملية الدعم القادمة على حساب تعزيز الدولة لتدخلها في المجال الاجتماعي من خلال الاستثمار بقوة في مجالات الصحة والتعليم.

وبعيدا عن الردود الكثيرة والمتنوعة من طرف “الجيش” الإلكتروني لحزب العدالة والتنمية، ومقالات الرأي لعدد من قيادات الصف الثاني داخل حزب “المصباح”، سنتوقف عند الرد الذي تكفل به، وعلانية هذه المرة، القيادي إدريس الأزمي بصفته رئيسا للمجلس الوطني لـ”البيجيدي” وبصفته كذلك وزيرا للميزانية في حكومة بن كيران، حيث اعتبر أن هذا الاختيار الذي يدافع عنه أخنوش، يعتبر “خطرا على البلاد”، والأخطر منه، هو “التطبيع مع المديونية” الذي دعا إليه وزير الفلاحة والصيد البحري.

الأزمي ذكر أخنوش بالدستور، الذي ينص على “ضرورة الحفاظ على التوازن المالي للميزانية العامة للدولة”، كما ذكره بمختلف “القوانين التي لا تسمح للحكومة بتجاوز الاقتراض المسموح به في نفقات الاستثمار وسداد أصل الدين”، بل اعتبر أن هذا التوجه يمكنه “أن يهدم كل ما بنته بلادنا على مستوى التوازنات المالية والإصلاحات السياسية الجريئة التي تم اعتمادها، لاسيما ما بين سنوات 2012 و2016، أي خلال حكومة بن كيران”.

وفي إطار توجيه الأزمي للمزيد من الدروس الاقتصادية والقانونية لأخنوش، قال بأن “الديون التي نريد أن ندعم بها المقاولة اليوم، قد تتحول إلى ضرائب أو تضخم غدا”، وللمزيد من الإمعان في تقطير الشمع وتوجيه الرسائل السياسية هذه المرة من تحت الطاولة لأخنوش، أضاف الأزمي، أن “الملك أعطى التعليمات بإحداث الصندوق لتجاوز الأضرار بطريقة التضامن، وليس بطريقة إغراق البلاد في الديون الخارجية”، بل وفي رسالة سياسية صريحة لزعيم الأحرار، على تجاوزه لرئيسه في الحكومة، قال الأزمي إنه يجب “إدارة مواردنا بشكل جماعي، وجعل الفريق الحكومي يشتغل بتضامن وبذكاء جماعي، وليس كل واحد يدافع عن قطاعه”.

أوجار السياسي يصلح ما أفسده أوجار الرأسمالي

يتضح أن الحرب التي نشبت بين “البيجيدي” وأخنوش، قد تكلف حزب الأحرار الشيء الكثير، سياسيا وانتخابيا، إذا ما نجح رفاق بن كيران في رسم صورة “حزب الشركات” عن حزب الأحرار وكأنه “الحزب المعادي” للفقراء والبسطاء من الشعب الذين يمثلهم حزب العدالة والتنمية، أي أن تحليل أخنوش قد يكون سليما من الناحية الاقتصادية، غير أنه مكلف من الناحية السياسية، وهو ما جعل محمد أوجار، القيادي السياسي في حزب الأحرار ووزير العدل السابق، ابن الطبقات الشعبية، يدخل على خط هذه المعركة، لإعادة نوع من التوازن لتصريحات أخنوش ومحاولة إنقاذ الحزب برمته من تداعياتها السياسية، وهو السياسي المخضرم الذي يعرف جيدا وقع الضرائب السياسية الأكثر كلفة أحيانا من الضرائب الاقتصادية.

فقد حاول أوجار، بحنكته السياسية، التخفيف من الحدة الاقتصادية لمقال أخنوش، والعمل على تسييسه، حين حسم بأن رؤيته كقيادي بحزب الأحرار، تمثل شريحة واسعة داخل حزب التجمع، وأن رؤيتهم للمغرب مما بعد “كورونا” بعد التفكير الجماعي لما يجب أن يكون عليه المغرب غدا، هو “دولة قوية باحترام القانون وحقوق الإنسان، دولة جادة في معالجة العجز الاجتماعي ومحاربة الفقر وكل أشكال الفساد، وآلة حريصة على دعم جبهتنا الداخلية وتلاحم مجتمعنا في مشروع جماعي، يستهدف كرامة الإنسان، ونهضة البلاد، ومناعة الاقتصاد الوطني، وتساوي الجميع في الحقوق والواجبات في ظل دولة الحق والقانون” في محاولة منه لمسك العصا من الوسط بين فقراء المغرب وأغنيائه.

للمعارضة نصيب..

ما بعد “كورونا” والخيارات الممكنة بالنسبة للاقتصاد الوطني، لم تبق محط سجال بين “البيجيدي” والأحرار فقط، بل إن المعارضة دخلت على الخط، وجاءت على لسان عبد اللطيف وهبي، زعيم حزب الأصالة والمعاصرة هذه المرة، الذي اعتبر في مقال له أن “كلا الوزيرين، أخنوش والأزمي، وكلا الحزبين، البيجيدي والأحرار، مسؤولين عن الأزمة الحالية التي نعيشها، وأنهما بمقاليهما، لم يقوما سوى بتبادل الأدوار”.

وقال وهبي بأن الطرفين يشيدان في مشهد غريب، بـ”قوة اقتصادنا كمدخل أساسي لتحمله أضرار الوباء”، في حين أن الحقيقة هي خلاف ذلك، ويرى وهبي أن حقيقة “ضعف اقتصادنا في وضعه الحالي وهو يواجه أزمة كورونا، كان واضحا، ويتجسد مرة أخرى في استجدائه الدائم بالمديونية الخارجية للحد من وطأة عجز الميزانية”.

وهبي، وبعدما اتهم الطرفين بالاختباء وراء الثوابت الدستورية (أخنوش اختار الاختباء وراء الملكية الدستورية، والأزمي اختار ثابت المقدس الديني)، حمل الوزيرين والحزبين معا مسؤولية أزمة مواجهة جائحة “كورونا”، التي قامت في نظره بـ”تعرية حقيقة الاختيارات الاقتصادية لعشر سنوات خلت، بل أوضحت هذه الأزمة كيف يسعى الوزيران كذلك إلى التنصل من المسؤولية الحكومية والتاريخية لحزبيهما” يقول وهبي.

بين حزب الأغنياء وحزب الفقراء

السجال وتبادل القصف بين حزب أخنوش وحزب العثماني، هناك من الباحثين من بدأ يعتبره معركة مصيرية، وشجرة تخفي غابة حرب حقيقية حول ميزان القوى بين الطبقات الاجتماعية، أي بين فقراء البلاد وأغنيائه، تجسدها الأحزاب السياسية، حيث حزب الأحرار وكأنه حزب الباطرونا الذي يمجد رأس المال ويدافع عن مصالحه الاقتصادية، وأن تكون الدولة في خدمته، لأن تطور ونجاح المقاولات من نجاح اليد العاملة الفقيرة ومن أدوات الاستقرار الاجتماعي والسياسي بالبلاد، وبين حزب العدالة والتنمية، حزب “الفقراء” والمساكين والمهمشين، الذي يتطلع لإنصاف ودعم من الدولة لهذه الفئات الاجتماعية الهشة التي تستحق أن تأخذ نصيبها من خيرات وثروات بلادها، وتستحق الإنصاف من الدولة التي عليها أن تعدل بين الفقراء والأغنياء، وأن على حزب الأغنياء أن يعي جيدا، أن أي دعم واستثمار في الفئات الفقيرة والهشة، هو استثمار في الاستقرار الاجتماعي الذي يحتاجه الغني لمواصلة استثماره وجنيه للأرباح.

لذا، فالمعركة المقبلة داخل دواليب الدولة، ستكون تحديا قويا بين رجال المال الذين يريدون نصيبا أكبر من الميزانية لتحسين وضعهم الاقتصادي وتحريك عجلة الاقتصاد، أما التحدي الثاني، فهو الاستمرار في دعم، وبطريقة أكبر، القطاعات الاجتماعية رغم ضعف الميزانية العامة بسبب شح الموارد الخارجية من استثمارات أجنبية وعملة صعبة من قطاع السياحة وعائدات مغاربة العالم، فرغم هذا الإكراه المالي، ستكون الدولة مجبرة على المزيد من الدعم للفقراء والبسطاء ضمانا للتوازنات الاجتماعية التي ستشكل أساس استقرار البلاد.

وفي هذا السياق، تردد الحكومة من الآن: “كفى من النفقات والعمل على الحد من مصاريف السفريات والمهرجانات”، لأنه لا دخل لنا بعد اليوم، أما لوبي المال والأعمال، فيقول لها “اقترضي من الخارج وضخي في ميزانية شركاتنا ومصانعنا، لأنها هي التي ستحرك عجلة الاقتصاد”، فبات العثماني أمام السؤال الإشكالية: من يسبق: الدجاجة أم البيضة؟ أي هل الباطرونا أم الفقراء؟

في ظل هذه الحرب الباردة أحيانا، والساخنة أحيانا أخرى بين نخبنا السياسية حول “الميزانيات والسياسات المالية المستقبلية للدولة”، يعتبر الكثير من الفاعلين الماليين، أن من سيغذيها ويشعلها بقوة، هو غياب الدور المخفف عن الدولة الذي يمكن أن يلعبه قطاع الأبناك في تمويل المقاولات بدلا عن الدولة، غير أن الأبناك أقسمت بأغلظ الإيمان ألا تغامر في ظل هذه الجائحة، ولم تقم بإعطاء المال للمتضررين حتى تدخل بنك المغرب مرارا، وحصلت منه على ضمانات كبرى جدا قبل أن تنطلق في عملية “تقطار” المساعدات، وبالأحرى تدخلها لإنقاذ المقاولات والشركات الكبرى، ومعها إنقاذ الوطن من حجم وخلفيات ومخاطر هذه المعركة القادمة، التي يبدو أن العثماني وحزبه معول فيها كثيرا على تدخل الملك، لأن العثماني وحزبه سيظلان حيتانا صغيرة جدا أمام قرش لوبيات الأبناك ورجال المال والاقتصاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق