بين السطور

بين السطور | السنة بيضاء… والمشهد أسود

بقلم: الطيب العلوي

  الأيام تمر، و”الاعتكاف” قائم، والتعليمات تُعطى، والتراخيص تُوزّع، والضحايا يحصون، و”القايدات” يصحن، والحبر يسيل، والأقلام تسجل… لسرد ديوان سميك بما فيه الكفاية، يثبت أننا نعيش بلا شك أسوأ سنة في عهدنا، قد نحكيها للأجيال القادمة كما يحكي أسلافنا عن “عام البون”.

رغم كل المجهودات والتدابير الاستباقية الفريدة التي بذلتها الدولة، على كل المستويات، منذ أوائل شهر مارس، والتي لم تترك هذه المرة لأحد الفرصة للانتقاد(…)، نتجه دون شك نحو سنة بيضاء، بكل ما للكلمة من معنى، فبغض النظر عن كل ما هو عمَلي، فهذه السنة “الزغبية” قد تعرف غياب حتى عالم الروحانيات، حيث من المحتمل أن نعيش أول شهر رمضان في تاريخ الإسلام دون تراويح ولا إفطار جماعي، أما إذا عدنا لكل ما هو عمَلي، فأذكركم أننا قد نعيش أول فاتح ماي، بلا شغل، ولا مظاهرات!

اقتصاديا: الخط مشغول

ما زاد الطينة بلة، تزامن انتشار الجائحة، مع سنة جافة، في بلد ترتبط فلاحته بشكل كبير بالتقلبات المناخية، أترككم إذن لتخمين حالة المحصول الزراعي القادم بأنفسكم.. وإذا ما تعلقنا ببصيص أمل في انتظار الجالية المغربية خلال الصيف القادم، لـ”تدوير الحركة” شيئا ما، فيبدو أن أعضاء الاتحاد الأوروبي يتهامسون بينهم في هذه الأثناء، لتمديد إغلاق الحدود الأوروبية إلى غاية شهر شتنبر، وبالتالي، ففيما يخص التدفقات النقدية الواردة: “ما كاين دوڤيز”.

المهم.. الوضع الاقتصادي كارثي، يحيل على مقعد البدلاء، طالما لم تعد الأنظار على الساعة السادسة من مساء كل يوم تتوجَّه نحو إغلاق حصص سوق العملات، ولا صوب بورصة نيويورك ولا صوب “نازداك”، وإنما صوب ندوات وزارات الصحة لمختلف الدول، وكأنها بورصة يومية من نوع جديد.. بورصة “البشر”، عوَّض فيها عدد المتعافين الأسهم الخضراء المتجهة نحو الأعلى، وأرواح الضحايا عوّضت بدورها الأسهم الحمراء المتجهة نحو الأسفل.

نوع الفيلم: مرعب

من كان ينوي الفرار نحو الشمال، أبلّغه أنه حتى حدود البلاد مغلقة، والبارع منّا(…)، فليعلم أن قوارب الموت قد بدأت تأخذ اتجاها معاكسا هي الأخرى، على كل حال، حتى الدول التي كانت تغذي طموح وأحلام الكثيرين، كالولايات المتحدة، تنظم حاليا مراسيم الدفن بـ”الجملة” في حفر جماعية، شيء لم يحصل فيها منذ الحرب العالمية الثانية، وفي الضفة المقابلة من المحيط، عواصم أوروبية كمدريد، فتحت حلباتها الأولمبية للتزحلق على الجليد، وأشعلت أضواء هاته القاعات المغطاة الضخمة الباردة، لا للتزلج هذه المرّة، وإنما لتنشر فيها جثث الضحايا حفاظا على طراوتها، في انتظار نقلهم لبلدانهم، ودفنهم هناك بعد رفع “الحصار”، بينما تشرع المدن الإيطالية في حرق الجثث (كيفما كانت عقيدتهم) بصفة تلقائية، فور التحقق طبيا من الوفاة، والسيناريوهات الرهيبة لا تنقص…

ومن كان ينوي الفرار نحو الجنوب، فليعلم أن أيادي خفية تحركها لوبيات معينة، ما زالت متشبثة بفكرة جعل بعض الدول الإفريقية مختبر تجارب.

أما من نوى البقاء للتداوي في “عين المكان”(…)، فقد جرّب حظّه، وأكل القرنفل، حتى اختنق به، ومات.

بعد كل الحروب.. جاءت هذه الحرب بطابع جد خاص، كل الأبواب فيها مغلقة، وبإحكام(…)، والنافذة الوحيدة المفتوحة فيها للاطلاع على ما يجري، هي نافذة “الويب”، ومن لم يتضرر فيها جسديا، تضرر معنويا، معركة من نوع جديد: صامتة، نظيفة، سلاحها كمامات وقفازات، واستراتيجيتها العزل والوقاية، والأكثر طهارة ووعياً، سينتصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق