الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | عندما كان الفرنسيون يعتبرون الجزائر مقاطعة فرنسية

تعالوا نتحدث عن الإرهاب (الحلقة 9)..

التزام مصطفى العلوي مع قرائه مستمر :
يواصل الراحل مصطفى العلوي التزامه مع قرائه رغم وفاته، فقد كان الراحل حريصا على ترتيب مواعيده مع قرائه من خلال كتابة ما يجب أن يكتب، في انتظار نشره، بل إن طاقم “الأسبوع” بعد التنقيب في خزانة الفقيد، عثر على مقالات وروايات واقعية مكتوبة بخط يده، ولم تنشر من قبل، سنعمل على الإستمرار في نشرها وفاء لروح أستاذنا مصطفى العلوي في ركن “الحقيقة الضائعة”.

 

بقلم: مصطفى العلوي

  كان الاستعجال الفرنسي في وضع الحد للحركة الثورية التي كانت في الواقع مشتركة بين أقطار المغرب العربي الثلاثة التي حصلت على استقلالها، مدفوعا بحافزين اثنين:

أولا: أن دولتي تونس والمغرب، كانتا محتلتين بمقتضى وثائق تحدد في الزمان وفي المكان، فترة التواجد العسكري في إيالة تونس، ومملكة المغرب، وإنما استعذبت فرنسا مقامها فيهما، وتناست التزاماتها، فكانت شرارة الثورة الشعبية في كل من تونس والمغرب، لازالت في بداية انطلاقها، عندما سارعت فرنسا لمفاوضة الملك المرحوم محمد الخامس في منفاه، والرئيس بورقيبة في تونس، ففرنسا لم تكن قادرة على مواجهة الشعوب الثلاثة وهي في ثورتها.

ثانيا: أن الجزائر التي احتلتها فرنسا سنة 1830، كانت بالنسبة للفرنسيين “امتدادا لجغرافية وطنهم”، لذلك، كان التفرغ لها ولثورتها، التي اندلعت في الفاتح من نونبر 1954، أهم بكثير من أي شيء آخر.

ثم إن “إلهاء” المغاربة والتونسيين باستقلالهم، كان في نظر فرنسا هو الطريقة الأنجح لنقل الجيوش الفرنسية من المغرب وتونس إلى الجزائر، وتركيز الاهتمام الكلي على الجزائر وحدها، وفعلا، تفرغ الفرنسيون بكل جوارحهم، للاستماتة في الدفاع عما كانوا “يعتبرونه أرضهم”: “الجزائر الفرنسية”.

وحتى لا يضيع “الهدف الأسمى” في دوامة الأفكار الديمقراطية والصراعات الحزبية التي تعتبر باريس مرتعا لها، قام الجيش الفرنسي بالحركة المعروفة باسم “حركة 13 مايو 1958” بالاستيلاء على الحكم في فرنسا، والإطاحة بالجمهورية الرابعة “الضعيفة” وإقامة الجمهورية الخامسة التي قامت على رؤوس الأسنة وأفواه البنادق، ونصبت الجنرال دوكول على رأس الدولة الفرنسية، لإنقاذ فرنسا واستعادة هيبتها.

لكن الجنرال دوكول، وكان فيلسوفا سياسيا، ورجلا هادئا متزنا مشبعا حتى نخاعه بالروح الديمقراطية، لم يستطع كبح جماح الطغمة العسكرية التي أرادت إقامة ديكتاتورية عسكرية، والتي لم تقبل منه بداية تفهمه لأوضاع الثوار الجزائريين، فلجأت إلى الإرهاب في حقه شخصيا أثناء محاولة لاغتياله في قلب باريس.

وإذا كان هذا هو أسلوب التعامل الإرهابي مع رئيس الدولة الفرنسية، ترى كيف سيكون التعامل مع الثوار الجزائريين الذين استقروا في الجبال، ومع الشعب الجزائري الذي كان في المدن والبوادي يتعاطف مع جبهة التحرير الجزائرية؟

لقد تحولت الجزائر، على مدى فترات قليلة بعد سنة 1958، إلى منطقة حرب شرسة استعملت فيها كل الوسائل القذرة لاجتثاث جذور الثورة من بين أظافر الجزائريين، وتأسست عصابات “الأوايس” التي يعني اسمها “منظمة الجيش السري”، لتباشر الأعمال التي لا يسمح القانون بممارستها، فعندما تعتقل الشرطة الفرنسية مواطنا جزائريا لتتأكد من براءته بمحضر محاميه، وبغطاء من عيون الرأي العالم ومراسلي الصحافة، وتطلق سراحه، تختطفه عند باب مخفر الشرطة، مجموعات من “منظمة الجيش السري”، لتغتاله وترمي جثته في البراري.

هكذا.. وبدون مبالغة في الوصف ولا تحامل في الانحياز، فإن ما سيأتي سيكون أعظم.

“فيلا أندريا”

ومع الأكل تزداد الشهية، كما يقول المثل الفرنسي، فكان لابد لعصابات “الأواييس” من أن تنظم أجهزتها وتشحذ نصالها.

وكان لعاب القتلة والسفاكين في دهاليز الإجرام بفرنسا، وكم هي مظلمة وموبوءة، يسيل لرائحة الدم السيال، المنبعثة من الشاطئ الآخر للبحر الأبيض المتوسط.. فلم تبخل منظمة “الأوايس” على هذه المجموعات من المتعطشين للدم، بأن يأتوا إلى الجزائر لـ”إرواء ظمأهم وإشباع نهمهم”.

وكان مركز النشاط الإرهابي في الجزائر عبارة عن بيت في مرتفعات حي الأبيار، بمدينة الجزائر، استولت عليه العصابة وسمي “فيلا أندريا”، أصبحت مركز الإرهاب بالنسبة لكل مهتم في الجزائر أو فرنسا بتصفية المسلمين.

بل إن بعض المستشارين القانونيين لعصابة “الأوايس” في فرنسا، أصبحوا يحررون لوائح طويلة بأسماء كبار المجرمين والقتلة والسفاكين الموجودين في السجون، فيتم إطلاق سراحهم، والتعاقد معهم، ونقلهم بسرعة إلى “فيلا أندريا”، كما انصب اهتمام قادة عصابة “الأوايس” على الأندية الرياضية، وخاصة أندية رياضة الكراطي، لاختيار تلك الفصيلة من الرجال الذين يقتلون بأيديهم دون إطلاق الرصاص، فالمهم، أن يموت المسلم الجزائري بأرخص ثمن(…).

وفي أحد هذه النوادي، عثر رجال “الأوايس” على بطل يهودي “متطرف” في رياضة الكراطي، اسمه “جيم الشيخ”، كلف باختيار مجموعة من أنداده، التحقوا جميعا بالجزائر في “فيلا أندريا”.

وكان “جيم” هذا، متحمسا جدا للعمل، وهل هناك متحمس لقتل المسلمين أكثر من يهودي “متطرف”؟ لذلك أصبح “جيم” بطلا من أبطال “فيلا أندريا” لا يضاهيه أي بطل في أي فيلم من أفلام الإرهاب، فقد تخصص في مهنة جديدة، هي اقتلاع أعين ضحاياه بملعقة.

ولازال العشرات من ضحاياه متواجدين عميا أو عورا في الجزائر لحد الآن.

ومنذ ذلك التاريخ، وخلال تلك الأحداث الرهيبة، غير “جيم الشيخ” اسمه وأصبح يسمى “جان لا كويير”، يعني “جان الملعقة”.

ولم تكن مهمة “فيلا أندريا” منحصرة في تعذيب الجزائريين وحدهم، بل كل الفرنسيين الذين يتعاطفون مع استقلال الجزائر، وحتى الذين يشك في أنهم على صلة بالحكم المركزي في باريس، يتعرضون بدورهم للاعتقال والتعذيب في “فيلا أندريا”.

ومن بين ضحايا “فيلا أندريا” الفرنسيين، جاسوس فرنسي بعثته الحكومة المركزية الفرنسية لتحرير تقارير عما يجري في ذلك البيت الرهيب، فتم اكتشافه واختطافه واعتقاله في “الفيلا”، لينجو بأعجوبة، ويهرب إلى فرنسا، حيث أصدر كتابا عنوانه: “إني أتهم لومارشان”، و”لومارشان” هو محامي فرنسي من مؤسسي عصابات “الأوايس”، الكتاب صدر عن دار النشر “سان جوست” بباريس سنة 1966.

ويصف المؤلف “ألكسندر تيسلانكوف” في كتابه: الأيام التي قضاها في “فيلا أندريا” منذ اعتقاله في 27 يناير 1962، وكيف كانت تتم عمليات الاستنطاق والاغتيال، حيث يتم دفن المقتولين في حفر جماعية في حدائق الفيلا، بعد تنظيم عمليات الإعدام اليومي لمجموعات المستنطقين الذين لم يبق في أجسامهم موضع للتعذيب.

نهاية “فيلا أندريا”

إن “فيلا أندريا” لم تعرف نهايتها على أيدي الثوار الجزائريين كما قد يتبادر إلى الذهن، لكن الأعمال الإجرامية الإرهابية التي كانت هذه “الفيلا” مرتعا لها، والتي أقبرت مئات من الضحايا الجزائريين والفرنسيين، أصبحت تشكل خطرا على فرنسا نفسها.

فقد أفلت زمامها من أيدي المسيرين لعصابات الإرهاب، وأصبحت مركز نفوذ إرهابي داخل دولة الإرهاب.

لقد أقيمت هذه المنظمة الإجرامية مبدئيا، لتنفذ مهاما يعجز رجال الشرطة والجيش الفرنسي في الجزائر عن ممارستها، لكن رجال الشرطة الفرنسية فوجئوا بأن اتصالاتهم قطعت مع عصابات هذه “الفيلا”.

واحتدم الصراع بين الإرهابيين ورجال البوليس، وجرت الاتصالات بين أعضاء الطغمة العسكرية في الجزائر، وكانت منهمكة، في نهاية سنة 1961، في تنظيم انقلاب ضد الحكم المركزي، وإعلان الجزائر جمهورية فرنسية منفصلة عن فرنسا بقيادة أربعة جنرالات فرنسيين هم: “سالان”، “ماسو”، “جوهو” و”شال”، ولم يكونوا يعرفون النوايا القابعة وراء دوافع رجال “فيلا أندريا”، ولا مرامي المجازر التي تتم داخلها، لكن الحل جاء من باريس، جاء من طرف الأيدي الخفية، وكان عبارة عن لعبة إرهابية لوضع حل للعبة إرهابية أخرى.

فلما كانت “فيلا أندريا” بصدد التجهيز للاستعداد لمراحل مقبلة، وصلتها صناديق ضخمة، صباح يوم 29 يناير 1962، عبارة عن مطابع لنشر الأوراق الداعية لـ”الجزائر الفرنسية”.

وبمجرد ما تم إدخال الصناديق لداخل الفيلا، وبدأ الرجال في فتحها، انفجرت فاهتزت منطقة الأبيار لهول الانفجار الذي لم تذكر له مدينة الجزائر مثيلا، فقد كانت الصناديق تحتوي على مئات الكيلوات من مادة “ط. ن. ط” الشديدة الانفجار. لم تكن سيارة  ملغومة على الطريقة المعاصرة، وإنما كانت مطبعة ملغومة.

الإحصائيات التي نشرت ذلك الصباح، تحدثت عن تطاير أطراف “فيلا أندريا” في الفضاء، ومعها أشلاء تسعة عشر شخصا من الإرهابيين الذين كانوا بداخلها، وكانت من بين الأشلاء، أطراف “جيم الشيخ” أو “جان لا كويير”.

وعندما انتهت “فيلا أندريا” واختفت من حي الأبيار، لم يفرح الجزائريون الذين عانوا من ذلك الوكر الإرهابي، ودخله المئات منهم دون أن يخرجوا، وإنما فرح أيضا الاستعماريون الفرنسيون من ضباط ورجال مخابرات لم يكونوا يعرفون ماذا يجري في تلك “الفيلا”، بل إنهم كانوا بدورهم يخافون من أن يكون مصيرهم يوما بين جدرانها.

 

 

تتمة المقال بعد الإعلان

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق